القرآن الكريم مع التفسير

سورة يونس

آية
إجمالي الآيات: 109 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 41
وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ 41} إن لم يصدقوك يا محمد وتمردوا عليك فأخبرهم أن كل امرئ مرهون بعمله، وأنك برئ من أعمالهم ودينهم، وكافر به كما أنهم بريئون من دينك وعملك وكافرون به، وقد أبلغتهم الحجة، وهذا هو الذي يلزمك.
الآية 42
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} أخبر الله سبحانه وتعالى أن بعض قريش كانوا يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
{أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ 42} (1) ولكن سماعهم هذا لم يكن سماع تصديق، وإنما هو سماع مثل سماع البهائم، ولن يستجيبوا لك لأنهم صم لا يسمعون؛ فكيف تستطيع أن تسمع الأصم، ومع ذلك ليس له عقل؟
يخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه مهما حاول في إقناعهم فلن يستطيع؛ لأن حالهم كحال الأصم الذي لا يعقل.
__________
(1) -سؤال: ما معنى الاستفهام في هذه الآية: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ}؟
الجواب: هو استفهام إنكاري.
الآية 43
وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ
📝 التفسير:
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن بعض المشركين ينظر إليه وهو يقرأ عليه القرآن.
فلا تظنن يا محمد من نظره هذا وإنصاته أنه قد أوشك على الإيمان فلن يهتدي أبداً.
{أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ 43} فما حالهم إلا كحال الأعمى الذي لا يبصر أمامه فكيف تستطيع أن تدله على الطريق ليمشي فيها.
الآية 44
إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ 44} (1) فهم الذين ظلموا أنفسهم وجنوا عليها، وأعمالهم هي التي أعمت أبصارهم، وهم الذين تسببوا على أنفسهم بالدخول في الضلال، وليس الله سبحانه وتعالى هو الذي فعل بهم ذلك.
__________
(1) -سؤال: هل لتقديم المفعول: {أَنْفُسَهُمْ} على عامله فائدة، فما هي؟
الجواب: لتقديم المفعول هنا فائدة هي الإعلام بأن كفر المشركين وعنادهم وتمردهم وكيدهم للإسلام وأهله وسعيهم في إبطاله وما يلحقهم بسبب ذلك من خزي الدنيا وعذاب الآخرة هو بسوء اختيارهم وجنايتهم على أنفسهم لا من الله فهم الذين أوبقوا أنفسهم وأوقعوها في الهلاك وجروا عليها الويل، وما لحقهم من الخزي والوبال فإنما هو جزاء عادل وحق استحقوه بأعمالهم.
الآية 45
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ
📝 التفسير:
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا (2) إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} (3)
عندما يحشرهم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة سوف يستقصرون (4) مدة حياتهم في الدنيا فليست إلا بعض يوم في نظرهم، ولا زال بعضهم يعرف بعضاً فلم يكونوا قد نسوا ما كان بينهم في الدنيا.
{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ 45} ولم يبق لهم أي أمل في النجاة أو الهرب من الله سبحانه وتعالى بسبب تلك الساعة التي عاشوها في معصية الله سبحانه وتعالى في الدنيا.

__________

(2) -سؤال: ما إعراب قوله: {كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا ... }؟ وما موقعه في الجملة؟
الجواب: {كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا} جملة حالية في محل نصب.
(3) - سؤال: هل يصح أن تعرب جملة: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} صفة لساعة ونقدر فيها ضميراً عائداً على الموصوف؟

الجواب: تكلف التقدير في إعراب الجملة صفة لساعة يمنع من صحته مع استقامة إعراب الجملة من غير تقدير، وذلك لأن الأصل عدم التقدير وليس هناك ما يحوج إلى إعرابها صفة.

