🔰 مُقَدِّمة
الحمدُ للهِ، نحمد اللهَ ونستعينه، ونستهدي اللهَ الهدى، ونعوذ به من الضلالة والردي، ونؤمن به ونتوكل عليه.وأشهد أنَّ لا إله إلاَّ هوَ تنزه عن مشابهة المخلوقين، وتقدَّس عما يقوله المبطلون، وللهِ الأسماءُ الحسنى وله المثل الأعلى.
وأشهد أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، أرسَلهُ بالهُدَى ودين الحق ليهلك من هلك عن بيِّنَة ويحي من حي عن بينة، فبلّغ الرّسالة وأدَّى الأمأنَّةَ ونصحَ الأمَّة وبشّر وحذّر وأنَّذَر وعبدَ ربَّه حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وعلى آله هداة المهتدين، وأمأنَّ هذه الأمة إلى يوم الدين.
وبعد: فأنَّها وردت أسئلة من طالب للنجاة يطلب كشف غياهبها ويستمد إيضاح مشکلها، على أنَّها بحمد الله نيِّرة الدلائل مکشوفة للمسول والسائل، وما أحسب أنَّ السائل ممن يستشكلها وأنَّما ذلك من باب: کم عارفٍ بالشيء وهو يسأل، فتصديت للجواب راجياً للثواب، وأنَّ لم أكن من رجال هذا الشأنَّ ولا من فرسأنَّ ذلك الميدأنَّ، ولكن من قُدِرَ عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، وهذا حين الشروع في ذلك نسأل الله الإعأنَّة على سلوك تلك المسالك، وقد
صدَّر السائل سوالاته بأبيات ضمَّنها المسائل التي يريد کشفها وبيانها، وقد رأيت عدم زبر ذلك تخفيفاً.
وهذا جوابُ ذلك إجمالاً، والتفصيل بعد ذلك نثراً:
ياطالباً للكشف والتبيين ... أنَّصت وخذ ماحررته يميني
وخذ الأدلةَ عن خبيرٍ عالمٍ ... يغنيك عن وهم وعن تظنين
خذمن نفائس علم آلِمحمدٍ ... قولاً يزيل غثاء كل مهين
دع من يقول بعنصر وبعلة ... من فلسفي ملحدٍ ملعون
والعلم عندي سابق لاسائق ... بأدلة تغني عن التخمين
أقضي بأفعال العباد بأنَّها ... منهم وليس الجبر يوماًديني
وكذاك رؤيته محال فاستمع ... مِنِّي أدلتها على ترصين
والإستوى التأويل فيه واقع ... بأدلة تأتيك بالتفنين
وكذلك الأيدي مجازيا أخي ... فخذ الحقيقة من مجاز يقني
ومسائل الأرض التي قلتم بها ... هي سهلة في بال كل فطين
إذ لم نكلف علمها في سنة الـ ... مختار أو في المحكم المكنون
وتقحم الأخطار أَمر هائل ... والحق أبلج ليس بالمظنون
وخذ الجواب مفصلاً نثراً على ... هذي المسائل صيغ بالتحسين
خلاصة المسائل
🔰 خلاصة المسائل هي
الأولى: هل للعناصر تأثير في تكوين الأشياء أم لا؟الثانية: هل علم الله سابق؟ وإذا كان كذلك فهل هو سائق، وموجب لحصول معلومه؟
الثالثة: هل فعل الإنسان منه؟ أو منه ومن غيره؟
الرابعة: هل يُرى الله سبحانه وتعالى بالأبصار؟
الخامسة: الإستواء المذكور في القرآن الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى 5 (1)
ما المراد به؟
السادسة: ماورد في القرآن الكريم من ذكر الوجه، والعين، واليد، هل هو على ظاهره؟ أم له تأويل؟
السابعة: هل الأرض كروية أم مسطحة؟
🔰 الأولى: هل للعناصر تأثير في تكوين الأشياء أم لا؟
أمَّا الجواب عن المسألة الأولى، وهي مسألة العناصر:فنقول: أنَّ مفردها عنصر، قال في لسان العرب لإبن منظور العنصر والعنصر الأصل قال:
تمهجروا وَأيُّمَا تمهجرٍ ... وهم بنو العبد اللئيم العنصر
والعنصر الدَّاهية، والعنصر الهمَّة، والحاجة قال:
ألاَ راح بالرهن الخليط فهجروا ... ولم يقض من بين العشيات عنصر
ومنه الحديث يرجع كل شيءٍ إلى أصله، انتهى بتلخيص.
إذا عرفت أنَّ العنصر هو أصل الشيء فاعلم أنَّه لم يقع إختلاف بين خير القرون من الصحابة والتابعين وتابعيهم بل دانوا بأنَّ العالم وهو ما سوى الله تعالي محدث، وأنَّ الله اخترعه من العدم، ولا تأثير لعنصر ولا علة، ولا مادة ولا طبع، ولم يعرفوا شيئاً من هذه، لا الطبع ولا المادة ولا غيرها، بل لم يحدث الخلاف إلا بعد أنَّ دخلت عليهم الفلسفة، وتُرجمت كتبها في العصر العباسي، فهي دخيلة على الإسلام والمسلمين، وتفصيل المذاهب والأقوال يؤدي إلى الإسهاب والإطناب، وقد حکي علماء الأصول تلك الأقوال واستوفوا الردود عليها بما لا مزيد عليه. وخلاصة القول: أنَّه لا تأثير في إيجاد العالم إلّا للصانع المختار، وهو الله جل جلاله، وهو الذي أوجده واخترعه من العدم، لأنَّ العنصر الذي هو أصل الشيء، أنَّ كان موجوداً قبل أن يُوجد الله الشيءَ الذي العنصر أصله فلا معنى للإيجاد، لأنَّه موجودٌ قبل أن يوجده اللهُ، وتحصيل الحاصل
محال، ويعود السؤال، فإمَّا أن يكون ذلك العنصر قديماً لزم أن يكون مع الله قدماء، أو يكون محدثاً، فلابد له من محدث، وأيضاً فإنَّه قد صح أنَّ العالم متغير، ومتحرك، وساكن، بعد أن لم يكن، وكل ما هذا شأنه فهو محدث، على أنَّ هذا المقال المسئول عنه لا يعقل، وقد قالت المطرفية أنَّ الأصولَ الأربعة التي هي: الهواء، والماء، والأرض، والنار، محدثة أوجدها الله تعالى، لكنهم زعموا أنَّ التأثير في الفروع لهذه الأصول، وهذا مقال باطل للأدلة القاطعة أنَّه لا تأثير إلاّ للفاعل المختار، والعنصر، وهذه الأصول غير حيّة ولا قادرة، ولا تأثير إلّا للحي القادر. واعلم أنَّ الأدلة التي استدل بها علمائنا على إبطال تأثير الطبع، وتأثير العلة أو النجوم عند القائل بها، أو العقول العشرة عند القائل بها، يصح أنَّ يكون هنا دليلاً لإبطال تأثير العنصر، أو الأصول على قول المطرفية، لأنَّ المورد واحد، وأنَّ اختلفت العبارات وفي هذا القدر كفاية، ومن أحب التوسع رجع إلى كتب الأصول المبسوطة، والله الموفق والهادي.
***
🔰 الثانية: هل علم الله سابق؟ وإذا كان كذلك فهل هو سائق، وموجب لحصول معلومه؟
وأما الجواب عن المسألة الثانية: (وهي مسألة عالم)فأقول: إعلم وفقنا الله وسددنا أنَّ مسائل الصفات قد اختلف فيها الموحدون مع إجماعهم أنَّ الله تعالى يوصف بأنَّه عالم وقادر وحي وموجود، إلى آخر الصفات وأنَّما الخلاف هل هي زائدةٌ على الذات؟ أمْ هي معاني؟ أم صفاته سبحانه ذاته؟ أو وَاجبةٌ لِذاته؟ مع أنَّ الصفات تنقسم إلى قسمين: صفة ذات، وصفة فعل، وتنقسم أيضاً إلى صفات إثبات،
وصفات نفي، ومسألة عالم التي نحن بصدد ذكرها هي صفة ذات، وهي أيضاً، من صفات الإثبات، والمختار أنَّ صفاته سبحانه ذاته، وهو رأي أئمتنا صلوات الله عليهم لأنَّ الصفة والوصف هو المعنى القائم بالجسم كالعلم القائم بالإنسان، ولمَّا كان هذا مستحيلاً في حقه تعالي لاستحالة کونه حالًّا أو محلولاً، لأنَّها تقتضي الجسمية وهو ليس بجسم ولا عرض، ولو كانت زائدة على الذات أو معنى غير الذات لكانت غير الله، ولزم قدمها فيتعدد القدماء وذلك باطل، أو حدوثها ولزم التعطيل، وقد قال بعض علماء الآل عليهم السلام في الصفات: نفاها قومٌ فعطَّلوا، وأثبتها آخرون فجسموا، وخرجوا إلى ضربٍ من التشبيه، والتكييف، والفصل سلوك الطريق الوسطى، فدين الله بين المقصر والغالي.
والكلام في الصفة فرع على الكلام في الذات، فإذا كان المعلوم أنَّ إثباته تعالي إثبات وجود لا إثباتُ كيفية، فكذلك إثبات صفاته، إنَّما هو إثبات وجود لا تحديد ولا تكييف. أهـ. وهو كلام نفيس.
وفي توحيد زين العابدين عليه السلام : فأسماؤه تعبير وأفعاله تفهيم. اهـ.
وقد قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (1).
ونقول: أنَّ عِلم الله تعالي سابق للمعلومات، غير سائق لها، ولا موجبٌ لحصولها، ولا موجب للتمكين منها، ولو كان كذلك لبطلت الحكمة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ولبطل الأمرُ والنهي، ولمَا كان العبد مختاراً
في أفعاله، ولو كان كذلك لبطلَ الثواب والعقاب، لأنَّه يكون التأثير في أفعال العباد لغير الفاعل منهم.
