القرآن الكريم مع التفسير

سورة الكهف

آية
إجمالي الآيات: 110 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا
📝 التفسير:
{وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} كشف الله سبحانه وتعالى للناس قصة أهل الكهف وأظهر أمرهم بتدبير منه بالرغم من تخفيهم الشديد، وحرصهم على ألّا يطلع أحد على أمرهم، ولكن حكمته اقتضت أن يظهر أمرهم لجميع الناس، فذاع خبرهم وقصتهم واشتهر بين جميع سكان المدينة، فلحقوا بهم إلى الكهف ليتعرفوا على أخبارهم وشأنهم وقصتهم عن قرب، وقد أخبرهم أهل الكهف بقصتهم وشأنهم، وأخبروهم عن أسمائهم، وظهر لهم كم لبثوا نياماً بداخل الكهف، وكان السر والحكمة في ذلك ليعلم الناس أن وعد الله سبحانه وتعالى حق، وأنه قادر على أن يبعث الناس بعد موتهم، وأنه سيحشرهم يوم القيامة؛ لأنهم إذا رأوا وعرفوا أمر أصحاب الكهف ونومتهم مئات السنين عرفوا أن الله على كل شيء قدير، وأنه قادر على أن يحيي الموتى، ولئلا يكون لهم سبيل بعد ذلك إلى إنكار البعث بعد الموت.
إذاً فهناك حكمتان من بعثهم: الأولى: ليعرفوا كرامة الله سبحانه وتعالى لهم. والثانية: ليطلع الناس على قدرته على البعث والإحياء بعد الموت.
{إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} كان الناس قد لحقوا بهم لينظروا شأنهم وقصتهم، وبعد أن عرفوا ما جرى عليهم دخل هؤلاء الفتية الكهف، فأماتهم الله تعالى مكانهم، ثم إن الناس اختلفوا فيما بينهم فبعض منهم أشار بأن يضعوا بناءً عليهم.
{قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا 21} وكانت الغلبة والدولة للمؤمنين (1)؛ لأنهم كانوا الكثرة ذلك الوقتَ فاتفقوا على أن يبنوا عندهم مسجداً؛ ليكون ذلك المكان مقصداً للناس يتعبدون فيه إظهاراً لشرف هؤلاء الفتية وكرامتهم عند الله سبحانه وتعالى، وللتبرك بالصلاة فيه.
__________
(1) - سؤال: يقال: المشهور عند المفسرين أو أغلبهم احتمال أن يكونوا من المؤمنين وأن يكونوا من غيرهم، فمن فضلكم ما هو الوجه في ترجيح كونهم من المؤمنين؟ وهل يصح أن يستدل بهذه الآية: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا 21} على جواز البناية والتسقيف على القبور؟
الجواب: إنما حملناه على المؤمنين لوجود القرينة وهي: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا 21} فذكرهم المسجد يدل على أنهم من أهل المساجد، وليس هناك ما يدل على أنهم من غير المؤمنين، وفي الآية دليل على جواز التسقيف على قبور الصالحين والبناية عليها.
الآية 22
سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا
📝 التفسير:
{سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن اليهود مختلفون فيما بينهم حول عدد أصحاب الكهف ففريق منهم قال ثلاثة نفر وكلبهم الرابع، وفريق قال خمسة وكلبهم السادس، وأخبره أن أهل هذين القولين إنما يقولون ذلك لا عن حجة ولا دليل، وأنه قول باطل. ومعنى «رجماً بالغيب»: رمياً بالظن والجهل.
{وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} وأما فريق منهم فإنهم كانوا يقولون إنهم سبعة وكلبهم الثامن، وأخبره أن هذه المقالة هي الصحيحة بدليل أن الله تعالى لم يردها كما رد تلك المقالتين السابقتين.
{قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ} وأخبرهم يا محمد أن الله هو العالم بعدتهم، وأنه قد قرر أهل القول الثالث بينما قد كَذَّب المقالتين السابقتين.
{مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} وأنه لم يعلم بأمرهم إلا القليل من الناس، وهم بعض أهل الكتاب أي الذين قالوا بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم.
{فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا 22} نهى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجادل أهل الكتاب وأن يكثر معهم الجدال، وإنما يخبرهم بقصتهم كما أخبره في القرآن، وذلك لأنهم أهل جهل وعناد فلن يقبلوا منه، ونهاه أيضاً أن يسأل أحداً من اليهود عن أخبار أهل الكهف؛ لأنهم لا يعلمون بقصتهم على حقيقتها، وإنما يخبطون في شأنهم وقصتهم لا عن علم ويقين، وإنما يتبعون هواجس وأهواء.
