🔰رسالة احد المكفرين لزوار القبور
الإمَــامُ الْمجدد للديــن مجدالديــن بن محمــد المؤيــدي (ع) (مـــع) احد المكفرين لزوار القبورجمعها الامام المجدد للدين بمعونة من بعض العلماء
🔰سبب التأليف
✳️ وَبَعْدُ: فَإِنَّهَا وَصَلَتْ إِلَيْنَا الرِّسَالَةُ الْمُتَضَمِّنَةُ للتَّضْلِيلِ والتَّبْدِيعِ والتَّكْفِيْرِ للفِرْقَةِ النَّاجِيَة، والعِصَابَةِ الهَادِيَة مِنْ أَهْلِ البَيتِ الْمُطَهَّرِينَ عَنِ الأَرْجَاس، الْمُفَضَّلِيْنَ عَلَى كَافَّةِ النَّاس، وَأَشْيَاعِهِم الرَّاكِبِيْنَ سَفِيْنَتَهُم، الْمُتَمَسِّكِيْنَ بِهَدْيِهِمْ.الدَّالَّةُ عَلَى إقْدَامِ مُنْشِيْهَا عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ سَاطِع، وَلَا سُلْطَانٍ قَاطِع، وَمِثْلُ ذَلِكَ أَمْرٌ كَبِيْر، وَخَطْبٌ خَطِيْر، وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ 8 [الحج]، زَاعِمًا أَنَّهُ نَاهٍ عَنِ البِدَعِ وَفِيْهَا وَقَع، وَارْتَبَكَ فِي ضَلَالِهَا وَرَتَع، وَمِنْ آجِنِ كَدَرِهَا وَآسِنِ مُتَغَيِّرِهَا كَرَع ، فَتَحَتَّمَ عَلَيْنَا الْجَوَاب، وَوَجَبَ إِزَاحَةُ مَا بِهَا مِنَ الشُّبَهِ الضَّئِيْلَةِ الَّتِي هِيَ أَشْبَهُ بِلَمْعِ السَّرَاب، لِمَا لا يُؤْمَنُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهَا مَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْخَطَإِ وَالصَّوَاب، فَتُوْقِعُهُ -لِضَعْفِ البَصِيْرَةِ- في الْحَيْرَةِ وَالشَّكِّ وَالارْتِيَاب، لِمَا أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ البَيَانِ فِي مُحْكَمِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَمْثَالِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ... الآيَةَ [البقرة 159].
وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم : إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ وَلَمْ يُظْهِرِ العَالِمُ عِلْمَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم : «مَنِ انْتَهَرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ مَلَأَ
اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا» ، وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم : إِنَّ عِنْدَ كُلِّ بِدْعَةٍ يُكَادُ بِهَا الإِسْلَامُ مِنْ بَعْدِي وَلِيًّا مِنْ أَهْلِ بَيْتي، يُعْلِنُ الْحَقَّ وَيُنَوِّرُهُ، وَيَرُدُّ كَيْدَ الكَائِدِيْنَ، فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ .
فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوفِيق، وَنَسْأَلُهُ الهِدَايَةَ إِلَى أَقْوَمِ طَرِيق:
قَالَ -بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم -:
أَمَّا بَعْدُ: فَهَذِهِ نُبْذَةٌ فِي تَضْلِيْلِ بَعْضِ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي صَارَ الاِسْتِمْرَارُ عَلَيْهَا سُنَّةً مُتَّبَعَة، وَالإِلْفُ بِهَا وَالنُّشُوءُ عَلَيْهَا صَيَّرَاها حَسَنَةً -وَإِنْ كَانَتْ قَبِيْحَةً-، وَهْيَ: مَسْأَلَةُ تَجْصِيْصِ القُبُورِ وَرَفْعِهَا، وَالبِنَاءِ عَلَيْهَا وَزَخْرَفَتِهَا، وتَسْرِيْجِ السُّرُجِ عَلَيْهَا وَفَرْشِهَا، وَالصَّلَاةِ فِيْهَا، وَالتِّلَاوَةِ عِنْدَهَا، وَالتَّضَرُّعِ، وَالاسْتِغَاثَةِ.