قال في الأساس وشرحه:
قالوا - أي المجبرة جميعاً - سبق في علم الله أنَّ العاصي يفعل المعصية، فكيف يتمكن من ترك المعصية مع ذلك؟.
وقالوا: قد رُويَ أنَّهُ يُكتبُ في جبينه مؤمنٌ، أو كافرٌ، وشقيٌ، أو سعيدٌ.
قلنا: عِلمُ الله تعالي بعصيان العبد، وطاعته، لا تأثير له في فعل الطاعة أو المعصية، لأنَّه سابق لهما غير سائق.
فما اختاره العبدُ، من فعل الطاعة، أو المعصية علمه الله تعالى منه قبل حصوله، بل قبل حصول العبد وحدوثه، ولا تأثير لعلمه تعالي في حدوث الفعل البتة، فلم يناف علم الله سبحانه وتعالى بما يفعله العبد، تَمَكُّنُ العاصي من الفعل والترك، فإنْ فَعَلَ العبد الطاعة علمها الله سبحانه منه قبل أن يفعلها، وكذلك المعصية، فعلمه تعالي مشروطٌ بإختيار العبد للفعل أو إكراهه عليه، إلى أن قال قالوا: لو كان يقدرُ الكافرُ على الإيمان لكشف عن الجهل في حق الله تعالي لو فعل الكافر الإيمان لأنَّه لم يكن معلوماً لله تعالى، والله تعالي عن ذلك، أي عن الجهل.
قلنا: الله سبحانه عالم بالكفر من الكافر وشرطه، وهو إختياره، أي إختيار العبد للإيمأنَّ كذلك أي مع التمكن من فعله وتركه، فَاللهُ سبحانه عالم بالأمرين معاً وشرطهما، وهو إختيار العبد وتمكنه من فعل ما يفعله منهما وترکه، فلم يكشف وقوع الإيمان من الكافر لو قدَّرنا وقوعه عن الجهل في حقه تعالي لعلمه سبحانه بالأمرين وشرطهما كما ذكرنا، كعدم أي كعلمه
عدم اطلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهل الكهف الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن، حيث يقول: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا 18 (1) فأنَّه - أي علم سبحانه - بعدم إطِّلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهل الكهف، لم يكشف عن الجهل في حقه تعالي، بالإطلاع المفروض لو حصل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنَّه عالم بذلك بعد أن علم عدم إطلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد علم الأمرين معاً وهما عدم الإطلاع والإطلاع المفروض المقدر لو حصل شرطه بدليل ما ذكره تعالي من أنَّه لو اطَّلع عليهم لولي منهم فراراً ولَمُلئَ منهم رعباً كما أخبر الله تعالي، لأنَّه لو لم يعلم لمَا صح أن يقول: لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا 18 فهو تعالي عالم بالأمرين وشرطهما، وهذا نص صريح فيما قلنا به، وثبت أنَّ علمه تعالي بكفر الكافر لم يكشف عن الجهل في حقه تعالى لو آمن، لأنَّه لا يكشف عن الجهل في حقه إلّا حيث كان تعالى لا يعلم إلا أحدهما، إمَّا الإيمان في حق المؤمن وإمّا الكفر في حق الكافر. إهـ.
وقد أوسع الإمام المنصور بالله عليه السلام الكلام في هذه المسألة في شرح حديث فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد ... إلخ الحديث.
قال عليه السلام : فإن أراد ذلك فهو باطل لما قدمنا أنَّ العلم لا يؤثر في المعلوم، وإنَّما يتعلق على ماهو به، قلت: قوله فإن أراد ذلك هو اللي في معرض الردعلى بعض المخالفين.
قال عليه السلام : والدليل على ذلك وجوه: منها أنَّ العلم كالرؤية في هذا الباب، فإنَّ الرائي إذا رأى الشيءَ، يرى الشيء على ما هو به، وكذلك العلم، فكما أنَّ الرؤية لا توجب المرئي ولا تسوق الرائي إلى حصول الشيء لأجل الرؤية، فكذلك العلم، إلى أن قال وأيضاً فلو كان العلم موجباً للمعلوم وقد يشترك العالمون بالعلم فتكون علومهم موجبة لوجوده، ويكون مضافاً إلى جميعهم، لأنَّ الموجبات لا تختلف إيجابها بالفاعلين، وإلّا جاز أن يتحرك الجسم بحركة وسكون من زيدٍ وعمر إلخ.
نقلته من مفتاح السعادة لعلامة العصر مولانا: علي بن محمد العجري - رحمه الله - وفي هذا القدر كفاية والله الموفق والهادي.
فائدة لها تعلق بما سبق
إعلم أنَّ المراد بقول أئمتنا عليهم السلام أنَّ صفات الله تعالى هي ذاته أنَّه قادر عالم بذاته وحي بذاته لا بأمر زائد على الذات، ذكره في الأساس وشرحه. أهـ.
🔰 الثالثة: هل فعل الإنسان منه؟ أو منه ومن غيره؟
وأمَّا الجواب عن مسألة أفعال العباد: فأقول وبالله التوفيق: إعلم أنَّ البحث في هذه المسألة يحتاج إلي إيضاح وتبيين، وسيكون ذلك في ثلاث مقدمات وفوائد، بعد ذكر المقدمات لها تعلق بالمسألة.أمَّا المقدمات: (فالأولى): في الكلام على حقيقة العدل، (والثانية): في بيان وإيضاح كون الله تعالي عدلاً، (والثالثة): في كون أفعال العباد منهم.
🔰المقدمة (الأولى):
أمَّا المقدمة (الأولى): فاعلم أنَّ العدل له معنيان: لغوي، واصطلاحي:أما اللغوي: فهو يطلق على المثل، يقال هذا عدل وهذا أي مساوٍ له في القدر، قال الله تعالى: أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا (1) ويطلق على الإنصاف، ويطلق على الجور، فهو من اسماء الأضداد، ويوصف به الفاعل مبالغة إذا كثر منه فعل العدل، فيقال فلان عدل.
وأما في الاصطلاح: فهو عند الفقهاء: من أتي بالواجبات، واجتنب المقبَّحات.
أمَّا المتكلمون: فاختلفوا في حده،
فقالوا أنَّه قد يُراد به الفعل، وقد يُراد به الفاعل، وقد يُراد به هذا العلم الذي يبحث فيه عن تنزيه الله تعالى، فإذا أُريد به الفعل فقال قاضي القضاة هو كل فعل حسن يفعله الفاعل لينتفع به الغير، أو ليضره، واعترض بترك الظلم، فإنَّه عدل، وليس بفعل، فليس الحد بجامع، ويمكن أن يُجَاب بأنَّ التروك أفعالٌ عنده.
وقال السيد مانكديم عليه السلام : هو توفير حق الغير، وإستيفاءُ الحق منه، قيل: ليس بجامعٍ، لخروج ترك الظلم منه.
وقال المهدي عليه السلام : هو كل فعل، أو ترك حسن، وأُوردَ عليه إيرادات.
وقال الجمهور: هو أنَّصاف الغير، بفعل ما يجب له، أو يستحق عليه، وبترك مالا يستحق عليه مع القدرة، حكى هذا القرشي في المنهاج، وأحترز بقوله: مع القدرة، عن الضعيف إذا ترك ظلم القوي، لعدم قدرته على ذلك، فأنَّه لا يسمى عدلاً، وأراد بالقدرة الإختيار، وهذا الحد مبني على وجوب بعض الأفعال على الله تعالى، وليس بسديد، والأحسن أنَّ يقال: هو توفير حق الغير وإستيفاء الحق منه وترك ما لا يستحق عليه وهذا الحد أفاده مولانا في مفتاح السعادة وهو سالم عن الإيرادات، وأمَّا إذا أُريدَ به الفاعل، فقال المهدي عليه السلام : هو من لا يفعل القبيح، ولا يخل بالواجب، وأفعاله كلها حسنة، قال عليه السلام : والأولى الإقتصار على القيدين الأولين ليعم الباري وغيره. أهـ.
وحدَّه في الأساس بقول الوصي عليه السلام : (العدل ألاّ تتهمه).
🔰 المقدمة الثانية: في بيان کونه تعالى عدلاً
إعلم: أنَّ أئمةَ العترة عليهم السلام ، وسائر العدلية، يذهبون إلى أنَّ الله تعالي عدلٌ، حکيم.قال القرشي ولم يسمع عن أحدٍ من أهل الجبر هذا القول، ولا ذکرت هذه المسألة في كتبهم الكلامية، وإن كانوا لو سُئِلوا عن ذلك لمَا وسعهم إنكاره، إلّا أنَّهم قد وافقوا في المنع من إطلاق القول بأنَّه ظالم فاعل للقبيح، وأثبتوا المعنى فأضافوا إليه كل قبيح، والذي حكاه المهدي والإمام يحيى @: أنَّه لا خلاف بين الأمة في أنَّه يوصف الباري سبحانه وتعالى بأنَّه عدل حكيم.
قال الإمام المهدي عليه السلام : لكن اختلفوا في معنى وصفه بذلك، فالعدلية يفسرونه بما تقدم، من أنَّه لا يفعل القبيح ... الخ.
أمَّا المجبرة فإنَّما يريدون أنَّ أفعاله لا توصف بالقبح، لأنَّ القبيح إنَّما يقبح للنهي، ويكون فاعله مملوكاً، والباري ليس كذلك، بل له أن يتصرف في ملكهِ كيف يشاء. قلت: ومِنْ هنا تعرف أهمية مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وأنَّهما أصل مسائل العدل، فإن الجبرية لمَّا أبطلوه دخلوا في هذه المهالك.
وأعلم أنَّ الجبرية كما قال الإمام يحيى عليه السلام أنَّهم وإن وافقونا لفظاً في وصف الباري بالحكمة والعدل، فهم يخالفونا في المعنى، فيقولون بأنَّ جميع القبائح من فعل الله تعالى الله عن ذلك.
