القرآن الكريم مع التفسير

سورة الأنبياء

آية
إجمالي الآيات: 112 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ
📝 التفسير:
{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ 1} أول حساب الإنسان وبدايته من ساعة موته بل قبل أن تخرج نفسه وهو على فراش الموت إذ تحضر الملائكة إما أن تبشره بثواب الله سبحانه وتعالى، وإما أن تريه مكانه في النار وتبشره بالخزي والذل والعذاب، والأهوال والأفزاع والخلود في النار، وبالنسبة للمؤمن فإن يوم موته أسعد يوم يمر عليه في حياته؛ فأخبر الله تعالى في هذه الآية أن الإنسان قادم على هذه الأهوال (1)العظيمة التي ينبغي لكل عاقل أن يحذرها ويخافها، وأن يعد لها العدة والزاد، ولكنه على العكس من ذلك فهو في غفلة عظيمة وإعراض مستمر.
وقد استنكر الله سبحانه وتعالى هنا على المشركين عندما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحذرهم عذاب الله وسخطه والأهوال التي هم قادمون عليها والتي قد اقترب موعدهم لها ولكنهم في غفلة عن ذلك كله بل ومنغمسون في أهوائهم وشهواتهم.

__________
(1) - سؤال: قد يقال: كأنكم تريدون أن الحساب الذي أخبر الله تعالى باقترابه هو أهوال الموت فقط فما هو المرجح لذلك؟ وهل يصح أن يحمل أيضاً على أمور المحاسبة والمناقشة في الآخرة أم لا؟

الجواب: المقصود في الآية اقتراب الساعة وقيام الناس من قبورهم للحساب والمناقشة وإنما ذكرنا بداية هذا الحساب بما ذكرناه.
الآية 2
مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
📝 التفسير:
{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ (1) إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ 2} وأنهم كل ما أنزل الله سبحانه وتعالى عليهم آية وقرأها عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم استهزأوا بها، واستخفوا بقارئها.
__________
(1) - سؤال: كيف يستطيع المرشد أن يرد على من قال في تأويل الآية هذه: بأن القرآن محدث التنزيل لا محدث الإيجاد؟
الجواب: على من يدعي أن المراد محدث التنزيل أن يبدي الدليل على ما يقول لأن دعواه هذه خلاف ظاهر الآية ولا يجوز مخالفة الظاهر إلا بدليل ويمكنه أن يستدل على حدوث القرآن:
- ... بأن القرآن فعل من أفعال الله، والفاعل متقدم على فعله.
- ... وبأن القرآن مركب من كلمات وحروف يتقدم بعضها بعضاً، فكل كلمة يتقدمها غيرها تكون محدثة، ومن هنا اضطر الأشعرية أن يقولوا: إن القرآن المتصف بالقدم هو الكلام النفسي دون الكلام الذي هو حروف وأصوات؛ لأن الحروف والأصوات محدثة بالضرورة.
الآية 3
لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ
📝 التفسير:
{لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} فهم في لهو ولعب وغفلة عن تذكير الله تعالى لهم، وعن كل ما يحذرهم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
{وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} (2)وكان كلما أنزل الله سبحانه وتعالى لهم آية قاموا يتغامزون فيما بينهم ويهمس بعضهم لبعض أن محمداً ليس إلا كذاباً أو ساحراً، وليس إلا بشراً مثلكم فكيف يكون نبياً؛ وكانوا يزعمون أنه لا يصح أن يكون نبي من البشر ولا بد أن يكون من غير جنسهم.
{أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ (1) وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ 3} ينصح بعضهم بعضا، ويكلم بعضهم الآخر: كيف تصدقونه وتصدقون سحره هذا، وأنتم من أهل البصائر والعقول الراجحة.