الآية 23
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا
📝 التفسير:
{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا 23 إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} ونهاه الله سبحانه وتعالى أن يعد أحداً بشيء إلا ويعلقه بمشيئته، وذلك أنهم عندما سألوه عن قصة أصحاب الكهف وعدهم بأنه سيخبرهم غداً، فعاتبه الله سبحانه وتعالى على ذلك ونهاه أن يعد أحداً بشيء إلا إذا كان معه خبر من الله سبحانه وتعالى بأنه سينجزه له فلا بأس بذلك، وقد قيل إنه بسبب ذلك رفع عنه الوحي نحواً من خمسة عشر يوماً.
وأظن أن ذلك ليس بصحيح؛ لأن الله سبحانه وتعالى لطيف بنبيه ورحيم به، ولا يريد أن يحزن نبيه أو يظهره في صورة الكذاب بين الناس، ويعرضه لسبهم ورميهم له بالكذب، وإنما كان ذلك تعليماً لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يقطع في شيء إلا بأمر وإذن منه، وأن لا يعد أحداً بشيء ليس في يده ولا تحت قدرته، كما كان منه في وعده لليهود بأنه سيخبرهم بقصة أهل الكهف مع أن ذلك ليس في يده ولا زال في علم الله سبحانه وتعالى لا يعلم ما مراده فيه، وهل سيخبره بشأنهم أم لا، فنهاه الله سبحانه وتعالى عن ذلك, وأن لا يقطع في شيء إلا وقد أذن له فيه؛ لأن حكمته قد لا تقتضي ذلك الشيء الذي قد وعدهم به.
الآية 24
إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا
📝 التفسير:
ونهاه الله سبحانه وتعالى أن يعد أحداً بشيء إلا ويعلقه بمشيئته، وذلك أنهم عندما سألوه عن قصة أصحاب الكهف وعدهم بأنه سيخبرهم غداً، فعاتبه الله سبحانه وتعالى على ذلك ونهاه أن يعد أحداً بشيء إلا إذا كان معه خبر من الله سبحانه وتعالى بأنه سينجزه له فلا بأس بذلك، وقد قيل إنه بسبب ذلك رفع عنه الوحي نحواً من خمسة عشر يوماً.
وأظن أن ذلك ليس بصحيح؛ لأن الله سبحانه وتعالى لطيف بنبيه ورحيم به، ولا يريد أن يحزن نبيه أو يظهره في صورة الكذاب بين الناس، ويعرضه لسبهم ورميهم له بالكذب، وإنما كان ذلك تعليماً لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يقطع في شيء إلا بأمر وإذن منه، وأن لا يعد أحداً بشيء ليس في يده ولا تحت قدرته، كما كان منه في وعده لليهود بأنه سيخبرهم بقصة أهل الكهف مع أن ذلك ليس في يده ولا زال في علم الله سبحانه وتعالى لا يعلم ما مراده فيه، وهل سيخبره بشأنهم أم لا، فنهاه الله سبحانه وتعالى عن ذلك, وأن لا يقطع في شيء إلا وقد أذن له فيه؛ لأن حكمته قد لا تقتضي ذلك الشيء الذي قد وعدهم به.
{وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} (1) أمره الله سبحانه وتعالى أن يكون ذكره على قلبه في كل وقت وحين، وأن يتذكر أوامره له وتعاليمه، ويعمل بها.
{وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا 24} وأمره أن يسأله أن يطلعه على المزيد من آياته وعجائبه، كقصة أهل الكهف وغيرها من الآيات.
__________
(1) - سؤال: هل يصح أن يحمل هذا على أنه إذا نسي من تعليقه بالمشيئة أن يذكر الله سبحانه عند ذكره؟
الجواب: يصح أن يحمل على ذلك، وقد دخل ما ذكرتم تحت ما ذكرنا في التفسير.
الآية 25
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا
📝 التفسير:
{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا 25} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخبرهم بأنه وحده العالم بمدة لبثهم في الكهف، وأنهم قد لبثوا ثلاثمائة وتسع سنين، وأمره بأن لا يعتمد على أخبار اليهود فهو أعلم منهم، وأن لا يثق بأخبارهم على الإطلاق، ولا بما ينقلونه من الوقائع والأحداث، وقد أجمع المسلمون على أنه لا وثوق بأخبار بني إسرائيل؛ لأن كتبهم قد أصبحت محرفة، فهو وحده العالم؛ لأنه المختص بعلم غيب السماوات والأرض مستقبلها وماضيها، ولا أحد يشاركه في ذلك.
وقد قيل: إن ثلاثمائة سنة شمسية تساوي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية، ويحتمل أنها ثلاثمائة وتسع سنين شمسية أو قمرية.