قال الإمام عزالدين عليه السلام : لكنهم وأنَّ أضافوها إلى الله تعالى، فهم لا يطلقون القول بأنَّه يفعل القبيح، لأنَّها غير قبيحة عندهم، بناءً على أصلهم في نفي القبح العقلي.
تنبيه: القائل بأنَّه تعالى يفعل القبائح ليس بعدلي، فمَنْ أضاف أفعال العباد إلى الله تعالى لم يكن قائلاً بالعدل، ولا ينفعه القول به لفظاً، لأنا متعبدون باعتقاد العدل، ونفي القبح.
إذا عرفت هذا فلنشر إلى بعض الأدلة العقلية والنقلية على أنَّ الله تعالي لا يفعل القبيح.
الدلالة الأولى:ما ذكره أبو الحسين البصري وهو أنَّ القادر لا يفعل الفعل إلّا لداع، والدّاعي إلى فعل القبيح ليس إلّا جهل الفاعل بقبحه، أو جهله بغنائه عنه، أو حاجته إليه، أو شهوته له، وهذه الأمور كلها مستحيلة في حق الله تعالى، فلا جرم استحال منه تعالى فعل القبيح.
قال الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام : وحاصله أنَّه تعالى قد فُقِدَ داعيه وخلص صارفه عن الفعل، وكل من فقد داعيه وخلص صارفه فإنَّه لا يفعله.
قال: وإنَّما قلنا أنَّه قد فُقِد داعيه إلى القبيح، وخلص صارفه، لأنَّه إمَّا أنْ يكونَ داعي حاجة أو داعي حكمة، الأول باطل لاستحالة المضار والمنافع عليه، والثاني أيضاً باطل لأنَّ ذلك مترتب على كون الفعل حسن، وأمَّا خلوص صارفه فظاهر لأنَّه تعالى إذا كان عالماً بقبحه وعالماً بأنَّه غني لا يحتاج إلى شئ فقد خلص صارفه، وإنَّما قلنا أنَّ من فقد داعيه وخلص صارفه عن الفعل فإنَّه لا يفعله، فلانه لو وقع والحال هذه، لبطل وقوعه على
حسب الداعي، وخرج عن كونه مقدوراً له، لأنَّ حقيقة الفعل ليس إلّا وقوعه على حسب الداعي. اهـ.
وقد استدل بهذا الدليل على التقرير الذي قرره الإمام عليه السلام مِنْ فقد الداعي، أبو الهذيل وأبو إسحاق بن عياش وأورده الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام : بنحو ما ذكره أبو الحسين ولفظه: والعقل يحكم ويشهد على أنَّه لا يفعل القبيح إلّا من جهل قبحه، واحتاج الى فعل القبيح لشهوة داعية، أو غضب موذٍ، أو طمعٍ فيما لا يجوز، أو سفاهة أو سخف رأي، أو استماع مشورة مضلٍ جاهل، فمن كان به بعض هذه الصفات لم يؤمن منه فعل القبيح، أو الرضا به، أو الأمر به. أهـ.
والمعلوم أنَّ فاعل القبيح لا يفعله إلّا لأحد هذه الوجوه، وهي الداعي للفعل، والمعلوم استحالتها على ذي الجلال سبحانه وتعالى، فثبت بهذا الدليل العقلي أنَّ الله تعالى لا يفعل القبيح، ولا يأمر به، ولا يرضاه.
الدلالة الثانية: أنَّه تعالى قد تمدح بنفي الظلم عن نفسه، فلو فعله لم يكن للتمدح بنفيه عن نفسه فائدة، ولا وجه، وهذه الحجة ردٌ على المجبرة، لأنَّه إذا كان وقوعه منه لا يوجب القبح کان کالعدل سواء، والعدل لا يحسن التمدح بنفيه.
الدلالة الثالثة: أنَّ العقول مفطورة على تنزيه من اختص بصفة كمال على الجواز، فكيف من اختص بصفات الكمال على الوجوب؟
الدلالة الرابعة: أنَّ الله تعالي عالم بقبح القبيح وغني عنه، وعالم بغناه عنه، وإذا كان كذلك فإنَّه لا يفعل القبيح قياساً على الشاهد، فإنَّ المعلوم ضرورة
في الشاهد أنَّ من كان عالماً بقبح القبيح وغنياً عن فعله، وعالماً باستغناه عنه فأنَّه لا يفعله، ولا علة لكونه لا يفعله، إلّا اجتماع هذه الأوصاف.
قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام في تحقيق معنى هذه الدلالة: الدليل على أنَّه تعالى منزه عن هذه الصفات التي توجب النقص من طريق العقل، أنَّه قد ثبت أنَّ الله عالم لنفسه، قادر حکيم غني، وثبت أنَّ العالم القادر الحكيم الغني لا يفعل القبيح ولا يرضاه ولا يأمر به، والعقل يشهد أنَّ فعل القبيح قبيح، وأنَّ من أمر به أو رضي بفعله يكون كمن فعل القبيح، ثم قال عليه السلام : فإذا كان فعل القبيح يقبح بالعبد الجاهل المحتاج الضعيف، فكيف لا يقبح من العالم الحكيم القادر!!، فوجب أنْ يكون القديم تعالي منزَّهاً متعالياً عن فعل القبيح، لأنَّه تعالي عالم بقبح القبيح، وغير محتاج إليه لا لجر نفع إليه، ولا لدفع ضرر عنه تعالى، ولا لسخفِ رأي، ولا طمع فيما ليس له، ولا لمشورة مُضلِ أو جاهل، فلمَّا كان منزهاً عن فعل القبيح، وكان الظلم والجور والكذب وخلف الوعد والوعيد وفعل الفواحش وجميع المنكرات قبيحاً والرضا به، والأمر به، قبيح، عُلِمَ أنَّ الله لا يفعل شيئاً من ذلك، ولا يرضى به ولا يأمر به، ولو فعل ذلك لدخل عليه النقص والذم أكثر مما يدخل على العبد، لأنَّه عالمٌ لِذاته، وقادر لذاته، والعبد جاهل محتاج، فكان ذم العبد أقل لجهله وحاجته ... الخ.
وقد صرح الإمام عزالدين عليه السلام بهذا فقال: (إعلم أنَّ هذا الدليل هو المعتمد في كتب الأصحاب، والمتداول في ألسنتهم، وهو بطريقة القياس، لكن هذا يسمى قياس الأولي، لوجود العلة في الغائب أقوى مما في الشاهد، فيكون قطعياً). ذكره عليه السلام في المعراج.
ولما كانت هذه الحجة شَجًى في حلوق المجبرة، وقذا في عيونهم، شنّوا عليها الغارات، وأوردوا ما أمكنهم من الإعتراضات، وقد أجاب رجال العدل وفحولهم على تلك الإعتراضات، ونقل ذلك يؤدي الى الإسهاب، فمن أحب الإطلاع على ذلك فليطلبه من مظانه، وقد جمع الكثير من ذلك (کتاب مفتاح السعادة) لمولانا خاتمة المحققين علامة العصر علي بن محمد العجري رحمه الله. اهـ.
🔰 أمَّا المقدمة الثالثة وهي في بيان كون أفعال العباد منهم
فهي تحتوي على مباحث✳️ الأول: في ذكر الخلاف،
والثاني: في بيان أدلة اهل العدل،
والثالث: في بعض لوازم تلزم الخصم على ما ذهب اليه، ونتبع ذلك بفوائد عوائد تتعلق بالمسألة.
🔰 المبحث الأول في ذكر الخلاف
نقول: اتفق العقلاء أنَّ أفعالنا بِنَا تَعلق، والعلم بذلك ضروري، وأتفق المسلمون أنَّ لها بالباري جلّ جلاله تعلقاً، ثم اختلفوا في تفاصيل ذلك، فالذي عليه أهل البيت عليهم السلام وسائر الزيدية والمعتزلة والقطعية من الإمامية والخوارج وأكثر الفرق أنا المُحدِثُونَ لأفعالنا، حسنها وقبيحها، وأنَّها غير مخلوقة فينا، وهذا معني تعلقها بنا، ومعني تعلقها بالباري سبحانه أنَّه أقدرنا عليها، أي خلق فينا قدرة يصح تأثيرها في إيجاد أفعالنا، أو جعلنا على صفة تؤثر في ذلك على حسب الخلاف، وذلك أنَّ بعضهم يجعل القدرة معني وبعضهم يجعلها نفس الصحة، وبعضهم يجعلها إعتدال المزاج، والأخيران هما المرادان بقوله أو جعلنا على صفة تؤثر في ذلك، وخالف في ذلك المجبرة جميعاً،فقالوا هي من الله، ثم اختلفوا، فقال جهم بن صفوان وأصحابه لا تعلق لها بنا أصلاً، لا كسباً ولا إحداثاً، إنَّما نحن كالظروف لها، وليس المحدث لها في العبد إلا الله تعالي، کالألوان وحركات الشجر، وجعلوا نسبتها للعبد مجازاً كنسبة الطول والقصر، وسوَّى في ذلك بين المباشر والمتعدي،
وقال ضِرار بن عمرو بل لها بنا تعلق من جهة الكسب، وإنْ كانت مخلوقة فينا من جهة الله تعالى، ولم يفرق بين المباشر والمتعدي، وبه قالت الأشعرية في المباشر، وأمَّا المتعدي فالله منفرد به عندهم، قول ضرار حكاه في القلائد والأساس عن النجارية، والكلابية والأشعرية، وحفص الفرد، وأمَّا متأخروا الأشاعرة كالجويني والغزَّالي
والرازي وأبي إسحاق، فقالوا بل لقادرية العبد تأثيرٌ في إيجاد المفعول، خلى أنَّهم جعلوا القدرة موجبة للمقدور، فلزمهم الجبر.