(4) -سؤال: ما سبب استقصارهم لمدة الدنيا؟
الجواب: استقصروها لأن ما مضى كأن لم يكن، ألا ترى أنك إذا رميت بفكرك إلى ما مضى من عمرك وإلى ما وقع من أحداث فإنك لا ترى السنين الطوال الماضية كما هي وإنما ترى وتتصور السنين كأنها يوم واحد متلاحق الأحداث أو لا تتصورها شيئاً، أو تتصورها كأحلام نائم، هذا ونحن قريبو عهد بها، أما إذا توسط الموت ثم البعث وما فيه من الأهوال فإن التصور يضعف ويستقل ما مضى استقلالاً زائداً على تصوره في الدنيا.
الآية 46
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ
📝 التفسير:
{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ 46} كان الله سبحانه وتعالى قد وعد قريشا بأنه سيعذبهم على تكذيبهم واستهزائهم، فأخبر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم هنا بأنه سواء عليه أراه بعض ما وعدهم من العذاب، أو توفاه قبل ذلك؛ فمرجعهم إليه يوم القيامة، وسينالون جزاءهم في نار جهنم.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد رأى بعض عذاب الله الذي حل بكبار قريش يوم بدر وهم الذين كانوا يستهزئون به ويلحقون به وبأصحابه الأذى، قال تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ 95} [الحجر]، وهو سبحانه مطلع على أعمالهم فلا يغيب عليه منها شيء، وسيجازيهم عليها.
الآية 47
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ 47} (1) سوف تأتي كل أمة بنبيها يوم القيامة فيحكم الله سبحانه وتعالى بينهم بحكمه، فمن آمن بنبيه وصدقه أدخله الجنة، ومن كفر وكذب به أدخله النار.
فإن قيل: فكيف بتلك الأمم التي في أوروبا واستراليا ونحوهما من البلدان النائية والبعيدة هل بلغتها دعوة الرسل؟
فالجواب عليه: أن الله سبحانه وتعالى لم يقص علينا في القرآن إلا الأنبياء الذين بعثهم في جزيرة العرب وبلاد الشام والعراق؛ لقربهم من العرب واختلاطهم بهم ولسماعهم بأخبارهم ورؤيتهم لآثارهم، وأما أولئك فلم يقص الله سبحانه وتعالى علينا أخبارهم وأنبياءهم لعدم الحاجة إلى ذلك، والبعد الذي بيننا وبينهم، قال تعالى {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} (2)[غافر:78].

__________
(1) -سؤال: يقال: هل هذه الآية تؤدي نفس المعنى الذي تؤديه آية النساء وغيرها {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ... } إلخ [النساء:41]، أم أن الشهيد أخص من الرسول فيشمل الأئمة والعلماء الدعاة؟
الجواب: الشهيد شامل للرسل والأئمة والعلماء العاملين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وعلى ذلك فآية النساء شاملة لمن ذكرنا دون هذه الآية.
(2) -سؤال: من المتيقن أن نبينا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول إلى الناس جميعاً بما فيهم سكان أوربا وأمريكا وأستراليا ومشارق الأرضين وأطرافها و ... ، فهل هم محاسبون على شريعته حتى من لم تبلغه الدعوة الإسلامية؟

الجواب: كل أمم الأرض محاسبون ومسؤولون عن دين الإسلام وشرائعه: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ 6} [الأعراف]، ويستثنى منهم من لم تبلغه دعوة الإسلام ولا سمع بها؛ لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا 15} [الإسراء]، ولا يعذر من سمع بدين الإسلام ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أعرض ولم ينظر في ذلك.
الآية 48
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
📝 التفسير:
{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 48} كان المشركون يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم : متى سيحين وقت هذا الوعد الذي تزعم أن الله سبحانه وتعالى سيعذبنا فيه؟ وسؤالهم هذا في الحقيقة إنما هو عناد واستهزاء واستخفاف واستبعاد منهم لوقوعه.
الآية 49
قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يجيبهم بهذا الجواب وهو أنه لا يعلم الغيب (1) ولا يعلم إلا بما أطلعه الله سبحانه وتعالى عليه.
{لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} أخبرهم يا محمد بأن لكل أمة موعداً مؤقتاً في الدنيا لوقت عذابها، وسوف ينزله الله سبحانه وتعالى بهم في حينه.
{إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ 49} فإذا حل وقت ذلك الأجل وقع ذلك الذي توعدهم الله به.
__________
(1) -سؤال: يقال: هل علم الغيب عبارة عن ملك الإنسان الضر والنفع أم ماذا؟
الجواب: ذكر الضر والنفع هنا كناية عن علم الغيب، وصحت الكناية لما بينها وبين المكني عنه من التلازم، ودليل التلازم قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف:188]،
الآية 50
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ 50} (2) لماذا تستعجلون هذا الذي توعدكم الله سبحانه وتعالى به؟ وأي منفعة
فسؤالكم هذا إنما يسأله الأحمق، وأما العاقل فلا يستعجل إلا الشيء الذي فيه راحة له وسرور ومنفعة ومصلحة.
{أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ} فكيف إذا وقع هل ستؤمنون به؟ وإذا آمنتم به فلن ينفعكم هذا الإيمان.
{آلْآنَ} (3) هل ستؤمنون الآن عند نزوله؟ فلن ينفعكم.
{وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ 51} وقد كنتم من قبل تستعجلونه مكذبين به وبوقوعه.
ومصلحة لكم فيه حتى طلبتم نزوله؟
__________

(2) -سؤال: فضلاً ما محل: {مَاذَا يَسْتَعْجِلُ}؟ وما إعرابها تفصيلاً؟
الجواب: محل الجملة: {مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ 50} النصب على أنه المفعول الثاني لـ {أَرَأَيْتُمْ}. و «ماذا»: اسم مركب من «ما» و «ذا» في أحد المذهبين وهو مبني على السكون في محل نصب مفعول ليستعجل.