الآية 26
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا
📝 التفسير:
{قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} (1) الله تعالى هو العالم بمدة نوم أهل الكهف دون أهل الكتاب، وهو تعالى المختص بعلم مغيبات السماوات والأرض، لا يغيب عن علمه لفظة لافظ ولا همسة هامس ولا صوت وإن دق، ولا يغيب عن علمه متحرك ولا ساكن، وسع كرسيه السماوات والأرض.
{مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا 26} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه ليس للمشركين إله يعبد غير الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يشرك أحداً في ملكه وتدبيره لأمر السماوات والأرض وما بينهما.
__________
(1) - سؤال: لو أعربتم: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} وتحدثتم عن هذا الأسلوب وماذا يعني على ضوء إعرابه، فالمرشد في أمس الحاجة إلى معرفته؟
الجواب: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} أبصر: فعل ماضٍ جاء على صورة الأمر للتعجب، والباء حرف جر، والضمير في «به» هو الفاعل زيدت فيه الباء لإصلاح اللفظ أي: أن الفعل الماضي جاء على صورة الأمر فاستدعى ذلك زيادة الباء لمشابهته للأمر.
الآية 27
وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا
📝 التفسير:
{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يستمر على تلاوة آيات القرآن عليهم، وتبليغهم ما أوحي إليه، وأن لا تفتر عزيمته أو تضعف معنوياته لمصادمتهم له بالتكذيب والاستهزاء، وأن لا يبالي بتكذيبهم واستهزائهم.
{لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} وأخبره بأن النصر سيأتيه وأن دينه سيظهر على جميع الأديان، وأخبره أنه لن يبدل وعده هذا، وحثه على الصبر والاستمرار على تبليغ الحجة.
{وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا 27} وأخبره أنه لن يجد أحدا يلتجئ إليه أو يسند ظهره إليه إلا الله سبحانه وتعالى.
الآية 28
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا
📝 التفسير:
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خلال دعوته إلى الله سبحانه وتعالى وإلى الإسلام قد استجاب له ضعاف الناس وفقراؤهم، بينما أولئك الأشراف وأهل الغنى والوجاهة قد كذبوا به، فأمره الله سبحانه وتعالى بأن يمكث بين أولئك الضعاف، فهم الذين انقادوا لله سبحانه وتعالى، واستسلموا له خاضعين له بالدعاء والتوسل، وأمره أن يتخذهم جلساء له، وأن لا ينظر إلى غيرهم من أهل الدنيا بل يعرض عنهم كل الإعراض ولا يلتفت إليهم في أي شيء من أمور دنياهم على الإطلاق، ولا ينظر إلى ما هم فيه نظر إعجاب بما أوتوا من الأموال ومن زينة الدنيا أو نظر الاستعظام لما هم فيه من النعيم والترف فهو حقير عند الله سبحانه وتعالى، وأخبره أن هؤلاء الضعاف أعظم جاهاً وأرفع قدراً من أولئك المتكبرين، ونهاه أن يميل نظره عنهم أي ميل، أو يرفع نظره عنهم.
{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} ونهاه أن يستمع إلى أهل الدنيا أو أن يستجيب لهم في أي أمر من أمورهم أو أن يميل إليهم أي ميل؛ لأنهم غافلون كل الغفلة عن الله سبحانه وتعالى فهم عبيد أهوائهم وشهواتهم.
والمراد بـ {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} هو أن الله سبحانه وتعالى قد أعطاهم الجاه والشرف والعز والأموال والتجارات التي هي أسباب غفلتهم، فنسب الإغفال إليه عندما أعطاهم الأسباب التي غفلوا بسببها (2).
ألا ترى لو أعطى رجل ولده النقود، ثم إن هذا الولد انحرف بسببها فإن الناس سيقولون: إن أباه هو الذي خذله، وجعله منحرفاً، وسينسبون ذلك إليه، مع أنه لم يفعل إلا السبب فقط، والله سبحانه وتعالى قد نسب الإغفال إليه لفعله ما هو سببه.
ولو كان الأمر كما يزعمه بعضهم لكان ظالماً في تعذيبهم على فعله للغفلة فيهم.
{وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا 28} (1) بعيداً عن الحق. يخاطب الله سبحانه وتعالى نبيه هنا والمراد به أصحابه؛ لأنه بعيد كل البعد عن اتباع أهل الأهواء والشهوات؛ لأنه في الدرجة العليا من الإيمان بالله سبحانه وتعالى، والتنزه عن هذه الأعمال.