__________

(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ}؟

الجواب: «الذين» بدل من ضمير الفاعل في: {وَأَسَرُّوا}، و «ظلموا» فعل وفاعل صلة الموصول، و «هل» للاستفهام ومعناها النفي، و «هذا» مبتدأ و «إلا» أداة استثناء، و «بشر» خبر المبتدأ، والاستثناء مفرغ، وجملة {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} مقول لقول محذوف فيكون في محل نصب أي: قائلين هل هذا ...

(1) - سؤال: يقال: كيف إتيانهم السحر؟
الجواب: كان كبار قريش يحذرون أتباعهم من استماع ما يتلوه عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وينفرونهم عن استماعه بوصفهم له بالسحر، وإتيانهم السحر هو إتيانهم لسماع القرآن الذي يتلوه عليهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
الآية 4
قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
📝 التفسير:
{قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 4} (2) أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخبرهم أن الله عالم بما في سرائرهم وبما يتناجون به فيما بينهم من عدم تصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورميهم له بالسحر، وصدهم للناس عن النبي وعن الإيمان به، وأخبرهم أنه سيجازيهم على كل ذلك فهو يسمع كل قول ويعلم كل فعل ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
__________

(2) - سؤال: هل يستنبط من هذه الآية أن معنى «سميع» عالم بالمسموعات؟ وكيف؟
الجواب: نعم تدل هذه الآية على أن معنى «سميع» في حق الله جل وعلا عالم بالمسموعات وذلك من حيث أنه تعالى قال في هذه الآية: {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} والقول هو من المسموعات، فإذا وصفنا الله تعالى بأنه سميع فمعناه أنه يعلم القول في السماء والأرض، ويعلم أيضاً سائر الأصوات في السماء والأرض. وهذه الآية دليل واضح على ما يقوله أئمتنا من أن سميعاً بمعنى عالم بالمسموعات.
الآية 5
بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
📝 التفسير:
{بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} (3)وأخبر أن بعضهم يقول: إن ما يأتينا به محمد ويدعيه علينا من النبوة ليس إلا خليطاً من الأحلام يقصها علينا، وإنّ الحساب والقيامة والجنة والنار ليس إلا أحلاماً يقصها، أما النبوة فهو بعيد عنها كل البعد.
{بَلِ (1) افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ 5} وبعضهم يقول: إنما ادعاها وافتراها من تلقاء نفسه؛ فهم يتخذون كل الوسائل في إبطال دعوته والصد عنها، ثم ادعوا عليه أنه إن كان نبياً صادقاً فليأتهم بآية مثل تلك الآيات التي جاء بها الأنبياء السابقون قبله كناقة صالح ونحوها، مع أنه قد جاءهم بالآيات لكنهم كذبوا بها، ولم يَعْتَدُّوا بها تمرداً وعناداً.
__________

(3) - سؤال: ما إعراب: {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ}؟ وكذا: {كَمَا أُرْسِلَ}؟

الجواب: «أضغاث أحلام» خبر لمبتدأ محذوف أي: الذكر الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أضغاث أحلام أو القرآن أضغاث أحلام. «كما أرسل» التقدير: فليأتنا بآية إتياناً كائناً مثل إرسال الأولين، فـ «كما أرسل» جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف، و «ما» والفعل في تأويل مصدر مجرور بالكاف.

1) - سؤال: من فضلكم ما فائدة الإضراب هنا؟
الجواب: أجمع المشركون على التكذيب والرد والكفر بالقرآن ثم تنوعوا في وصفهم له فقال بعضهم: سحر، وقال آخرون: بل هو أضغاث أحلام، وقال آخرون: بل هو كلام افتراه محمد فهو مفترى أي مكذوب على الله فجاء الإضراب تبعاً لما يقال بين أوساط المكذبين وكالحكاية لما يتردد بينهم.
الآية 6
مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ
📝 التفسير:
{مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا (2) أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ 6} ثم رد الله سبحانه وتعالى عليهم وأخبر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن جميع المكذبين بأنبيائهم على سنة وطريقة واحدة في التكذيب وعدم الإيمان بأنبيائهم، وأخبره بأن أمته لن تكون بدعاً منهم، فحالها كحالهم سواء فلا يتوقع منهم الإيمان.
وفي ذلك تسلية منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ليخفف عنه من حزنه وأسفه على ما لاقاه من قومه من التكذيب والاستهزاء، وليعلم أن حاله كحال من سبقه من الأنبياء؛ لأنه إذا عرف ما قد لاقاه من سبقه هانت عليه مصيبته.
__________