🔰 المبحث الثاني في بيان البراهين والحجج والأدلة على مقالتنا
✳️ فاعلم أنَّ العدلية اختلفوا هل العلم بأنا الموجدون لأفعالنا، ضروري أم إستدلالي؟. فقال الأمير الحسين بن محمد عليه السلام وأبو الحسين البصري وابن الملاحمي ومن تبعهم واختاره المقبلي: العلم بذلك ضروري بديهي يعلمه حتى الصبيان، وعليه بنيت المعاملة والمدح والذم والتعجب، وسائر الأمور المتفرعة التي لا تكون إلّا مع صدور موجبها، عَمن مُدِح أو ذُمَّ أو تُعُجِّب منه، والعلم بهذه الفروع معلوم بالإضطرار، فكيف بأصلها؟قال الأمير الحسين عليه السلام : اعلم أنَّ كون العبد فاعلاً لتصرفاته معلوم بالإضطرار، لا يقدح في ثبوته الإنكار، فمنکره کمنکر کون دجلة في الأنهار، ونافيه کنافي ظلمة الليل وضياء النهار، وما هذا حاله لا يحتاج إلى نصب دلالة. أهـ.
وقال المقبلي بعد أنْ قرر هذا، هذا أمرٌ ضروري، وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، إلّا أنَّ لإدراكه مقدمة، وهي أنْ تفرد نفسك لله.
✳️ قال أبو الحسين: العلم بأنا المحدثون لإفعالنا ضروري لا مجال للشك فيه، لأنَّ العقلاء يعلمون بعقولهم حسن الأمر بها والنهي عنها، والترغيب والترهيب والمدح والذم، ويعللون ذلك بكونه فعله، وكل ذلك فرع على أنَّهم المحدثون لها، ومحال أنْ يُعْلَم الفرع ضرورة، والأصل استدلالاً.
وأمَّا القائلون بأنَّ العلم بهذه المسألة إستدلالي، فلهم حجج عقلية، وسمعية.
فالعقلية: كثيرة إلّا أنا نذكر منها ما يوضح المراد، فنقول:
✳️ الحجة الأولى ✳️
التفرقة الضرورية بين حركة الساقط، والصاعد، والمرتعش، والباطش، والحيوان، والجماد، وهذه الحجة اعترف بها الخصوم، من الأشاعرة وتعلقوا بالكسب.
✳️ الحجة الثانية ✳️
تعلق المدح والذم ونحوهما بالفاعل، من حيث أنَّه فاعل دون شكله ولونه وسوطه وسيفه.
قال المقبلي: وهذا ضروري، ودان له كثيرٌ من الأشاعرة، وفرّوا إلى الكسب.
✳️ الحجة الثالثة ✳️
أنَّه يجب وقوع افعالنا على مقتضى أحوالنا، فتوجد بحسب قصودنا ودواعينا، وتنتفي بحسب کراهتنا وصوارفنا، فلولا أنَّها من أفعالنا لما وجب فيها ذلك، كما لا يجب في ألواننا وقصرنا وطولنا.
قال السيد مانکديم عليه السلام : وهذه الطريقة هي المعتمدة. أهـ.
وبعض أصحابنا يزيد بعد قوله وتنتفي بحسب کراهتنا وصارفنا مع سلامة الحال، تحقيقاً أو تقديراً وأراد بسلامة الحال، زوال المانع، وخلوص الداعي، من صارف يساويه، أو يزيد عليه، وخلوص الصارف من داعي يساويه، أو يزيد عليه، وأراد بالتحقيق فعل العالم المميز، وبالتقدير فعل الساهي والنائم، فإنَّهما لو كانا في اليقظة والتنبه، لمَا وجد الفعل وانتفا إلّا بحسب الداعي المحقق عند الجمهور.
واعلم أنَّ هذه الحجة قد اشتملت على أصلين لابد من بيانهما، وإقامة الحجة على كل واحدٍ منهما:
✳️ الأصل الأول ✳️
أنَّ هذه التصرفات يجب حصولها وانتفائها بحسب دواعينا، وصوارفنا، ودليله أنَّ أحدنا إذا دعاه الداعي إلى القيام حصل منه القيام على طريقة واحدة، ووتيرة مستمرة، بحيث لا يختلف الحال فيه، وكذلك لو دعاه الداعي إلى الأكل بأنْ يكون جائعاً، وبين يديه ما يشتهيه، وهذا يدل دلالة
واضحة على أنَّها موقوفة على دواعينا، وتقع بحسبها، وكما تقف على دواعينا، تقف على قصودنا، وآلاتنا، والأسباب الواقعه من جهتنا، ألا ترى أنَّ قولنا محمدٌ رسولُ اللهِ، لا ينصرف إلى محمد بن عبدالله، دون غيره من المحمدين، إلا بإرادتنا، والكتابة الحسنة تقف على كمال الآلة، فصح أنَّ حاجة هذه التصرفات إلينا، وتعلقها بنا على الحد الذي ادعيناه.
✳️ وأمَّا الأصل الثاني ✳️
وهو أنَّها لو لم تكن من فعلنا لما وجبت فيها هذه القضية، فدليله أنَّها لو كانت من فعل الله تعالي لجرت مجرى الصور والألوان والأمراض، وحركة المرتعش، ونحو ذلك مما علمنا أنَّ العلة في تعذره أنَّه لا يقف على إختيارنا، بل يوجد وإنْ كرهناه، ويُفْقَد وإِنْ أردناه، وكذلك أفعال غيرنا، لم تقف على إختيارنا، فإنْ قيل ما أنكرتم أنْ يوجد الله أفعالكم عند قصودکم ودواعيكم بمجرى العادة؟.
قلنا: كل شيءٍ طريقه العادة يجوز إختلافه، فکنا نجوز وقوعها وانتفائها، ولاصارف بأنْ تختلف العادة، كما في الصحة والسقم وغيرها، ولو كانت كذلك لكنّا نجد أنفسنا مدفوعة إليها، وخلافه معلوم، فهذه حجج العقل التي أردنا تحريرها وهي قاطعة.
أما حُجَج السمع: فنأتي منها بما سنح إستظهاراً، وإنْ كان العلم بصحة السمع يتوقف على معرفة هذه المسألة، لأنَّ ذلك متوقف على العلم بأنَّ الله عدل حكيم، لا يظهر المعجز على الكذَّابين.
فمن الحجج السمعية قول الله تعالى: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ (1) ونحوها، مما يقتضي نفي الإضطراب والإختلاف من جهة الحكمة، لأنَّه إمّا أنْ ينفي التفاوت من جهة الخلقة، وهو باطل لحصوله، أو من جهة الحكمة، وهو المطلوب.
✳️ إذا ثبت هذا، لم يصح في أفعال العباد أنْ تكون من جهة الله تعالي لإشتمالها على التفاوت وغيره، منها قوله تعالى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (2) بين الله أنَّ أفعاله كلها متقنة والإتقان يتضمن الإحكام والحسن جميعاً حتى لو كان محكماً ولا يكون حسناً لكان لا يوصف بالإتقان، ومعلوم أنَّ في أفعال العباد ما يشتمل على القبائح من كفر وخَناء، وفحشٍ، وليس شيءٌ من ذلك متقناً فلا يجوز أن يكون الله تعالي خالقاً لها ومنها قوله تعالى: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى (3) فلو كان الإيمان من جهة الله بخلقه في العباد، لما كان لهذا الكلام معنى لأنَّ للمكلف أن يحتج ويقول: لِمَ تخلق الإيمان فيَّ، وخلقت ضده؟. ومنها قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ... الآية (4) فلولا أنَّهم الذين عملوا الكفر وفعلوه، لما كان للتعجب بكيف معنى، ولما كان النسبة الكفر إليهم بقوله تعالى: و تَكْفُرُونَ 2 معني
أيضاً، ومنها مثل قوله تعالى: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 24 (1)، يَكْسِبُونَ 14، ونحوهما.
واعلم أنَّ جميع القرآن يشهد بما قلنا، لأنَّه يتضمن المدح والذم والوعد والوعيد والثواب والعقاب وينسب الإحسان إلى فاعله، والإساءة إلى فاعلها، ومن تأمل عرف مكابرة الخصوم وتماديهم وعدم نظرهم، أو أنَّهم عرفوا الحق وعاندوه استکباراً، فالله المستعان.
***
🔰 المبحث الثالث فيما يلزم على مذهب الخصم من اللوازم الباطلة
✳️التي تؤيد مذهب أهل العدل، وتبطل مذهب المخالف، وهي كثيرة جداً ولكنا نشير إلى زُبَدٍ منها: ?الإلزام الأول: أنَّه يلزمهم أن يكون الظلم والكذب والعبث كطول القامة وقصرها في عدم إستحقاق المدح والذم عليها البتة، وفي ذلك قبح بعثة الأنبياء صلوات الله عليهم وبطلان الشرائع، كما أنَّه لا يجوز بعثة الأنبياء لدعاء الخلق إلى الخروج من صورهم وألوانهم، بل على مذهبهم يلزم إبطال فائدة كل إمام ومرشد وواعظ وداعي إلى الله تعالى من أول الدنيا إلى آخرها، ولا شك أنَّ كل مذهب يؤدي إلى الباطل فهو باطل.
الإلزام الثاني: أنَّه يلزمهم قبح مجاهدة الكفار، لأنَّ لهم أن يقولوا تجاهدوننا لأنَّ الله خلق فينا الكفر أو لأجل أنَّه لم يخلق فينا الإيمان، وکل ذلك بمنزلة مجاهدتنا على صورنا وألواننا.
الإلزام الثالث: قبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لنحو مامر.