__________
(1) - سؤال: هل يستدل على هذا الكلام بقول الملائكة: {وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا 18} [الفرقان]؟
الجواب: نعم ذلك دليل على صحة التفسير الذي ذكرناه.

(2) - سؤال: مم أخذت هذه الكلمة أو ما أصل اشتقاقها؟
الجواب: أخذت من قولهم: «فرس فرط» أي: متقدم للخيل.
الآية 29
وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا
📝 التفسير:
{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} وأخبرهم يا محمد أن الحق هو ما قد جاء به ربهم، وأوحى به إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقط، وأن غير ذلك ضلال وباطل.
{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} فقد وضح الله سبحانه وتعالى لخلقه الحق وبينه على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالحجج والبراهين القاطعة، وجعل لهم العقول التي يميزون بها بين الحق والباطل، ثم وكل كل واحد إلى مشيئته واختياره فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} (2) وأخبر أنه قد أعد لمن عصاه وتمرد عليه ناراً محاطاً عليها بسور لا يستطيعون الهروب منها أو الخروج دائماً وأبداً.
ومعنى «سرادقها» أي: سور كالبناء الذي يمنع الدخول والخروج.
والظالم هو الذي يضع الحقوق في غير مواضعها، والمشركون بعبادتهم الأصنام سموا ظالمين؛ لأنهم عبدوا من لا يستحق العبادة.
{وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا 29} وإذا طلبوا من يغيثهم فإن ملائكة العذاب ستغيثهم بماء من حميم إذا قربوه من وجوههم ليشربوا شواها وأحرقها من شدة غليانه.
والمهل: هو النحاس الذي أغلي عليه في النار حتى أذيب من شدة الحرارة، والمراد أن هذا الماء كالمهل في حرارته، فقد ورد أن شرابهم من صديد أهل النار وقيحهم، وهو أقبح الشراب وأشنعه.
وأخبر أيضاً أن لا مكان يرتفقون إليه ويأوون فيه إلا النار، وأن لا مفر لهم ولا مهرب غيرها.

__________

(2) - سؤال: هل هذه الآية عامة في كل ظالم أم أنها خاصة بالمشركين؟
الجواب: الآية عامة في المشركين وغيرهم من الظالمين.
الآية 30
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (1) إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا 30 أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} ثم أخبر أن من آمن به وامتثل لأوامره واجتنب ما نهاه عنه فإنه لن يضيع عليه شيء من أجور أعماله هذه، وأنه سيثيبهم جنات إقامة دائمة تجري الأنهار في بساتينها لا تنقطع دائماً وأبداً.
الآية 31
أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا
📝 التفسير:
ثم أخبر أن من آمن به وامتثل لأوامره واجتنب ما نهاه عنه فإنه لن يضيع عليه شيء من أجور أعماله هذه، وأنه سيثيبهم جنات إقامة دائمة تجري الأنهار في بساتينها لا تنقطع دائماً وأبداً.
{يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} تكون أسورتهم فيها من الذهب يتزينون بها، ويكون لباسهم من السندس والإستبرق والمراد بهما الحرير الغليظ والرقيق، فالسندس: هو الرقيق، والإستبرق: هو الغليظ.
{مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ} يجلسون على الأرائك والسرر مع أصحابهم للراحة وتبادل الحديث فيما بينهم كما كانوا في الدنيا، فلا شغل لهم إلا التنعم والتلذذ فيها فمرة مع الأصحاب والإخوان، ومرة عند الحور ومرة هنا ومرة هناك.
{نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا 31} (2)فثوابهم في غاية العظمة والحسن والنعيم، وحَسُنَ مُرْتَفَقُهم فيها ومأواهم الذي يأوون إليه.