(3) -سؤال: ما إعراب: {أَثُمَّ} و {آلْآنَ}؟
الجواب: الهمزة للاستفهام، وثم: حرف عطف تقتضي الترتيب بمهلة. آلآن: الهمزة للاستفهام، والآن ظرف زمان.
الآية 51
أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنتُم بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
📝 التفسير:
تفسير :
{بَيَاتًا } نصب على الظرف، بمعنى. وقت بيات، فإن قلت: هلا قيل ليلاً أو نهاراً؟ قلت: لأنه أريد: إن أتاكم عذابه وقت بيات فبيتكم وأنتم ساهون لا تشعرون، كما يبيت العدو المباغت. والبيات بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى التسليم، وكذلك قوله: {نَهَارًا } معناه في وقت أنتم فيه مشتغلون بطلت بالمعاش والكسب. ونحوه {بَيَـٰتاً وَهُمْ نَائِمُونَ } [الأعراف: 98]، {ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ } [الأعراف: 98] الضمير في {مِنْهُ} للعذاب. والمعنى: أن العذاب كله مكروه مرّ المذاق موجب للنفار، فأي شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال. ويجوز أن يكون معناه التعجب، كأنه قيل أي شيء هول شديد يستعجلون منه، ويجب أن تكون «من» للبيان في هذا الوجه. وقيل: الضمير في {مِنْهُ} لله تعالى. فإن قلت: بم تعلق الاستفهام؟ وأين جواب الشرط قلت تعلق بأرأيتم لأنَّ المعنىٰ: أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون وجواب الشرط محذوف وهو: تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ فيه. فإن قلت: فهلا قيل: ماذا تستعجلون منه. قلت: أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام؛ لأنّ من حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعاً من مجيئه وإن أبطأ، فضلاً أن يستعجله. ويجوز أن يكون {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ } جواباً للشرط، كقولك: إن أتيتك ماذا تطعمني؟ بما تتعلق الجملة بأرأيتم، وأن يكون {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ } جواب الشرط، و {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ } اعتراضاً. والمعنى: إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على ثم، كدخوله على الواو والفاء في قوله: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَى } [الأعراف: 97]، {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَى } [الأعراف: 98]. {ءَآلئَٰنَ} على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب: آلآن آمنتم به {وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } يعني: وقد كنتم به تكذبون؛ لأنّ استعجالهم كان على جهة التكذيب والإنكار. وقرىء: «آلان»، بحذف الهمزة بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام {ثُمَّ قِيلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } عطف على «قيل» المضمر قبل آلآن.
الآية 52
ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ
📝 التفسير:
{ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ 52} بعد أن أنزل الله سبحانه وتعالى بهم عذابه في الدنيا سيعذبهم يوم القيامة في نار جهنم خالدين فيها أبداً.
الآية 53
وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ
📝 التفسير:
{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ} يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم : هل حقاً سيأتينا العذاب؟
{قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} (2) فيجيبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه حق وواقع لا محالة.
{وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ 53} ولن تستطيعوا أن تفروا من الله سبحانه وتعالى وتهربوا من عذابه.
__________

(2) -سؤال: ما إعراب: {أَحَقٌّ هُوَ} و {إِي وَرَبِّي}؟
الجواب: «أحق هو» جملة في محل نصب على أنها مقول لقول محذوف، والهمزة للاستفهام، وحق: خبر مقدم، وهو: مبتدأ مؤخر. «إي» حرف جواب. و «ربي» الواو حرف قسم وجر، وربي: مجرور بالواو وبكسرة مقدرة قبل الياء.
الآية 54
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ} (3)لو كان للكافر يوم القيامة حين يرى ما أعد الله له من العذاب ملك الأرض وما فيها لاقتدى به نفسه ليسلم من عذاب الله.
{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} أخبر الله سبحانه وتعالى عن حالة المكذبين والمتمردين والعصاة يوم القيامة، وكيف يكون موقفهم عندما يرون العذاب الذي أعده الله سبحانه وتعالى لهم؟ هنالك يندمون ندامة شديدة يسرونها في أنفسهم (1)، وسيقفون متحيرين مبهوتين لهول ما يرونه، واليأس قد تملكهم، والذلة والقهر مستوليان عليهم.
{وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ 54} (2) يحكم الله سبحانه وتعالى بينهم بحكمه الحق، ولن يدخل أحداً النار بغير ذنبه.
أما أولياء الله فإنهم يوم القيامة والحساب في مأمن لا يلحقهم خوف ولا حزن كما قال سبحانه: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ 62} [يونس].