✅وَالجواب، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِمَنْهَجِ الصَّوَاب: أَمَّا الدُّعَاءُ وَالتِّلَاوَةُ فَلَمْ يُورِدْ صَاحِبُ الرِّسَالةِ شيئًا مِمَّا يَقْتَضِي الْمَنْعَ عَنْهُمَا، بَلْ فِي سِيَاقِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَا يُفِيْدُ شَرْعِيَّةَ الدُّعَاءِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
🔰الأدلة على شرعية التلاوة عند القبور
✳️ وَلَنَا عَلَى شَرْعِيَّةِ التِّلاَوَةِ عِنْدَ القُبُورِ أَدِلَّةٌ، مِنْهَا:مَا رَوَاهُ الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ مُوْسَى الرِّضَا بِسَنَدِ آبَائِهِ عليهم السلام عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ وَقَرَأَ <span class="quran-verse">قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ</span> إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهُ لِلأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بِعَدَدِ الأَمْوَاتِ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي (الْمُسْنَدِ) ، وَأَبُو دَاودَ ، وَابْنُ مَاجَه ، وَابْنُ حِبَّان ، وَالحَاكِمُ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْهُ صلى الله عليه وآله وسلم : اقْرَؤُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ <span class="quran-verse">يَس</span> .
قَالَ فِي شَرْحِ الجَامِعِ الصَّغِيْرِ : أي مَن حَضَرَهُ مُقَدَّمَاتُ الْمَوْتِ، ... ، وأَخَذَ بعضُهُم بِظَاهِرِ الْخَبَرِ، فَصَحَّحَ أَنَّهَا تُقرأُ بَعْدَ مَوْتِهِ، والأَوْلَى: الْجَمْعُ عَمَلاً بالقَوْلَيْنِ. انْتَهَى مِنْهُ بِاخْتِصَارٍ.
قُلْتُ: الْمُتَعَيَّنُ: الأَخْذُ بِالْحَقِيْقَةِ؛ لِعَدَمِ الصَّارِفِ (8).
قَالَ فِي حَوَاشِي بُلُوغِ الْمَرَامِ: «لاَ بَأْسَ بِقِرَاءَةِ القُرْآنِ عَلَى الْمَوْتَى، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ الحَافِظُ ابْنُ القَيِّمِ فِي كِتَابِهِ (الرُّوحِ) ، فَانْظُرْهُ،
وَانْظُرْ كِتَابَنَا (الْمُحْكَمَ الْمَتِيْنَ) ». انْتَهَى مِنْ (صفح/107) (طبع سنة 1372 هـ).
قَالَ الأَمِيْرُ فِي (تَأْنِيْسِ الغَرِيْبِ) : أَخْرَجَ أَبُو مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي فَضَائِلِ <span class="quran-verse">قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ</span>: عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ، وَقَرَأَ <span class="quran-verse">قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ</span> إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهُ لِلأَمْوَاتِ أُعْطِي مِنَ الأَجْرِ بِعَدَدِ الأَمْوَاتِ.
قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ مُوْسَى الرِّضَا بِسَنَدِ آبَائِهِ بِلَفْظِهِ-كَمَا سَبَقَ -.
وَأَخْرَجَهُ الرَّافِعِيُّ فِي تَارِيْخِهِ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام بِلَفْظِهِ .
[قَالَ]: وَأَخْرَجَ أَبُو القَاسِمِ سَعْدُ [بْنُ عَلِيٍّ] الزَّنْجَانِيُّ فِي فَوَائِدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ ثُمَّ قَرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ، وَ <span class="quran-verse">قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ</span>، وَ <span class="quran-verse">أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ</span>، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ إِنِّي جَعَلْتُ ثَوَابَ مَا قَرَأْتُ مِنْ كَلَامِكَ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، كَانُوا لَهُ شُفَعَاءَ إِلَى اللَّهِ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ العَزِيْزُ صَاحِبُ الْخَلَّالِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ (يس) خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيْهَا حَسَنَاتٌ .
قَال الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ ، وَفِي (الإِحْيَاءِ) لِلْغَزَالِيِّ ، وَ (العَاقِبَةِ) لِعَبْدِ الْحَقِّ عَنْ أَحْمَدَ [بْنِ حَنْبَل] قَالَ: إِذَا دَخَلْتُم الْمَقَابِرَ فَاقْرَأوا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَاجْعَلُوا ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ؛ فَإِنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِم (8).