__________
(1) - سؤال: فضلاً أين خبر اسم إن {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}؟
الجواب: الخبر جملة: {أُولَئِكَ ... } و {إِنَّا لَا نُضِيعُ ... } اعتراض.
(2) - سؤال: من فضلكم ما إعراب: {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا 31}؟

الجواب: حسنت: فعل ماض للمدح، وفاعله ضمير مستتر وجوباً، ومرتفقاً: تمييز مبني للفاعل.
الآية 32
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا
📝 التفسير:
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا 32} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يضرب لقريش مثلاً وهو: رجلان جعل الله سبحانه وتعالى لأحدهما بستانين من الأعناب وعلى أطرافهما النخل وبين أوساطهما الزرع.
الآية 33
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا
📝 التفسير:
{كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} وأن كلاً من هذين البستانين قد أخرج ثماره صالحة كلها، لم ينقص أو يفسد منها شيء.
{وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا 33} وبين وسط هاتين الجنتين نهر يجري.
الآية 34
وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا
📝 التفسير:
{وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} وقد امتلأت مخازن هذا الرجل بالثمار.
{فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} فقال هذا الرجل لصاحبه مفتخراً عليه بما أعطاه الله سبحانه وتعالى من النعيم ومحتقرا له: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا 34} ومعنى «أعز نفراً»: أنه من قبيلة كبيرة وقوية.
الآية 35
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا
📝 التفسير:
{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ (1) هَذِهِ أَبَدًا 35 وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا 36} دخل جنته وهو معجب بكثرة ما معه من الثمار والبساتين، غير شاكر لله سبحانه وتعالى بما أنعم عليه، ناسٍ لنعمته عليه.
وأخبر الله تعالى أنه ظلم نفسه بفعله هذا وظنِّه أنه لن يزول هذا النعيم الذي هو فيه، وأن الله سبحانه وتعالى لم يعطه هذا النعيم إلا وهو راضٍ عنه، وبطر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه حتى كفر بالله سبحانه وتعالى، وأنكر البعث والحساب، وزعم أنه لو فرض وأن الساعة حق فإن الله تعالى سيعطيه خيراً من هذا النعيم؛ لأنه في زعمه أهل لذلك، ومعنى «منقلباً» مرجعاً وعاقبة.
يخاطب صاحبه بذلك وهو في غاية التكبر والزهو بنفسه والغرور.

__________
(1) - سؤال: ما السر في فصل: {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ} وعدم عطفها على ما سبقها؟
الجواب: لم تعطف لأنها مستأنفة في جواب سؤال مقدر فكأن قائلاً يقول: فماذا قال ذلك الظالم المغرور؟ فقيل: قال ... إلخ.
الآية 36
وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا
📝 التفسير:
{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ (1) هَذِهِ أَبَدًا 35 وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا 36} دخل جنته وهو معجب بكثرة ما معه من الثمار والبساتين، غير شاكر لله سبحانه وتعالى بما أنعم عليه، ناسٍ لنعمته عليه.
وأخبر الله تعالى أنه ظلم نفسه بفعله هذا وظنِّه أنه لن يزول هذا النعيم الذي هو فيه، وأن الله سبحانه وتعالى لم يعطه هذا النعيم إلا وهو راضٍ عنه، وبطر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه حتى كفر بالله سبحانه وتعالى، وأنكر البعث والحساب، وزعم أنه لو فرض وأن الساعة حق فإن الله تعالى سيعطيه خيراً من هذا النعيم؛ لأنه في زعمه أهل لذلك، ومعنى «منقلباً» مرجعاً وعاقبة.
يخاطب صاحبه بذلك وهو في غاية التكبر والزهو بنفسه والغرور.