الإلزام الرابع: أن تكون الحجة للكفار على الأنبياء، لأنَّهم يقولون للمرسل إليهم: تدعونا إلى الإسلام، ومن أرسلك إلينا أراد منا الكفر وجعلنا بحيث لا يمكننا الإنفكاك عنه، وللكفار قطع المرسل إليهم من وجه آخر، لأنَّهم يقولون: إن كنت تدعونا إلى ما خلق الله فينا فإن ذلك ما لا فائدة فيه، وإن
کنت تدعونا إلى ما لم يخلقه الله، فذلك ما لا نطيقه، وقد نظم هذا الإلزام يهودي ذمي فقال:
أيا علماء الدين ذَمِّيَ دينكم ... تحير دلوه لأوضح حجة
إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ... ولم يرضه مني فما وجه حيلتي
قضى بضلالي ثم قال ارْضَ بالقضاء ... فها أنا راضٍ بالذي فيه شُقوتي
دعاني وسدَّ البابَ عنِّي فهل إلى ... دخولي سبيل بيِّنوا ليَ قصَّتي
إذا شاء ربي الكفر منيَ شئته ... فهل أنا عاصٍ باتباع المشيئة
فإن كنت بالمقضيِّ ياقوم راضياً ... فربيَ لا يرضى بسوءِ بليّتي
فيا علماء الدين بالله أوضحوا ... جوابي وأشفوا بالبراهين علتي
وقد أجاب على هذا السؤال الإمام المطهر بن محمد بن المطهر عليهم السلام :
فقال : سمعنا نداء المستَغيثِ المصوّت ... إلى علماء الدين في كل وجهة
بصوتٍ فصيح مسمعٍ كل عاقلٍ ... ألا أشفوا جميعاً ليْ هيامي وعلتي
إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ... ولمْ يرضَهُ مني فما وجه حيلتي
سؤالُ امرءٍ ذي همة وشهامة ... وبعض ذكاءٍ وانتباهٍ وفطنةِ
على غرة في القوم منه بزعمهِ ... وزلة جهلٍ لا تقاس بزلةِ
أضاف إلينا ما ندين بنفيه ... عن الله في سرٍ وجهرٍ وخفية
وأطلق إطلاقاً أعمَّ بلفظهِ ... أكابر أهل الدين من كل فرقةِ
وما ذاك إلا مذهبٌ لعصابةٍ ... تعامت عن الحق المبين وضلتِ
أضافوا إلى الرحمن قبح فعالهم ... لهم في خلال النظم اکبر شنعة
وحسبهمُ عاراً مقالك ملزماً ... فهل أنا عاصٍ بإتباع المشيئةِ
إذا شاء ربي الكفر منيَ شئته ... طوائف أهل الكفر من كل فرقةِ
وإن يتحاشى عن شناعة قولهم ... من الله علماً سابقاً في البريّةِ
على أنَّنا لا ننكر القول بالقضاءْ ... إلى الخلق طراً من أناسٍ وجنةِ
وأمراً بأفعال العبادة والتقى ... بأوضح برهان وأظهر حجةِ
وهاك جواباً قامعاً كل شبهةٍ ... بأفعالهم خلقاً وإيجاب قدرةِ
إذا ما قضي ربُ العباد عليهم ... بوعد وإيعاد بنار وجنة؟
فلِمْ بعث الرسل الكرام إليهم ... وليس الذي ينفي القبيح كمثبتِ
وكيف جواب الله للخلق إن أتَتْ ... تجادلُهُ عن نفسها كلّ أمةِ
تقول إله الناس أنت وعدتنا ... مواعدَ صدقٍ في کتاب وسنةِ
فإنك لا ترضي حكومة جائر ... ولا تظلمَنَّ الخلق مثقال ذرَّةِ
وجاءت براهين العقول شواهداً ... بأنَّك ذو جود وعدلٍ وحكمةِ
ففيمَ تعذبنا وأنت إلاهنا ... قضيت علينا كل كفرٍ وفتنةِ
✳️ إلخ، وهذا الإلزام من اليهودي قد حكاه المقبلي في الأبحاث المسددة وحکي جواب ابن تيمية عنه وبين عوار ابن تيمية في ذلك الجواب، وإنَّما استوفيناه وسقنا جواب الإمام لتمام الفائدة.
الإلزام الخامس: أنَّه يلزمهم التسوية بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإبليس - لعنه الله - لأنَّ الرسول يدعوهم إلى خلاف ما أراده الله منهم كما أنَّ إبليس يدعوهم إلى ذلك بل يكون الرسول أسوأ حالاً من إبليس - لعنه
الله - لأنَّ إبليس يدعوهم إلى ما أراده الله منهم بزعمهم والرسول يدعوهم إلى خلافه، وكل مذهب يؤدي إلى هذا فناهيك به فساداً.
الإلزام السادس: أنَّ مذهبهم يؤدي إلى الإغراء بالمعاصي وترك التوبة لأنَّ أحد شرائط التوبة الإعتراف, وقولك إذا تبت تبت, وإذا كانت المعاصي من فعل الله تعالى فلا يتصور من العبد الإعتراف.
***
مناظرة الإمام الهادي عليه السلام والنقوي
✳️ ولمَّا دخل الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين صلوات الله عليه صنعاء إجتمع علماء المجبرة وهم كثيرون واختاروا لمناظرته عالمهم الكبير النقوي وحضروا الإجتماع.
فقال النقوي: ما تقول يا سيدي في المعاصي؟
فأجاب الهادي عليه السلام : ومن العاصي؟
فانقطع النقوي ولم يحرْ جواباً. فلامه أصحابه، فقال: إنْ قلت: الله كفرتُ، وإنْ قلتُ: العبد، خرجت عن مذهبي.
فوائد
أما الفوائد الموعود بها فأقول: ?
✳️ الفائدة الأولى ✳️
تكرر ذكر الدَّاعي، والمرجِّح، والصّارف، ونحن مبينوها: فالمرجح: هو ما يرجح الفعل على الترك والعكس.
والداعي: هو الباعث على الفعل وهو قسمان: داعي حكمة، وداعي حاجة.
فداعي الحكمة: هو العلم أو الظن بأنَّ في الفعل أو الترك منفعة أو ترك مضرة عنه. وأمَّا داعي الحاجة: فهو علم الفاعل أو ظنه أنَّ له في الفعل منفعة، أو دفع مضرة عنه، أو عن من يحب، وقد يسمي داعي الحاجة إلجاء وذلك حيث لا يقاومه صارف، والصارف هو العلم، أو الإعتقاد، أو الظن بأن عليه في الفعل مضرة أو فوت منفعة عنه، أو عن من يحب وعلى هذا فالمرجح يشمل الباعث.
✳️ الفائدة الثانية
سبق ذكر العلم الضروري والإستدلالي في معرض الإستدلال على أفعال العباد وبيان ذلك بما فصله الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام قال: الفرق بين العلم النظري والضروري واضح بَيِّنٌ، فإنّ العاقل يعلم الضرورية من غير إعتبار نظر ولا إعمال فكر، والنظري لابد فيه من العناية بإستحضار مقدماته وترتيبها على وجه صحيح وحراستها من الغلط. إهـ.
وظاهر كلام أصحابنا- كما هو مقرر في المنهاج وشرحه المعراج وغيرهما: أنَّ العلم الضروري يكون مفعولاً فينا بغير إختيارنا كالعلم بقبح الظلم ونحوه.
✳️ الفائدة الثالثة ✳️
في القدرة، ذهب جهم بن صفوان ومتابعوه إلى نفي قدرة العبد،
وقال: لا قادر إلا الله تعالى،
وقالت العدلية وأكثر المجبرة: بإثباتها للعبد، ثم اختلفوا، فقالت العدلية: لها ثلاثة أحكام:
الأول: أنَّها متقدمة على المقدور وجوباً وأقله بوقت.
الثاني: أنَّها غير موجبة لمقدورها، بل إنما يوجد بها على جهة الإختيار.
الثالث: أنَّها صالحة للضدين ووجود أحدهما دون الآخر بإختيار القادر ليس إلا.
قالوا: وهذه الثلاثة الأحكام متلازمة، فيلزم من القول بأحدهم القول بالآخرين،
وذهبت النجارية: إلى العكس فيجعلونها مقارنة موجبة غير صالحة للضدين.
✳️أدلة قولنا: أما كونها متقدمة على مقدورها، فنقول: لو كانت مقارنة لما تعلق الفعل بالقادر، لعدم وجود قدرته على الفعل وبعد وجود الفعل لا اختيار له فيه، فلا تعلق للفعل بفاعله، بل إنما يكون تعلقه بفاعل القدرة.
أمَّا دليل كونها غير موجبة، فنقول: إنها لو أوجبت مقدورها لزم أمران:
أحدهما: أن لا يتعلق الفعل بالقادر، ولا ينسب إليه، بل إنما يتعلق بفاعل القدرة لأنَّها موجبة، وفاعل السبب فاعل المسبب وکون القادر محلاً للسبب غير موجب كما في حركة الشجرة فإنها تنسب إلى فاعل التحرك فيها لا إليها نفسها إلا على سبيل المجاز.
وثانيهما: أنَّه يلزمهم ألا يكون الكافر قادراً على الإيمان لعدم وجوده منه وهو مكلف به قطعاً، وقد تقدم في الإلزامات نحو هذا، ودليل أنَّها صالحة للضدين: أن نقول: أنَّها لو لم تصلح للضدين لأمكن أحدنا أن يمشي يميناً أميالاً وفراسخ، ولا يمكن أن يمشي يساراً شبراً واحداً، لأنَّ حركته يميناً ضد حركته يساراً.