🔰بحث في التضرع والاستغاثة والتوسل
✳️ وَأَمَّا التَّضَرُّعُ وَالاِسْتِغَاثَةُ فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ القَبْرِ، أَوْ مَنْ فِيْهِ؛ لاِعْتِقَادِ أَنَّهُ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا شَكَّ فِي قُبْحِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ وَاقِعٍ فِيْمَا نَعْلَمُهُ فِي هَذِهِ الأَقْطَارِ، وَلَوْ ظَهَرَ وُقُوعُهُ لَأُنْكِرَ عَلَى فَاعِلِهِ.وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ: الدُّعَاءَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، وَالتَّوَسُّلَ بِالأَخْيَارِ، فَذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ بَلْ مَشْرُوع، وَالأَدِلَّةُ عَلَى ذَلِكَ مَسْطُورةٌ مَشْهُورَة.
وَلَمْ يَأْتِ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ بِمَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لَا حُجَّةً وَلَا شُبْهَة، فَيَتَوَجَّه الْخِطَابُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فَرْشُهَا لَمْ يُشِرْ فِيْهِ بِدَلِيْلٍ وَلَا شُبْهَةٍ قَطّ.
🔰بحث في أدلة التوسل من رواية القوم
🔰 [1/حديث عثمان بن حُنَيْف]
وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّوَسُّلِ مِنْ رِوَايَةِ القَومِ الَّذِيْنَ هُمْ عُمْدةُ الخَصْمِ، فَهْوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ التَّسْلِيْم لَهَا: مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ، وَقَالَ: صَحِيْحٌ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيْحٌ غَرِيْبٌ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَه ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيْحِهِ وَصَحَّحَهُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيْثِ عُثْمَانَبْنِ حُنَيْفٍ ¥ أَنَّ أَعْمَى أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَكْشِفَ لِي عَنْ بَصَرِي. فَقَالَ: أَوْ أَدَعُكَ؟. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّي قَدْ شَقَّ عَلَيَّ ذَهَابُ بَصَرِي. قَالَ: فَانْطَلِقْ فَتَوَضَّأْ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِي اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ.
ولَمَّا كَانَ هَذَا الْخَبَرُ الصَّحِيْحُ الصَّرِيحُ حُجَّةً دَامِغَةً، وَبَيِّنَةً قَاطِعَة، أَبْلَغَ الجَاحِدُونَ لِشَرْعِيَّةِ التَّوَسُّلِ كُلَّ حِيْلَة، وتَوَصلوا لِتَحْرِيفِهِ وَرَدِّ صَرِيْحِ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ بِكُلِّ وَسِيْلَة.
🔰[بعض الْشُّبَه حول هذا الحديث، والجوابُ عنها]
مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الأَعْمَى إِنَّمَا سَأَلَ مِنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم الدُّعَاءَ.✅وَالجوابُ: أَنَّا إِنَّمَا احْتَجَجْنَا بِقَوْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم لَا بِقَوْلِ الأَعْمَى؛ فَإِنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَّمَه التَّوَسُّلَ حَيْثُ قَالَ لَهُ: قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِليْكَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِي.
فَهَلْ شَيءٌ أَصْرَحُ مِنْ هَذَا فِي أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَنْ يَتَوَسَّلَ بِهِ، وَأَنْ يُنَادِيَهُ وَهْوَ غَائِبٌ، وَهْوَ كَنِدَاءِ الْمَيِّتِ بِلَا فَرْق .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا زَعَمُوهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِقَوْلِهِ: أَتَوَجَّهُ بِكَ: أَيْ بِدُعَائِكَ.
✅وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا هُوَ التَّحْرِيْفُ بِعَيْنِهِ، وَحَاشَا الرَّسُولَ صلى الله عليه وآله وسلم أَنْ يُلَغِّزَ هَذَا الإِلْغَاز، وَيُعَمِّيَ هَذِهِ التَّعْمِيْة، وَهْوَ الْمُبَيِّنُ لِلْنَّاسِ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيْهِ.
وَإِنَّ تَقْدِيْرَ مِثْلِ هَذَا الَّذِي يُخْرِجُ الْكَلَامَ الصَّرِيْحَ بِلَا دَلِيْلٍ قَاطِعٍ هُوَ عَيْنُ التَّحْرِيْفِ وَالتَّبْدِيْلِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَأْوِيْلاَتِ وَتَحْرِيْفَاتِ الصُّوْفِيَّةِ وَالبَاطِنِيَّة.