__________
(1) - سؤال: ما السر في فصل: {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ} وعدم عطفها على ما سبقها؟
الجواب: لم تعطف لأنها مستأنفة في جواب سؤال مقدر فكأن قائلاً يقول: فماذا قال ذلك الظالم المغرور؟ فقيل: قال ... إلخ.
الآية 37
قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا
📝 التفسير:
{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا 37} (1) تعجب واستنكر الفقير على صاحبه كيف يكفر بالله سبحانه وتعالى مع أنه عارف بأنه الذي خلقه من التراب، وأوجده من العدم؟!! وأنه كان من المفترض عليه أن يشكر الله على ما أنعم به عليه، لا أن يقابل نعم الله عليه بالكفران.
__________
(1) - سؤال: كيف سمى الله هذا الكافر صاحباً لهذا المؤمن مع الفرق الشاسع بينهما في العقيدة؟
الجواب: الصاحب اسم إضافي لا يقال: صاحب إلا إذا كان ثم مصحوب سواء أكانا كافرين أم مؤمنين أم مختلفين، هكذا جاء في اللغة العربية قال تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ 22} [التكوير].
الآية 38
لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا
📝 التفسير:
{لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي (2) وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا 38} بعد أن أكمل عتاب صاحبه الكافر استدرك فقال: أما أنا فلن أشرك بالله سبحانه وتعالى مثلك.
__________

(2) - سؤال: يا حبذا لو أعربتم: {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي}؟
الجواب: «لكنا» أصلها: لكن أنا حذفت الهمزة ثم أدغمت النون في النون فصار «لكنا»، و «أنا» مبتدأ و «هو» مبتدأ ثان، و «الله» مبتدأ ثالث، و «ربي» خبر المبتدأ الثالث، والجملة خبر الثاني والثاني وخبره خبر المبتدأ الأول.
الآية 39
وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا
📝 التفسير:
{وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} يعظ صاحبه ويذكره بأنه من المفترض أن يذكر الله سبحانه وتعالى عند دخوله إلى جنته، ورؤيته للنعيم الذي هو فيه، وأن يعترف -بدل الجحود- لله تعالى بأنه الذي تفضل عليه، وأن كل ما معه لاحول له فيه ولا قوة، بل هو بحول الله وقوته، وأنه لولا الله سبحانه وتعالى لما استطاع أن يكون في هذا النعيم الذي يتقلب فيه، وأن يتواضع لله سبحانه وتعالى ويتبرأ من حول نفسه وقوته، ولكنه أخطأ رشده وأصر على الجحود وكفران النعمة.
{إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا 39 فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ} إن كنت تراني لا مال لي ولا ولد فإن أملي لا زال متعلقاً بالله سبحانه وتعالى وبفضله، ولا زلت واثقاً بأنه سيعطيني أفضل مما عندك.
الآية 40
فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا
📝 التفسير:
فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ (1) خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ} إن كنت تراني لا مال لي ولا ولد فإن أملي لا زال متعلقاً بالله سبحانه وتعالى وبفضله، ولا زلت واثقاً بأنه سيعطيني أفضل مما عندك.
{وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا 40} وأنه لا يصعب على الله تعالى أن يدمر جنتك هذه في ليلة واحدة فلا يصبح عليها الصباح إلا وقد أصبحت أرضاً جرداء لا حياة ولا خضرة فيها، حتى يكاد أن يزلق عليها.
ومعنى «حسباناً» الحسبان مصدر كالغفران والبطلان بمعنى الحساب أي: مقداراً قدره الله وحسبه، وقيل: عذاب حساب ما كسبت يداك، وقيل غير ذلك.
وهذا إيذان بأن من لا يشكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه فإنها تكون قريبة الزوال.
__________
(1) - سؤال: ما السر في حذف الياء من قوله: {يُؤْتِيَنِ}؟
الجواب: حذفت للتخفيف وهو حذف قياسي.