✳️ الفائدة الرابعة ✳️
✳️ في إبطال الكسب فنقول قد نفسر الكسب لغة أنَّه إيقاع الفعل لجلب نفع أو دفع ضرر ومنه سميت الحرف مكاسب والطيور المخصوصة كواسب وعلى هذا يحمل ما في القرآن من قوله تعالى: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 95 (1) أما كسب المجبرة فهو من الأسماء التي لا مسمى لها والخيالات التي ليس لها حقيقة ولا وجود كطفر النظام وغيره، وإنما لجأت المجبرة إلى القول به عند ضيق الخناق وسبيلنا أن نبين أولاً أنَّه غير معقول في نفسه فضلاً عن أن نشتغل بإبطاله ولم يزل فرسان الكلام من علماء العدل والتوحيد يطالبون الخصوم بإظهار معنى الكسب فما حصلوا منه على محصول ولو كان له حقيقة أو وجود لأظهروه ولكان واضحاً لهم ولغيرهم
✳️ ونحن نقدم طريقة قاطعة، فنقول أخبرونا عن الكسب أشيء هو أم لاشيء إن قلتم لاشيء فهو الذي نريد لأنَّه غير معقول وإن قلتم هو شيء قلنا أقديم هو فما وجه نسبته إلى العبد ومدحه وذمه وإثابته ومعاقبته عليه، وإن قلتم محدث فهل تفرد الله بإحداثه فما وجه إضافته إلى العبد أم تفرد به العبد فقد تركتم مذهبكم وأثبتم أنَّ العبدَ محدثٌ للفعل أم أحدثه الله واكتسبه العبد فيعود السؤال، وأما أن يقتصر على الفعل وينفي منه الكسب من أول وهلة وهذا دليل عقلي قاطع لا مناص لهم منه ولا مخرج إلا بإبطال الكسب والرجوع إلى الحق وبتمام هذا تم الجواب عن مسألة أفعال العباد، وإن كنت أحب التوسع فيها والإيضاح لما يتعلق بها ودفع بعض الشبه لأنَّها في هذا الزمان كثيرة الدوران والحاجة لمعرفتها والعلم بها وبأدلتها من فروض الأعيان ولكنه ترجح الإكتفاء بما قد حررناه خوفاً من التطويل الممل ونسأل الله الهداية.
***
🔰 الرابعة: هل يُرى الله سبحانه وتعالى بالأبصار؟
✳️ الجواب عن مسألة الرؤيةأما الجواب عن مسألة الرؤية، فأقول: أنَّ مسألة الرؤية فرع على مسألة كون الله جل جلاله لا يشبه الأشياء من الأجسام والأعراض وأنَّه تعالي غير متحيز ولا ذي مكان ولا تصح عليه الحاجة لأنَّه الحي الذي ليس بمحتاج وقد تقرر بالدلالة القاطعة أنَّ الرؤية لا تصح إلا على الأجسام والأعراض فمسألة الرؤية فرع على هذا أي مترتبة على ما ذكرنا. ونقول أنَّ مسألة الرؤية قد كثر فيها الخلاف فأما المجسمة فهم يزعمون أنَّ لله صورة تحل الأماكن وأنَّه ذو جوارح والخلاف لا يتحقق بيننا وبينهم في الرؤية، إنَّما الخلاف يعود بيننا فيما أثبتوه من التشبيه لله تعالى بالاجسام فنحن نفينا ذلك ونزهنا الله تعالى عن مشابهة الإجسام، وهم أثبتوا ذلك مع إعترافهم لنا أنَّه تعالي لو لم يكن جسماً لما صحت رؤيته ومع اعترافنا لهم أنَّه لو كان جسماً لصحت رؤيته. وإنَّما يتحقق الخلاف بيننا وبين الأشاعرة الذين لا يكيفون الرؤية، إذا عرفت ذلك فنحن موردون للأدلة على ما ذهبنا اليه من نفي رؤيته تعالى في الدنيا والآخرة فنقول لنا أدلة عقلية وسمعية وهذه المسألة مما يستدل عليها بالسمع على أصولنا وأصول المعتزلة لأنَّ صحة السمع لا يقف عليها، وكل مسألة لا تقف عليها صحت السمع فالاستدلال عليها بالسمع ممكن، وأصحابنا والمعتزلة يستدلون على هذه المسألة بدليلين: هما دليل المقابلة، ودليل الموانع.
أمَّا دليل المقابلة: فهو أنَّ الأبصار لاترى إلّا ما كان مقابلاً كالجسم أو حالاًّ في المقابل، كاللون أو في حكم المقابل، کالوجه في المرآة فإنه ليس
مقابلاً ولا حالاًّ في المقابل، ولكنه في حكم المقابل لأنَّ الله تعالي لا يصح أن يكون مقابلاً ولا حالاًّ في مقابل، ولا في حكم المقابل، لإن ذلك جسم أو عرض، وقد تقرر أنَّه تعالي ليس بجسم ولا عرض فلا تصح رؤيته تعالي بحال.
✳️ أمَّا دليل الموانع: فتحريره أنَّه لو كان الباري سبحانه يري بحال من الاحوال لوجب أن نراه الآن، لأنَّ الحواس سليمة والموانع مرتفعة، وهو دليل مبني على أصلين:
الأصل الأول: قوله لو كان الباري سبحانه يُرى في حال من الأحوال لوجب أنْ نراه الآن، الخ، وتصحيحه يحصل بحصول ثلاثة شروط وكلها قد حصلت وهي أنَّ الحواس سليمة والموانع مرتفعة والباري تعالي موجود، أمَّا كون الحواس سليمة فمعلوم أنَّ أحدنا على الصفة التي يرى المرئيات معها وهي سلامة حاسة البصر، أمَّا كون الموانع مرتفعة فالموانع ثمانية هي الحجاب الكثيف، والقرب المفرط، والبعد المفرط، و کون المرئي لطيف الجسم كالجوهر ورقيقه كالملائكة، وكونه غير مقابل للرائي، وكونه حالاَّ في غيره، والثامن فقد الضياء المناسب للعين كالظلمة، والذي يدل على إرتفاعها أنَّها لا تصح إلّا في الأجسام والله ليس بجسم، وأما أنَّ الباري موجود فمعلوم بالأدلة القاطعة وقد كملت الثلاثة الشروط وصح الأصل الأول.
وأمَّا الأصل الثاني: وهو قولنا أنا لا نراه الآن فذلك معلوم ولا منازعة فيه فصح أنَّ الله تعالى لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة هذا هو دليل العقل وأما
دليل السمع فقوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ 103 (1) ووجه الاستدلال بالآية الكريمة من وجهين:
✳️ الأول: أنَّه تعالي نفى أن تدركه الأبصار نفياً عاماً شاملاً لجميع الأبصار ولجميع أوقات الدنيا والآخرة، فاقتضى ذلك العموم والشمول لجميع الأفراد في الطرفين الأشخاص والأوقات، يبين ذلك أنَّ حرف النفي إذا دخل على الفعل المضارع نفاه على سبيل الإطلاق من دون تقييد بوقت دون وقت وكذلك آلة التعريف إذا دخلت على إسم الجمع أفادت العموم لجميع أفراده وهذا لا ينكره الخصوم.
الثاني: أنَّ الله تعالي تمدح بنفي إدراك الأبصار له وذلك تمدح راجع إلى ذاته وكل تمدح راجع إلى الذات فإثبات نقيضه نقص والله تعالى لا يجوز عليه النقص وهذا الدليل مبني على أربعة أصول.
✳️ الأول: أنَّه تعالي تمدح بنفي إدراك الأبصار لها.
✳️ الثاني: أنَّه تمدح راجع إلى ذاته.
✳️ الثالث: أنَّ كل تمدح راجع إلى الذات فإثبات نقيضه نقص.
✳️ الرابع: أنَّ النقص على الله تعالى لا يجوز.
✳️ أما الأصل الأول: فلا خلاف أنَّ الآية واردة مورد المدح لَه تعالى لأنَّ أول الكلام مدح وهو قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} (1)، وآخره مدح أيضاً فيجب أن يكون المتوسط مدحاً وهو قوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ (2) وإلاّ لزم أن يتوسط ما ليس بمدح بين أوصاف المدح وهو مستهجن في اللغة العربية ولا يصح ذلك في كلام الحكيم والخصوم لا ينكرون هذا ولكنهم زعموا أنَّ وجه التمدح في ذلك من حيث أنَّها لا تحيط به الأبصار إلا من حيث أنَّها تدرکه وتراه، وقد أجاب أصحابنا بأنَّ الإحاطة ليست بمعنى الإدراك لا في حقيقة اللغة ولا في مجازها، فيقولون السور أحاط بالمدينة ولا يقولون أدر کها.
توضيح لما سبق: وهو أن نقول أنَّ الله سبحانه قد تمدح بنفي الصاحبة والولد كما تمدح بأنَّه لا تدركه الأبصار فلو صح واحد من الثلاثة لكان نقصاً ولا يكون نفيه مدحاً إلا إذا كان الممدوح قادراً على فعله كالتمدح بنفي الظلم والعبث والكذب.
✳️ الأصل الثاني: أنَّ ذلك التمدح راجعٌ إلى ذاته ونعني بذلك أنَّ هذا التمدح مرجعه نفي وصف يتعلق بذاته من حيث أنَّه تعالى لا يرى بالأبصار فصار کالوصف بأنَّه لا يمثل ولا يكيف ولا يطعم ولا تأخذه سنة ولا نوم وليس من باب التمدح بأمر راجع إلى فعله ككونه لا يظلم ولا يظهر على غيبه أحداً والفرق بينهما أنَّ ما كان راجعاً إلى الذات فلا يصح نقيضه بأي حال وما كان مرجع التمدح به إلى الفعل فإنَّه قد يصح نقيضه ولذلك صح الإستثناء
في قوله تعالى: إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ (1) بخلاف التمدح الراجع إلى الذات فلا يصح الإستثناء منه ولا غيره سواء كان نفياً نحو لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ أو إثباتاً كوصفه بأنَّه عالم وقادر ونحوهما.
✳️ وأمَّا الأصل الثالث: وهو أنَّ كل تمدح راجع إلى الذات فإثبات نقيضه نقص فذلك معلوم عند العقلاء.
✳️ وأمَّا الأصل الرابع: وهو أنَّ الله تعالى لا يجوز عليه النقص فذلك معلوم بالأدلة القاطعة وهو إجماع.