وَلَوْ سَاغَ مِثْلُ هَذَا لَبَطَلَتِ النُّصُوص، وَلَمْ يَبْقَ ثِقَةٌ لِعُمُومٍ وَلَا خُصُوص.
وَكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُ الأَعْمَى: ادْعُ اللَّهَ لِي دَلِيْلاً عَلَى التَّقْدِيْرِ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم الصَّرِيْحِ لِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ وَلَا يُشِيْرُ إِلَيْه، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْه؛ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ 46 [الحج].
🔰[2/حديث استسقاء الصحابة بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه]
وَمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ أَنَّ الصَّحَابَةَ اسْتَسْقَوا بِالْعَبَّاسِ ¥ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ، وَقَالَ عُمَرُ: اللهُمَّ إِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّئنَا ... الْخَبَرَ.وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيْرٌ .
وَإِذَا ثَبَتَ شَرْعِيَتُهُ لَمْ يَقْبُحْ، وَلَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً وَلَا شِرْكًا، وَسَوَاءٌ كَانَ بِحَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ؛ إِذ الْمُقْتَضِي وَاحِدٌ، وَحُرْمَةُ الْمَيِّتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بَاقِيَةٌ ثَابِتَةٌ لَمْ يَرِدْ مَا
يَقْطَعُهَا قَطْعًا.
وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ: التَّوَسُّلَ بِمَا لَهُ مِنَ الْحُرْمَةِ وَالْمَنْزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَالْحَيُّ وَالْميِّتُ سَوَاء، لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ عَقْلًا وسَمْعًا.
وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ: طَلَبَ النَّفْعِ وَالضُّرِّ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَهْوَ قَبِيْح، وَاللَّهُ تَعَالَى لَهُ غَيْرُ مُبِيْح، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحَيُّ وَالْمَيِّتُ عَقْلاً وَشَرْعًا؛ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ 13 [لقمان].
🔰[3/حديث توسل آدم عليه السلام بنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم]
وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي (مَجْمَعِ الفَوَائِدِ) مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي (الجزءِ الثَّانِي) مِنَ (الفَتَاوَى) (ص/150) (الطَّبْعَة الأُوْلى- سَنَةَ 1381 هـ) : وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَمِنْ طَرِيقِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ [ابنِ الْجَوْزِيِّ]، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ -الطَّبَرَانِيُّ-، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ رِشْدِيْن، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيْدٍ الْفِهْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : «لَمَّا أَصَابَ آدَمُ الْخَطِيئَةَ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا رَبِّ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ إِلَّا غَفَرْتَ لِي، فَأَوْحَى إِلَيهِ: وَمَا مُحَمَّدٌ؟ وَمَنْ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّكَ لَمَّا أَتْمَمْتَ خَلْقِي رَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى عَرْشِكَ فِإِذَا عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ أَكْرَمُ خَلْقِكَ عَلَيْكَ؛ إِذْ قَرَنْتَ اسْمَهُ مَعَ اسْمِكَ، قَالَ: نَعَمْ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ... » إلخ.قُلْتُ: وَهَذَا الْخَبَرُ مَرْوِيٌّ فِي كُتُبِ أَئِمَّتِنَا .
وَفِي هَذَا رَدٌّ صَرِيْحٌ مُفْحِمٌ لِمَنْ يَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى مَا وَرَدَ مِنَ التَّوَسُّلِ: هُوَ التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ.
وَهْوَ وَإِنْ كَانَ مِنَ التَّأْوِيْلِ البَاطِلِ فَقَدْ يُمْكِنُ التَّلْبِيْسُ بِهِ عَلَى مَنْ لَا قَدَمَ لَهُ رَاسِخٌ، أَمَّا هَذَا فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيْهِ بِحَالٍ؛ إِذْ هُوَ قَبْلَ وُجُودِهِ، وَهْوَ أَبْلَغُ مِنَ التَّوَسُّلِ بِالْمَوْتَى مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ وَنَحْوِهِمْ؛ إِذْ قَدْ وُجِدُوا.