__________

(3) -سؤال: هل تعم هذه الآية كل نفس ظالمة ولو من عصاة أهل القبلة؟

الجواب: نعم الآية عامة لكل نفس ظلمت ولو من أهل القبلة، والنفس الظالمة التي توعدها الله بالعذاب هي التي ارتكبت كبيرة من كبائر الذنوب التي توعد الله مرتكبها بعذاب جهنم أو عظمها الله في القرآن بأن وصفها بالعظم أو الكبر أو فرض لها حداً مثل الشرك والكفر، والزنا وقذف المحصنة، وأكل أموال الناس بالباطل عن طريق الربا أو السرق أو الاغتصاب أو ببخس المكيال والميزان أو الحرابة والتقطع، وقتل المسلم أو ظلمه بأخذ ماله أو هتك عرضه أو أذيته، ... وإلى آخر عظائم الذنوب التي نطق بها القرآن الكريم أو تواترت بها السنة النبوية أو أجمع عليها علماء الأمة. وعلى المؤمن أن لا يتهاون بشيء من معاصي الله تعالى وإن صغر قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: (فوالله لو أني أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله تعالى في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت ... إلخ) هذا لفظه أو معناه.

(1) -سؤال: يقال: ما السر في إسرارهم للندامة وهم قد رأوا من الهول ما لا يستطيعون معه كتم تندمهم؟
الجواب: إسرارهم الندامة هو لما رأوه من أهوال العذاب وشدائده التي لم يكونوا يتوقعونها أي: أنهم بهتوا وتحيروا وألجمهم الهول فلم ينطقوا، وليس إسرارهم للندامة تجلداً أمام أهل الموقف وأنفة من أن يظهر عليهم الضعف والوهن والاستكانة.
(2) -سؤال: هل المراد بحكم الله بينهم حكمه فيهم وفي حالهم؟ أم المراد حكمه في أشياء تنازعوا فيها؟
الجواب: المراد حكمه فيهم فيحكم على كل منهم بما يستحقه على عمله من العذاب، وقد تقدم ذكر حكمه تعالى بين الكافرين وبين أنبيائهم.
الآية 55
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ 55} وأخبرهم أيضاً أن وعده بيوم القيامة والحساب والجنة والنار حق ثابت لا محالة، ولكنهم لم يصدقوا بوعد الله فأصروا على الكفر.
الآية 56
هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
📝 التفسير:
{هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ 56} فهو وحده الذي بيده ذلك، وإليه مرجعكم بعد الموت للحساب والجزاء.
الآية 57
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} يناديهم الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قد أنزل إليهم القرآن الذي فيه بيان ما يصلحهم ويرشدهم.
{وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} (1) وجاءكم من الله ما يزيل الشكوك والأوهام والظنون التي في القلوب، والنفس تطمئن عند سماعه إلى أنه الحق، وأن هداها فيه.
{وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ 57} نعمة أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليهم وهي أن جعل فيه هداهم، وجعل فيه النور الذي يضئ لهم طريق الحق وينورها، وجعله رحمة لهم، وفيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
__________
(1) -سؤال: قد يقول القائل: أنا أقرأ القرآن وفي صدري هموم وغموم فلا تنجلي عني وقد قال سبحانه: {وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ}؟ فبماذا توجهونه؟
الجواب: المقصود أن القرآن شفاء لما في الصدور من الكفر والنفاق والشكوك والشبه التي تدعو إلى ذلك، وفيه ما يهوِّن على المؤمن ما يعرض له من الشدائد والمصائب التي يضيق بها صدره، وذلك من حيث أنه يصدق ويؤمن بأن الله تعالى سيثيبه على الصبر ويعوضه عما فات ويستبشر بما وعده الله للصابرين ويلجأ إلى ربه ويستند إليه ويتوكل عليه فيطمئن قلبه وتخف مصيبته.
الآية 58
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ 58} (2)
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن آمن معه في أول الإسلام في فقر وفاقة وشدة بينما كان المشركون أهل أموال وتجارات وأهل وجاهة ورئاسة وترف وسعة، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخبر المؤمنين بأن يفرحوا بالهدى والنور الذي في قلوبهم، والقرآن الذي تعلموه وعرفوه عن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم ، وبدينهم؛ فإن ذلك خير من تلك الأموال والتجارات التي جمعها أهل الدنيا، وألا يحتقروا أنفسهم، وما هم فيه من الفقر والشدة؛ فإن ما معهم من الهدى خير لهم مما مع أولئك المشركين من الأموال.