ومن الأدلة على عدم جواز الرؤية قوله تعالى لموسى لمَّا سأله الرؤية بقوله: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي (2) ووجه الإستدلال بها أنَّ لن في لغة العرب موضوعة للنفي المؤبد مالم تقيد بما يرفع التأبيد كما حكاه الله تعالي عن مريم &: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا 26 (3) فلولا أنَّها قيدت نفي تکليمها بذكر اليوم لاقتضى النفي المؤبد كما في قوله تعالى: لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا (4) و لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا (5) و لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ (6) و {لَنْ تُغْنِيَ
عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ... } (1) وقد نفى الله تعالى الرؤية عن موسي عليه السلام بلفظه: (لن) ولم يقيده فاقتضى التأبيد ثم أكد نفي الرؤية بأن علقها بشرط مستحيل حصوله وهو أن يكون الجبل مستقراً حال جعله دكاً أي مدكوكاً مصدر بمعنى إسم المفعول والدك هو الدق فجعله سبحانه مدكوكاً أي مسوى بالأرض وجعل الرؤية معلقة بأن يراه مستقراً جبلاً على حالته الأولى في حالة جعله دكاً وقيل إنَّ دكاً بمعنى متحركاً إذا دكت الأرض دكاً أي تحركت فيكون أيضاً مما علق بالمحال وما علق بالمحال فهو محال لأنَّ إستقرار الجبل حال تحرکه محال لأنَّه جمع بين النقيضين من حيث إنَّ الإستقرار الذي هو السكون نقيض الحركة فإجتماعهما في حالة واحدة محال وما تعلق بالمحال فهو محال كما في قوله تعالى في حق الكفار: وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ (2) إعتراض
✳️ قالوا: لو كانت رؤيته سبحانه مستحيلة لما سألها موسى عليه السلام ، لاسيما وهو أعلم الناس بالله تعالي.
✳️ وجوابه: أنَّه لما أكثر قومه التعنت وقالوا: <span class="quran-verse">أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً</span> (3) ولم يقتنعوا بالأدلة العقلية على إثبات الصانع وعدم تجسيمه وأنَّه لا يشبه الأشياء ولا تجوز عليه الرؤية ونحوها حتى علقوا إيمانهم بالصانع وما يترتب عليه من نبوة موسى عليه السلام وسائر ما جاء به على رؤيته تعالي وقالوا: <span class="quran-verse">لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً</span> (1) فأراد موسى عليه السلام أن ينضم إلى أدلة العقل دليل سمعي ينقطع عنده حجاجهم ويذهب معه لجاجهم، وسلك في طلب ذلك الدليل أبلغ مسلك ليكون أبلغ وأقطع لمحاجتهم بأن أَسند الرؤية إلى نفسه ليعلموا أنَّه إذا منعها مع كونه كليم الله وحبيبه فهم بالمنع أولى بخلاف مالوا أسندها إليهم لبقي الشغب معهم ومع غيرهم وإنَّما قلنا أنَّ موسى عليه السلام لم يسأل الرؤية لنفسه لدليلين.
✳️ الدليل الأول: ماحكاه الله تعالى في قصص قومه من قوله تعالى خطاباً لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً (2) فقضت هذه الآية أنَّ سؤال أهل الكتاب الرؤية أمر فظيع واعتقاده قبيح شنيع وأنَّه أشنع في القبح من سؤالهم لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن ينزل عليهم كتاباً غير القرآن لأنَّه كفر بلا ريب فكيف بما هو أكبر إثماً وأغرق ظلماً لذلك عقب هذه الجملة بقوله عز وجل: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ (3) وقرنها بالفاء التي تفيد التعقيب والتسبيب لأخذ الصاعقة إياهم حتى هلكوا وماتوا من حينهم، وسمى ما طلبوه ظلماً وأي ظلم، إنّ الشرك لظلم عظيم وإذا كان اعتقاد الرؤية وطلبها أكبر من سؤال كتاب غير القرآن وسبباً لهلاك من طلبها أو اعتقدها وتسميته ظالماً وجب أن ننزِّه موسي عليه السلام عنها، لأنَّه لو سألها لنفسه وشاركهم في إعتقاد جوازها
لصعق معهم ولكان ظالماً مثلهم، وذلك مما يجب أن ننزه عنه الأنبياء عليهم السلام ، وإنَّما قلنا أنَّه لو سألها لنفسه لصعق معهم ولكان ظالماً مثلهم لأنَّه يكون حينئذ قد شاركهم في السبب والعلة توجب الإشتراك في الحكم وهذا واضح .....
✳️ الدليل الثاني: على أنَّهُ عليه السلام إنَّما طلبها لقومه، أنَّ المخالف مسلِّمٌ لنا أنَّ الرؤية لا تجوز على الله تعالى في الدنيا، والسؤال وقع لطلبها في الدنيا، فأمَّا أنْ يكون سألها وهو عالم أنَّها لا تجوز على الله تعالى وذلك طلب ما لَا يجوز، وموسى عليه السلام معصوم، ويجب تنزيهه عن مثل ذلك، وإمَّا أنْ يكون طلبها وهو غير عالم أنَّها لا تجوز على الله تعالى في الدنيا، وذلك جهلٌ شديدٌ وحاشاه عن كِلَا الأمرين، وهو كليم الله وصفيه لقد برَّأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيهاً. فصح أنَّ الله لا يرى في دنيا ولا آخرة.
***
🔰الأدلة من السنة على عدم الرؤية
✳️ ما أخرجه أبو القاسم الكعبي بسنده عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: إنَّكم لن تروا الله في دنيا ولا آخرة وقد أخرجه الفقيه حُميد الشهيد - رحمه الله - بلفظ اعلموا وأخرج الرامهرمزي والحاكم أبو سعيد عن سمرة بن جندب أنَّ رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل نَرى ربَّنا في الآخرة؟ فانتفض، ثم سقط فالتصق بالأرض، وقال: لا يراهُ أحدٌ ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يراه، وأخرج البخاري والترمذي والحاكم أبو سعيد عن عائشة أنَّها سُئلت هل رأي محمد ربه؟. قالت: ياهذا لقد قف شعري مما قلت ثلاثاً، من حدثكهن فقد أعظم الفرية على الله، من قال أنَّ محمداً رأى ربه، والله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار .. ألخ. انتهي ما أردنا إيراده من الأدلة.***
🔰 شبه الخصوم وإجاباتنا عليها
وَلْنشِرْ إلى بعض الشبه التي تعلق بها الخصوم واعلم أنَّهم تعلقوا بشبهٍ منها:قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ 22 (1) وقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ 15 (2) وقوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ (3) وبما رووه من الحديث: سترون ربكم .. الخ.
والجواب عن هذه الشبه: أمَّا الآية الأولى والثانية فنقول: أنَّ ذلك من مجاز الحذف، وهو كثير في القرآن الكريم، وفي لغة العرب، فقوله تعالى: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ 23 أي إلى ثواب ربها، وقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ أي عن ثواب ربهم ومثل هذا: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ (4) أي أهل القرية، وَجَاءَ رَبُّكَ (5) أي أمر ربك.
أما قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ فقد فسر الخصوم الزيادة بالرؤية، وليس ذلك بصحيح، لأنَّ الزيادة لا تكون إلَّا من جنس المزيد عليه، ولأنَّ علماء العدل والتوحيد قد فسروا الزيادة بغير الرؤية فليس تفسير الخصم أولي بالاتِّباع من تفسيرنا.
فإن قال الخصم: إنَّ تفسيرهم مروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، عارضناهم بمثل ما قالوه، بأنَّ تفسيرنا مرفوع إليه صلى الله عليه وآله وسلم ، وكيفما قالوا قلنا.
أمَّا الحديث: فلا يصح الإستدلال به لأنَّه آحادي، والمسألة قطعية أصولية، وهذا على التنزل، وإلَّا فهو غير صحيح، لجرح راويه بما هو محرّرٌ في مواضعه، لأنَّ قيساً الراوي ممن أظهر العداء والبغض لعلي عليه السلام ، وهو لايحبه إلّا مؤمن، ولا يبغضه إلّا منافق، وإنْ صحّ من طريق أُخرى، فهو مؤول كما صرح بذلك بعض العدلية.
أمَّا ما قعقع به السيد العلامه محمد بن ابراهيم الوزير في بعض مؤلفاته، من روايات أحاديث الرؤية والقول بها عن بعض أهل البيت نقلاً عن الجامع الكافي وغيره، فقد كنتُ إستشكلت ذلك أيام الطلب فسألت فيه شيخي العلامة القاضي محمد بن يحيي مرغم رحمه الله، فأجاب بجوابٍ طويل خلاصته: أنَّ من رووا عنه، إمَّا مكذوب عليه كمن ذكره من أكابر آل محمد، وإمَّا غير مقبول في نفسه كقيس بن حازم وغيره من أمثاله، ولأنَّ كل دليل خالف العقل والقطعي من النقل فيُردُّ وإن بلغ رواته ما بلغوا.
هذا معنى كلامه، ومن أحبَّ الزيادة في هذا المبحث ففي مطولات كتب الأصول ما يكفي ويشفي.
أمَّا قول ضرار بن عمرو: أنَّ الله تعالي يُري بحاسةٍ سادسةٍ
فقوله هذا مخالف لما عليه العقلاء، فإنَّ الله تعالى قد أجرى العادة أن لا تُرى المرئيات إلّا بالبصر، ولا تُشَمُ المشمومات إلّا بحاسةِ الشم
والمطعومات كذلك ... وإلى آخر الحواس، فلا تعقل رؤية مرئي بغير حاسة البصر، هذا من جهة إختلال كلامه، مع أنَّ الأدلة السابقة تُبطل قوله:
ضِرار بن عمرو إِنَّما ضرّ نفسهُ ... فلا كان قولاً من ضرارٍ فتى عمرو
***
🔰 الخامسة: الإستواء المذكور في القرآن الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى 5 (1
ما المراد به؟)أمَّا ✳️ الجواب عن مسألة الإستواء
في الآية الكريمة: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى 5 (1) فهذه المسألة, والمسألة التي بعدها- وهو ما ورد في القرآن الكريم من ذكر الوجه والعين ... إلخ - فقد جَمَعتُ هاتين المسألتين وأجبتُ عن الإشكالين وجمعت بينهما لكونهما توأمتين.
فأقول وبالله التوفيق: إعلم وفقني الله وإياك أنَّ القرآن الكريم مشتمل على الحقيقة والمجاز، ولا نحتاج إلى تقرير هذا إستغناءً بما قد قرّرَهُ علماء البيان وجهابذة الأصولين، أمَّا من أنَّكر وقوع المجاز في القرآن فهو معاند وجاحد لما قد علم من مثل قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (2) وقوله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ (3) وغير ذلك مما يطول.