🔰تصريح من الشيخ ابن تيمية بشرعية التوسل
✳️ وَقَالَ أَيْضًا فِي (الجزءِ الثَّالِثِ- ص/276) فِي سِيَاقِ حُقُوقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَا لَفْظُهُ: (وَكَذَلِكَ مِمَّا يُشْرَعُ: التَّوَسُّلُ بِهِ فِي الدُّعَاءِ، كَمَا فِي الْحَدِيْثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَّمَ شَخْصًا أَنْ يَقُولَ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَسَّلُ إِليَكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَتَوَسَّلُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي ... ) إلخ الخَبَرِ الَّذِي سَبَقَ.وَهَذَا صَرِيْحٌ فِي التَّوَسُّلِ بِذَاتِهِ صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لِمَا لَهُ مِنَ الْمَكَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَتَصْرِيْحٌ مِنَ الشَّيْخِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ.
فَهَؤُلَاءِ الَّذِيْنَ يَمْنَعُونَهُ أَشَدَّ الْمَنْعِ، وَيَتَأَوَّلُونَ نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ النَّبَوِيِّ بِخِلَافِ حَقِيْقَتِهِ: مُخَالِفُونَ لِصَرِيْحِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ الصَّحِيْحِ وَنَحْوِهِ، وَمُخَالِفُونَ
لِلْشَّيْخِ الَّذِي هُوَ عُمْدَتُهُم، وَعَلَيْهِ يُعَوِّلُونَ.
وَقَد اسْتَوْفَيْتُ طُرُقَ هَذَا الْخَبَرِ الشَّرِيفِ وَمُخَرِّجِيْهِ وَالكَلَامَ عَلَى التَّوَسُّلِ (بِشَرْحِ الزُّلَفِ) (ص/164) (الطبعة الأولى) (ص/251)، (الطبعة الثانية) (ص/347)، (الطبعة الثالثة) .
وَقُلْنَا هُنَالِكَ بَعْدَ ذِكْرِ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَا لَفْظُهُ:
فَلَا يَسُوغُ لِمُؤْمِنٍ بِالِلَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ كَالتَّوَسُّلِ وَالاِسْتِشْفَاعِ بِالأَوْثَانِ، وَاعْتِقَادِ تَقْرِيْبِهَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ 6 [الجاثية]، إِلَى قَوْلِنَا:
وَكَذَلِكَ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تُرْفَعَ جَمِيْعُ بُيُوتِهِ، وَهْيَ حِجَارَةٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَع، وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَع، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شِرْكًا لَهُ تَعَالَى، وَلَا عِبَادَةً لِغَيْرِهِ وَلَا قَبِيْحًا؛ لَمَّا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، بِخِلَافِ تَعْظِيْمِ الأَصْنَام، وَطِيَافةِ مَنْ طَافَ حَوْلَهَا مِنَ الأَنَام، وَاعْتِقَادِ شَفَاعَتِهَا عِنْدَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام؛ لَمَّا كَانَ مِمَّا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَلَمْ يَشْرَعْهُ. إلخ، وَهْوَ كَلَامٌ مُفِيْدٌ فَلْيُرَاجَع.
🔰4/حديث وفاة فاطمة بنت أسد عليها السلام
✳️ هَذَا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الكَبِيْرِ) وَ (الأَوْسَطِ) ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحُوهُ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: (لَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ دَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَجَلَس عِنْدَ رَأْسِهَا فَقَالَ: رَحِمَكِ اللَّهُ يَا أُمِّي بَعْدَ أُمِّي ... )، -وَذَكَرَ ثَناءَهُ عَلَيْهَا، وَتَكْفِيْنَهَا بِبُرْدِهِ-. قَالَ: (ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أُسَامَةَ وَأَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَغُلَامًا أَسْوَدَ يَحْفرونَ، فَحَفَرُوا قَبْرَهَا فَلَمَّابَلَغُوا اللَّحْدَ حَفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِيَدِهِ، فَلَّمَا فَرَغَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَاضْطَجَعَ فِيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيْتُ وَهْوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، اغْفِرْ لأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَد، وَلَقِّنْهَا حُجَّتَهَا، وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالأَنْبِيَاءِ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِي).