(2) - سؤال: ما إعراب: {مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا}؟
الجواب: «قرية» فاعل مرفوع محلاً مجرور لفظاً بـ «من» الزائدة، وجملة «أهلكناها» في محل رفع صفة لقرية.
الآية 7
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 7} كانت قريش تزعم أنه لا يصح أن يكون نبي من البشر، ولا بد أن يكون ملكاً أو من جنسٍ غيرِ جنسهم (1)، فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبرهم بأنه لم يرسل إلى الأمم السابقة إلا رجالاً، وأنهم إن لم يصدقوا ذلك فليذهبوا إلى علماء اليهود والنصارى (2) فيسألونهم عن ذلك وسيخبرونهم بالحقيقة.
__________
(1) - سؤال: يقال: فما الوجه في عدم التعبير في الحصر بـ: «إلا بشراً» بدلاً عن «إلا رجالاً» أم أن فيه فائدة أخرى فما هي؟
الجواب: قال الله تعالى: {إِلَّا رِجَالًا} لأنه لم يرسل إلا نوعاً من نوعي البشر وهم الرجال دون النوع الآخر وهو النساء فلو قال: «إلا بشراً» لتوهم أنه يرسل رجالاً ونساءً.
(2) - سؤال: هل يصح أن تعمم الآية {أَهْلَ الذِّكْرِ} فتشمل علماء المسلمين أم لا، ولماذا؟
الجواب: الأمر بالسؤال موجه إلى المشركين الذين استنكروا أن يكون محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً وهو من البشر فقال الله لهم: اسألوا اليهود هل كان الله تعالى يرسل إلى الناس رسلاً من البشر أو من غير البشر، فلم يدخل علماء المسلمين في {أَهْلَ الذِّكْرِ} لأن المراد بالإضافة العهد لا العموم، إلا أنه يؤخذ من الآية، أنه يجب على الجاهل أن يسال العلماء عن أمر دينه.
الآية 8
وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ
📝 التفسير:
{وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا (3) لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ (4)وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ 8} وأن يخبرهم أنهم من جنس البشر يأكلون مثلهم ويشربون مثلهم ويسيرون ويذهبون وينكحون النساء وينامون وفي نهاية الأمر يموتون.

__________

(3) - سؤال: يقال: كيف حمل المفرد «جسداً» على ضمير الجمع؟
الجواب: قد قيل: إن «جسداً» مفرد ومعناه الجمع أو أنه في الأصل مصدر، وقيل: إنه أفرد ونكر ليشير بذلك إلى نوع من الأجساد عظيم أو قوي أي: ذوي جسد قوي أو عظيم.
(4) - سؤال: ما إعراب جملة: {لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ}؟ وما فائدتها في تقرير المعنى؟