✳️ وأول ما نبتدي به: قول الله جل جلاله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى 5 فنقول: إنَّ الإستواء في لغة العرب يطلق على معان كثيرة منها: الركوب قال تعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ .... الآية (1) معناها: إذا ركبت، والإستقرار قال تعالى: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ (2) أي إستقرت والجودي جبل بالموصل، والقصد: قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ (3) أي قصد. قاله ابن عباس، وإتمام الشباب: قال تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى (4) والإعتدال: يقال إستوي كذا وكذا أي إعتدلا، وتساوي الأجزاء المؤلفة: يقال استوى الحائط والخشبة، وبمعني الإنتصاب يقال استوي فلان قائماً أي انتصب، وبمعنى الإستيلاء قال الشاعر: ?
قد استوى بشرٌ على العراقِ ... من غير سفكٍ لدمٍ مهراقِ
✳️ إذا عرفت هذا، فاعلم أنَّ اللفظة المشتركة يجب حملها على جميع معانيها الغير الممتنعة، عند تجردها عن القرينة وهنا أكثر المعاني ممتنعة عقلاً وسمعاً، لأنَّ الركوب، والإستقرار، وإتمام الشباب، والإعتدال، وإستواء الأجزاء وغيرها، من خواص الأجسام والله تعالي ليس بجسم ولا عرض ولا يصلح هنا من معاني الإستواء إلا الإستيلاء، فيكون معنى الآية الكريمة: الرحمن على العرش استولي.
✳️ ونتبع ذلك بمعاني العرش لغة لتم بذلك الفائدة:
فالعرش: بمعنى السرير قال الله تعالى: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ 23 (1)
والبناء: قال تعالى: خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا (2) قال بعض المفسرين خالية عن أهلِها على ما فيها من البناء، وكل ما يستظل به، يقال: خيم القوم وعرشوا ومنه عرش الكَرْم، قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ (3) ويطلق على السقف: قال الله تعالى: و فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ... فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا (4) أي على سقوفها، والسلطان والملك قال زهير: ?
تداركتما عبساً وقد ثُلَّ عرشها ... وذبيان قد زلّت بأقدامها النعل
وقال آخر: ?
✳️ ولوْ هلكت تركت الناس في وهل ... بعد الجميع وصار العرش إكساراً
إذا عرفت معاني العرش، فاعلم أنَّه لا يصلح أن يفسر العرش في الآية الكريمة إلا بالمعنى الأخير، وهو السلطان والملك، فيكون المعنى: الرحمن على الملك استولى، والمعنى: أنَّه سبحانه لما خلق السموات والأرض استوي على ملکه، أي إستولى على ملكه بالقهر والقدرة والسلطان، فسبحانه من
حکيم مقدر عليم وتنزه عما يقوله المبطلون من الإستواء، كما يستوي أحدنا على سريره، فما أشنعها من مقالة.
✳️ ونتبع ذلك بالكلام على الكرسي في قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (1) فاعلم أنَّ الكرسي في لغة العرب يطلق على العلم، قال الهذلي:
ولا تكرّسَ علم الغيب مخلوق .........................
أي ما تعلم، وقال غيره:-
تَحِفُّ بهم بيض الوجوه وعصبة ... كراسيُّ بالأحداث حين تنوب
أي أهل علوم، ومنه قيل للصحيفة كراسة، قال في شرح الأساس: قال في البلغة: وروي عن جعفر بن محمد الصادق عن آبائه عليهم السلام في تأويل قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وسع علمه السموات والأرض. إهـ.
✳️ وللإمام الهادي بحيي ابن الحسين عليهم السلام (كتاب العرش والكرسي) في الاحتجاج على أنَّ الكرسي هو العلم، فيه علم جم يطالعه من أحب الرجوع إليه.
وأما قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (1)، وقوله تعالى: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ (2) وقوله تعالى: إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى 20 (3)، فنقول: إنَّه قد علم بالأدلة القطعية عقلاً وسمعاً أنَّ الله تعالي ليس بجسم ولا عرض، وأنَّه ليس بذي جارِحَةٍ، فلا حجة لأهل التجسيم بهذه الآيات، لأنَّ الآية الأولى لو حملت على جارحة مخصوصة لفسد المعني، لأنَّه يصير أنَّه يهلك ما سوى الوجه، وهذا مما لا يقولون به ولا يتلزمونه، لأنَّه كفر.
فلم يبقَ إلا أن يكون الوجه بمعنى الذات، ويكون معنى الآية: كل شيء هالك إلا هو، لأنَّه يعبر في لغة العرب بالوجه عن الذات كما يقال هذا وجه الرأي ووجه الصواب، أي الرأي وهو الصواب، وقد بين الإمام نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم عليهم السلام معاني الوجه في كتاب (المسترشد في مجموعِهِ)، ومعنى قوله تعالى: إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى 20، وقوله تعالى: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ، أي إلا إبتغاء ثواب الله ورضوانه، وأما قوله تعالى: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (4)، فالجنب يعبّرُ به عن العضو المخصوص، ويعبّرُ به عن الأمر، فمعناها: ياحسرتي على ما فرطت في أمر الله. قال الشاعر:-
خليلي كُفَّا واذكرا الله في جنبي ... فقد قلتما في غير إثم ولا ذنب
وقد فسرها بعض العلماء بالطاعة، أي في طاعة الله كما يقال: ما نالني في جنب فلان فهو راحة، أي في طاعته، وعن ابن عباس أنَّ معناها: في ذات الله وحقه وأمره، قال ابن دريد في مقصورته - وهو من علماء اللغة الناقلين لها الموثوق بهم فيها:
فكلما لاقيته مغتفرٌ ... في جنب ما أسأره سخط النوى
وعن مجاهد: في أمر الله، وقيل: في قربه وجواره، ومنه الصاحب بالجنب أي بالقرب, وأما قوله تعالى بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ (1) ونحوهما مما فيه ذكر اليد، فاعلم أنَّ اليد تُطلَقُ في اللغة على الجارحة المخصوصة وعلى القدرة والقوة، قال الشاعر:
إذا ما رايةٌ رُفِعَت لمجدٍ ... تلقّاهَا عُرابة باليمين
وقال عروة : فقالوا هداك الله والله ما بنا ... بما حملت منه الضلوع يدان
وقال الغنوي :إذا ما رأيت المرء يشعب أمره ... شعب العصا ويلجُّ في العصيان
فاعمد لما تعلوا فمالك بالذي ... لا تستطع من الأمور يدانِ
وبمعنى النعمة: يقال لفلان على فلان يد، أي نعمة، وقد بطل بالأدلة القاطعة أن يكون سبحانه جسماً أو عرضاً، والجارحة المخصوصة لا تصح عليه، لأنَّ ذلك تجسيم فلم يبق إلا أن تكون الآية بمعنى النعمة والتثنية لنعم الدنيا ونعم الآخرة، ومعنى قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (1) أي بقدرتي ومعنى قوله: وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (2) أي بقوته.
وأما قوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا فقال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام : هي من باب المشاكلة لكلمة العين المقدرة وهي الجارحة الخاطرة بذهن السامع لما كان لا يتم حفظ مثلها لأحد في الشاهد إلا بمتابعة أبصارها بالعين الجارحة. إهـ معني کلامه. والمعنى في الآية: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا (3) أي بعلمنا، وعن الحسن أنَّه قال. تجري بأعيننا، أي بأمرنا، وقيل بحفظنا وحراستنا، ومثلها قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي 39 (4) أي على علمي، ومثلها قوله تعالى: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا (5) أي في كلايتنا وحفظنا.
✳️ واعلم أنَّ المشاكلة المذكورة عند أهل البيان هي: ذكر الشيء بلفظ غيره، الوقوعه في صحبته تحقيقاً أو تقديراً، فالأول كقول الشاعر:
قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه ... قلتُ اطبخوا لي جبةً وقميصاً
أي خيطوا لي، فعبّر عنه بلفظ الطبخ لوقوعه في صحبة طبخ الطعام، ومثال المقدر قوله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً (1) وهي مصدر مؤكدٌ لآمنا بالله أي بتطهير الله لأنَّ الإيمان يطهر النفوس لما كانت النصارى تصبغ أولادها بماءٍ يسمونه المعمودية، ويقولون أنَّه طهرة لهم، فعبر عن الإيمان بالله بصبغة الله، للمشاكلة.
✳️ ومنها قوله تعالى: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ (2). قال جار الله - رحمه الله - والمعني: تعلم معلومي ولا أعلم معلومك ولكنه سلك بالكلام طريق المشاكلة وهي من فصيح الكلام. إهـ. وقد أتينا على جملة من الآيات المتشابهة التي تردّ إلى المحكم والله الموفق.
🔰 أما الجواب عن مسألة (هل الأرض كروية أم مسطحة)؟
✳️ فالذي عليه أكثر علماء الفلك كما نقله الصواف عنهم أن الأرض كروية، وللصواف هذا رسالة مستقلة مطبوعة ردّ فيها على ابن باز في فتواه في هذه المسألة، وقد نقل فتواه حرفياً وردّ عليه وتوسع في النقولات، وهذه المسألة لا يوجب الجهل بها نقصاً في دين المسلم، إذْ لم نكلّف علمها وسواءً قلنا الأرض مسطحة، أم قلنا أنَّها كروية ففي ذلك دلالة على الصانع المختار لدقة الصنعة وإحكامها التي لا تكون إلا من عالم قدير:مَنْ طوَّل الأيَّام عندَ مصِيفِهَا ... وأتتْ قصاراً في فصول شتائه
وفي طلوع القمرين وغروبهما، وتقدير سيرهما، وفي النجوم الثوابت والمعالم والرواجم من الحكمة البالغة ما لا يحيط به وصف الواصف، قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ 190 (1)