🔰[تخريج حديث توسل آدم عليه السلام برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم]
وَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الصَّغِيْرِ) ، وَالْحَاكِمُ ، وَأَبُو نُعَيْم ، وَالبَيْهَقِيُّ مِنْ تَوَسُّلِ آدَمَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ، وَقَدْ مَرَّ.🔰[5/حديث وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلينَ عَلَيْكَ، وكلام مفيد للشيخ ابن تيمية]
وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي (الجزءِ الأَوَّلِ) مِنْ (فَتَاوَاهُ) (ص/209) (الطبعة الأُوْلَى) مَا لَفْظُهُ: (وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيْثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَابْنُ مَاجَهعَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ عَلَّمَ الْخَارِجَ إِلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ: وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِيْنَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا؛ فِإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلا سُمْعَةً)، إِلَى قَوْلِ الشَّيْخِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ مَا لَفْظُهُ:
وَهْوَ السُّؤَالُ بالْمُعَظَّمِ كَالسُّؤالِ بِحَقِّ الأَنْبِيَاءِ. إِلَى قَوْلِهِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: قَوْلُ السَّائِلِ لِلَّهِ تَعَالَى: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ وَغَيْرِهِمْ، أَوْ بِجَاهِ فُلَانٍ، أَوْ بِحُرْمَةِ فُلَانٍ: يَقْتَضِي أَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ جَاهٌ، وَهَذَا صَحِيْحٌ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلةٌ وَجَاهٌ وَحُرْمَة، إلخ كَلَامِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ غَرَضُ الْمُجِيْزِيْنَ لِلْتَّوَسُّلِ بِالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ.
فَأَصْحَابُ الشَّيْخِ الْمُدَّعُونَ لِمُتَابَعَتِهِ، الْمَانِعُونَ لِذَلِكَ، وَالْمُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ أَجَازَهُ أَشَدَّ الإِنْكَارِ، بَلْ قَدْ يَبْلُغُ بِهِم الْحَالُ إِلَى أَنْ يَقُولُوا: هُوَ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ، مُخَالِفُونَ لِمَا وَرَدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم ، وَمُخَالِفُونَ لِكَلَامِ الشَّيْخِ هَذَا، وَيَلْزَمُهُم تَكْفِيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ يَتَلَوَّنُ فِي كَلَامِهِ، فَالْعُمْدَةُ
الدَّلِيْل، وَاللَّهُ الهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيْل .
وَعَلَى الْجُمْلَةِ: التَّوَسُّلُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِيْنَ مَشْرُوعٌ غَيْرُ مَمْنُوعٍ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ إِلَّا مُؤَلِّفُ هَذِهِ وَأَضْرَابُهُ، الَّذِيْنَ حَذَا حَذْوَهُم صَاحِبُ الرِّسَالَةِ؛ فَإِنَّ غَالِبَهَا مَنْقُولٌ مِنْ رِسَالَتِهِمْ بِاللَّفْظِ.
🔰تصريح الشوكاني والجَزَرِي بجواز التوسل
✳️ قَالَ القَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي (تُحْفَةِ الذَّاكِرِيْن شَرْحِ عِدَّةِ الْحِصْنِ الْحَصِين) (صفحة/36) ، بَعْدَ أَنْ رَوَى خَبَرَ الأَعْمَى وَذَكَرَ مَنْ صَحَّحَهُ:فَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيْثَ هَؤَلَاءِ الأَئِمَّةُ، ... ، وَفِي الْحَدِيْثِ: دَلِيْلٌ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الفَاعِلَ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنَّهُ الْمُعْطِي الْمَانِعُ، إِلخ كَلَامِهِ.
وَقَدْ سَبَقَ قَوْلُ مُؤَلِّفِ (عِدَّةِ الْحِصْنِ الْحَصِيْن) الْجَزَرِيِّ فِي (صفحة-37):
«وَيُتَوَسَّلُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِأَنْبِيَائِهِ وَالصَّالِحِيْنَ.
فَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ : أَقُولُ: وَمِنَ التَّوَسُّلِ بِالأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ سَاقَ خَبْرَ الأَعْمَى، ثُمَّ قَالَ:
وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِالصَّالِحِيْنَ فِمِنْهُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيْحِ أَنَّ الصَّحَابَةَ اسْتَسْقَوا بِالعَبَّاسِ ¥ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ، وَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا»، إلخ .