الجواب: تعرب الجملة صفة لجسداً فتكون في محل نصب، وفائدة الصفة التخصيص أي: فلا تستنكروا أيها المشركون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأكل والشرب فما جعل الله رسله أجساداً لا تأكل الطعام بل جعلهم أجساداً تأكل الطعام فهم بشر مثلكم منَّ الله تعالى عليهم بالنبوة وأيدهم بالمعجزات البينة.
الآية 9
ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ
📝 التفسير:
{ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ (1) الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ 9} ثم إن الله سبحانه وتعالى كان يعد أنبياءه بالنصر والظفر وأن العاقبة ستكون لهم؛ فيحقق الله وعده لأنبيائه فينجيهم ويهلك أعداءهم، فثق يا محمد بالنصر والظفر على المشركين وأن العاقبة ستكون لك، واصبر إلى أن يأتيك الله سبحانه وتعالى بالنصر، واعلم أن لهم أجلاً قد كتبناه لهم، ولا بد أن يبلغوه.
__________
(1) - سؤال: هل يتعدى الفعل «صدق» إلى مفعولين فكيف مع قوله: {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب:23]، أم أن له معنى مغايراً في كلٍّ من الموضعين؟
الجواب: لا يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه، والآية هذه كما قال صاحب الكشاف مثل قوله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا} [الأعراف:155]، أي: صدقناهم في الوعد، واختار موسى من قومه، ومعنى «صدق» هنا كمعناها في: {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}.
الآية 10
لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
{لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ 10} يخاطب الله سبحانه وتعالى المشركين الذين تصدوا لدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وواجهوه بالتكذيب، وأما بقية العرب فقد كانوا ينظرون إلى قريش وما سيكون منهم ليفعلوا مثل فعلهم، فأخبرهم الله سبحانه وتعالى بأنه قد أنزل إليهم القرآن وأن فيه شرفهم وعزهم ورفعتهم في الدنيا إن هم قبلوه وعملوا بما فيه.
وأخبرهم أن من شأن كل عاقل إذا عرض عليه أحد مثل هذا العرض أن يقبله بدون أي تردد، ولكنهم لحمقهم وجهالتهم رفضوا وتمردوا واستكبروا.
الآية 11
وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ
📝 التفسير:
{وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ 11} وكذلك يحذرهم الله سبحانه وتعالى بأسه ونقمته، وأن يحل بهم ما حل بالأمم السابقة من عذابه وسخطه، وكثيراً من القرى والأمم أهلكهم بسبب تكذيبهم وتمردهم على أنبيائهم، وأنشأ بعد ذلك قوماً غيرهم يعمرون الأرض ويعيشون عليها.
الآية 12
فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ 12} وكان أهل القرى عندما يرون نزول العذاب بهم يهربون جَرْياً على أقدامهم ليسلموا من العذاب النازل بهم
الآية 13
لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ
📝 التفسير:
{لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ (1) وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ 13} (2) فامكثوا مكانكم فلن ينفعكم الهرب وسيلحق بكم أينما ذهبتم.