__________

(2) -سؤال: يقال: هل يعارض جواز الفرح بهذه الآية ما دلت عليه الآيات الأخرى من ذم الفرح نحو: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ 76} [القصص]، وقوله: {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ 10} [هود]؟

الجواب: لا تعارض بين هذه الآية وبين ما ذكر: {لَا تَفْرَحْ ... } لأن الفرح المذموم هو الفرح الذي ينسى معه شكر الله ويصحبه العجب بما حصل من النعمة أي: أنها حصلت بذكاء صاحبها وحسن تدبيره وسياسته كما قال قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص:78]. أما الفرح الذي هو انشراح الصدر والسرور بما حصل من نعم الله مع الاعتراف والإيمان أنها حصلت بفضل الله ورحمته، مع الشكر لله والحمد له على ذلك فهو حسن غير مذموم، والله جل جلاله يحب أن تظهر نعمه على أوليائه: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ 4 بِنَصْرِ اللَّهِ .. } [الروم].
الآية 59
قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يسأل المشركين: أخبروني (1) أيها المشركون هل أذن الله سبحانه وتعالى لكم أن تحللوا وتحرموا من عند أنفسكم ما أنزل الله تعالى لكم من الرزق فتجعلوا بعضه حراماً وبعضه حلالاً.
{أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ 59} أم أنكم تفترون على الله فتحرمون وتحللون ثم تقولون إن الله هو الذي حرم وحلل افتراءً عليه.
__________
(1) -سؤال: إذا كان معنى: {أَرَأَيْتُمْ} في هذه الآية ونحوها: أخبروني كما هو قول جماهير المفسرين فهل خرجت عن معناها الحقيقي أم لا؟
الجواب: يحتمل ذلك أمرين:
1 - ... أن يكون هذا من باب المجاز المرسل أي أنه استعملت الرؤية بمعنى الخبر؛ لأنها سببه، وعبر بالاستفهام عن الأمر لأنه جزء معناه.
2 - ... وأن يكون ذلك حقيقة عرفية عامة أي أن العبارة نقلت من معناها الأصلي في اللغة إلى هذا المعنى، فعلى هذا الوجه تكون الرؤية قد خرجت عن معناها الأصلي.
الآية 60
وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ
📝 التفسير:
{وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (2)يلفت الله سبحانه وتعالى أنظار المشركين إلى التفكر والنظر في يوم القيامة لعلهم يرتدعون عن كفرهم وتكذيبهم؛ فإذا كان يوم القيامة في ظنكم أيها المشركون يوم سلام وأمن- فإنكم مخطئون. إنه يوم عظيم يجازى فيه كل امرئٍ بعمله إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشر وستلقون الله يوم الجزاء فيسألكم عن افترائكم عليه.
{إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ 60} تفضل الله سبحانه وتعالى على جميع الناس من المشركين وغيرهم بأن أمهلهم وأمد لهم في أعمارهم، وعافاهم في أبدانهم، وزاد في أرزاقهم وأولادهم، وأرسل إليهم الهدى، وأعطاهم السعادة في الدنيا والآخرة.
ذكّرهم الله سبحانه وتعالى بتفضله على الذين يفترون عليه الكذب ويستهزئون بدينه وبنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، ويعبدون آلهة غيره ليعلموا أنه لم يعجل لهم العذاب، مع أنه كان من المفترض أن يعذبهم، ومع كل هذا رفضوا أن يشكروا الله سبحانه وتعالى على ما تفضل به عليهم وأعطاهم.

__________

(2) -سؤال: يقال: ظاهر تركيب الآية أن يوم القيامة ظرف للظن، وأن ظنهم سيحصل يوم القيامة، فكيف توجيه الآية لمعرفة أن ظنهم في الدنيا دون يوم القيامة؟

الجواب: الآية محتملة لكون يوم القيامة ظرفاً ومفعولاً به لظن الذين كفروا، وقد ذكر المفسرون هذين الاحتمالين، وقد ذكرت في التفسير أحدهما وهو أن يوم القيامة مفعول به، ولا وجه لمنع التفسير بالوجه الآخر.
سؤال: هل هذا التعبير القرآني من أعظم التهديد أم لا؟
الجواب: هو من أعظم التهديد والتخويف لما فيه من الإبهام.