__________
(1) - سؤال: فضلاً ما معنى {ارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ}؟
الجواب: المعنى: ارجعوا إلى جزاء ما أترفتم فيه، أي: ارجعوا إلى العذاب الذي حل بكم.
(2) - سؤال: يقال: من القائل لهم هذا الكلام؟
الجواب: يقال لهم بلسان الحال، وليس ثمَّة قائل قال ذلك الكلام.
الآية 14
قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
📝 التفسير:
{قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ 14 فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ 15} وحين أدركهم العذاب نادوا بالويل والثبور وندموا على ما كانوا فيه من الكفر والضلال، ومكثوا كذلك في الولولة والتحسر حتى أبادهم الله بعذابه.
وقد قيل إن هؤلاء القوم الذين ركضوا هرباً من العذاب هم أهل حضور وأهل الحيمة من قبائل اليمن وذلك حين بعث الله سبحانه وتعالى إليهم شعيب بن ذي مهدم نبياً فكذبوا به وتمردوا عليه؛ ومكانهم معروف فلا تزال القرية تسمى باسم نبيهم هذا (بيت مهدم) وقبره في رأس جبل فوق هذه القرية ويسمى جبل النبي شعيب، وهو نبي اسمه شعيب، وليس بالنبي شعيب المذكور في القرآن.
الآية 15
فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ
📝 التفسير:
{قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ 14 فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ 15} وحين أدركهم العذاب نادوا بالويل والثبور وندموا على ما كانوا فيه من الكفر والضلال، ومكثوا كذلك في الولولة والتحسر حتى أبادهم الله بعذابه.
وقد قيل إن هؤلاء القوم الذين ركضوا هرباً من العذاب هم أهل حضور وأهل الحيمة من قبائل اليمن وذلك حين بعث الله سبحانه وتعالى إليهم شعيب بن ذي مهدم نبياً فكذبوا به وتمردوا عليه؛ ومكانهم معروف فلا تزال القرية تسمى باسم نبيهم هذا (بيت مهدم) وقبره في رأس جبل فوق هذه القرية ويسمى جبل النبي شعيب، وهو نبي اسمه شعيب، وليس بالنبي شعيب المذكور في القرآن.
الآية 16
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ
📝 التفسير:
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ 16} (1) أخبر الله سبحانه وتعالى المشركين أنه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما عبثاً وباطلاً لا لغرض، بل خلقها لغرض وحكمة عظيمة وهي ما يترتب عليها من الدار الآخرة والحساب والجزاء، وإلا لكان عبثاً ولعباً أن يخلق هذا الإنسان ويعمره ستين سنة وهذا يعمره عشر سنوات وهذا عشرين ثم يميتهم وينتهي كل شيء، وأن يجعل هذا قوياً وذاك ضعيفاً ثم يسلط القوي على الضعيف ويخلي بينهما ثم يميتهم جميعاً ولم ينتصف لبعضهم من بعض، وكذلك تسليط الحيوانات بعضهم على بعض وأكل القوي للضعيف، وكذلك ما قد أعطى الله من تمكين بني آدم على بعض الحيوانات بالذبح والركوب والاستنفاع بها، وعدم رؤيتنا في الدنيا للعوض الذي يفترض أن يعطيهم الله تعالى، فلو لم يكن دارٌ غير هذه الدار لكان الله تعالى ظالماً (2)بما مكن ذلك وسلب الآخر التمكين، فعرفنا أنه لا بد من دار ينال فيها كل امرئ جزاء ما عمل.

__________
(1) - سؤال: ما المقصود بما بين السماء والأرض؟ وما إعراب {لَاعِبِينَ}؟
الجواب: المراد بما بين السماء والأرض: الكواكب والمصابيح المعلقة بين السماء والأرض والسحاب والمطر وعوالم الطيور و ... إلخ. «لاعبين» حال من ضمير «خلقنا».
(2) - سؤال: إذا قيل كيف يكون ظالماً وهو لم يمكن المتمكن إلا لمصلحته وليطيع الله سبحانه بذلك التمكن، فكيف يجاب على ذلك؟

الجواب: يقال: يحكم عقلاء الناس على الوالي الذي يعد لحفظ دولته جيشاً ويوفر له أسباب القوة وآلات الحرب ويلبسهم ثياب الهيبة وكل ذلك من أجل حفظ الدولة وأمن الرعية ثم إنهم تسلطوا على الرعية بنهب أموالهم وإهانتهم بالضرب والسجون ونحو ذلك فيرى كل ذلك الوالي ثم لا يمنعهم ولا يغير ولا ينكر بل يتركهم يظلمون الرعية كيفما يشاءون فإن الناس جميعاً يحكمون بظلم هذا الوالي ويذمونه، ولا يتحاشا عاقل عن ذلك؛ لذلك وجب أن ننزه الله تعالى عن مثل ذلك ونجله ونسبحه عن أن يكون كذلك، سبحانه وتعالى علواً كبيراً.
الآية 17
لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ
📝 التفسير:
{لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ 17} كذلك يجيب الله سبحانه وتعالى على المشركين الذين ينسبون الولد إليه بأنه لو كان له ولد (1) لاتخذه من عنده لا من البشر، ولكنَّ ذلك لا يليق بجلاله وعظمته وكبريائه أن يحتاج إلى الولد، ولأنه ليس من شأن ذي الإلهية والجلال التوالد والتناسل.
__________
(1) - سؤال: يقال: ما السر في قصر اللهو على الولد؟ وهل يصح أن يحمل على أي لهو أو لعب المشار إليه بالآية التي قبلها: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ ... }؟
الجواب: يصح أن يحمل على أي لهو ولعب ويدخل في ذلك الولد، وقد يكون تفسيره بذلك هو المقدم، وإنما فسرناه بالولد ذهاباً منا إلى بعض التفاسير المذكورة في تفسير هذه الآية، وهناك من فسر اللهو أيضاً بالمرأة، وكلها صحيحة.
الآية 18
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ
📝 التفسير:
{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} وأخبر أنه قد أنزل القرآن وقذف به في دماغ الباطل فقتله وأزاله، وهذا وعد من الله تعالى بأنه سيزيل الباطل والشرك من نسبة الولد إليه وعبادة الأصنام وغيرها، وأن دينه سيظهر على جميع الأديان، وأن العاقبة ستكون للحق وأهله.
{وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ 18} يهدد الله سبحانه وتعالى المشركين الذين يقولون إن الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، والذين اتخذوا آلهة فعبدوها من دون الله، وأنهم بسبب ذلك سينالهم العذاب الشديد.
الآية 19
وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ
📝 التفسير:
{وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} وهو وحده مالك من في السماوات والأرض فلا ولد ولا زوجة ولا شريك بل كلهم عبيد له وتحت قبضته وسيطرته. يجيب الله سبحانه وتعالى بذلك على من ادعى عليه اتخاذ الولد والشريك.
{وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} والملائكة عبيده عاكفون على عبادته متواضعون لعظمته.
{وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (1) 19 يُسَبِّحُونَ (2) اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ 20} لا يكلّون أو يتكاسلون عن عبادته، أو يصيبهم التعب والإرهاق، بل عاكفون على عبادته في كل الأوقات، وهم مع ذلك ينزهونه ويقدسونه عن اتخاذ الولد وعن الشبيه والمثيل ولا يشركون معه أحدا في صفات الربوبية والكمال والعظمة والجلال.
__________
(1) - سؤال: ما أصل هذا الفعل؟ ومم أخذ؟
الجواب: أصله: حَسَرَ من باب جلس أي: تعب وأعيا، ويستحسرون مأخوذ منه، وزيادة الألف والسين والتاء في هذا الفعل للمبالغة.
(2) - سؤال: لماذا لم تعطف جملة {يُسَبِّحُونَ} على ما قبلها؟ وما محلها الإعرابي؟
الجواب: لم تعطف لأنها بيان لما قبلها، وليس لها محل من الإعراب لأنها مستأنفة.
الآية 20
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ
📝 التفسير:
{وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} وهو وحده مالك من في السماوات والأرض فلا ولد ولا زوجة ولا شريك بل كلهم عبيد له وتحت قبضته وسيطرته. يجيب الله سبحانه وتعالى بذلك على من ادعى عليه اتخاذ الولد والشريك.
{وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} والملائكة عبيده عاكفون على عبادته متواضعون لعظمته.
{وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (1) 19 يُسَبِّحُونَ (2) اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ 20} لا يكلّون أو يتكاسلون عن عبادته، أو يصيبهم التعب والإرهاق، بل عاكفون على عبادته في كل الأوقات، وهم مع ذلك ينزهونه ويقدسونه عن اتخاذ الولد وعن الشبيه والمثيل ولا يشركون معه أحدا في صفات الربوبية والكمال والعظمة والجلال.
__________
(1) - سؤال: ما أصل هذا الفعل؟ ومم أخذ؟
الجواب: أصله: حَسَرَ من باب جلس أي: تعب وأعيا، ويستحسرون مأخوذ منه، وزيادة الألف والسين والتاء في هذا الفعل للمبالغة.
(2) - سؤال: لماذا لم تعطف جملة {يُسَبِّحُونَ} على ما قبلها؟ وما محلها الإعرابي؟
الجواب: لم تعطف لأنها بيان لما قبلها، وليس لها محل من الإعراب لأنها مستأنفة.