🔰بحث في تجصيص القبور، والبناء عليها، وزخرفتها، وتسريج السرج عليها، والصلاة فيها
هَذَا وَأَمَّا تَجْصِيْصُ القُبُورِ، وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا، وَزَخْرَفَتُهَا، وَتَسْرِيْجُ الْسُّرُجِ عَلَيْهَا، وَالصَّلَاةُ فِيْهَا، فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ نَظَرِيَّةٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَلَّلَ بِهَا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُفَسَّقَ أَوْ يُكَفَّرَ، فَغَايَةُ الأَمْرِ أَنَّ فِي ذَلِكَ نَهْيًا، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّهْيَ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيْمِ وَلَيْسَ نَصًّا، وَإِذَا عَارَضَهُ مَا يَقْتَضِي صَرْفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ فَلَا حَجْرَ وَلَا مَنْعَ، وَالوَاجِبُ: إِعْمَالُ الأَدِلَّةِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا مَا أَمْكَنَ.فَالْعَجَبُ مِنْ جَعْلِ ذَلِكَ طَرِيْقَةً إِلَى التَّفْسِيْقِ وَالتَّكْفِيْرِ، وَتَضْلِيْلِ الْمُسْلِمِيْنَ بِمَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيْهِ الظَّنُّ، فَضْلًا عَنِ القَطْعِ.
وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ بَيْنَ ظَهْرَانَي أَئِمَّةِ الآلِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ مِنْ دُونِ نَكِيْرٍ مِنْ أَحَدٍ، وَكَذَا سَائِر الْمُسْلِمِيْنَ.
🔰بحث في بناء المشاهد والقباب
✳️ وَأَمَّا بِنَاءُ الْمَشَاهِدِ وَالْقِبَابِ فَقَدْ قُبِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فِي بَيْتِهِ بِأَمْرِهِ، وَهْوَ مَبْنِيٌّ مُسَقَّفٌ، وَقَرَّرَ ذَلِكَ الوَصِيُّ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ، وَعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِيْنَ ¤.وَلَازَالَ أَئِمَّةُ الآلِ فِي تَجْدِيْدِ مَا انْدَرَسَ مِنْ قُبُورِ أَهَالِيْهِمْ وَمَشَاهِدِهِمْ.
وَمَنِ اطَّلَعَ عَلَى سِيَرِهِم عَلِمَ ذَلِكَ.
وَلَيْسَ بِمُجَرَّدِ البِنَاءِ يَصِيْرُ الْمَبْنِيُّ مَسْجِدًا؛ إِذًا لَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ البُيُوتُ وَالْحَمَّامَاتُ وَغَيْرُهَا مَسَاجِدَ، وَلَا قَائِلَ بِهِ.
فَعَلَى فَرْضِ أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ وَأَنْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فَوْقَهَا لاتِّخَاذِهَا هِيَ مَسَاجِد، فَغَايَتُهُ: تَحْرِيْمُ أَنْ يُبْنَى لِذَلِكَ الغَرَض، وَتَحْرِيْمُ جَعْلِهَا مَسَاجِدَ، وَلَا يُفِيْدُ تَحْرِيْمَ مُجَرَّدِ البِنَاءِ؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ بِنَاءٍ مَسْجِدًا قَطْعًا، فَلَا تُسَمَّى القِبَابُ وَالْمَشَاهِدُ مَسَاجِدَ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا، وَلَا بُنِيَتْ لِتَكُونَ مَسَاجِدَ أَصْلًا.
فَمَا هَذَا التَّكْثِيْرُ وَالتَّهْوِيْلُ بِغَيْرِ دَلِيْلٍ، وَهَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهْوَ شَهِيْدٌ.
فَأَمَّا البِنَاءُ حَوْلَهَا فَلَيْسَ مَسْجِدًا مَالَمْ يُقْصَدْ تَسْبِيْلُهُ لِلصَّلَاةِ.
🔰[الكلام على قوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا]
وَأَيْضًا فَقَدْ وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا 21 [الكهف]، وَلَمْ يُنْكِر القُرْآنُ عَلَيْهِمْ.وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِي شَرِيْعَتِنَا مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم : لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ؛ لأَنَّ النَّسْخَ لِمَا قَدْ شُرِعَ لَا يَكُونُ بِاللَّعْنِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَرِدُ النَّسْخُ بِانْتِهَاءِ بَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ الفِعْلِ.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَعَنَهُم اللَّهُ لاتِّخَاذِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَوْ نَحْوَهُ قِبْلَةً، كَمَا ذَلِكَ مَعْلُومٌ.
فَلَا بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنَ اللَّعْنِ لِلْمُتَّخِذِيْنَ الْمَسَاجِدَ عَلَى القُبُورِ.
وَالْجَمْعُ فِي ذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِمَا وَرَدَ فِي القُرْآنِ اتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ حَوَالَيْهِمْ وَمُحِيْطًا بِهِمْ، لَا عَلَى القُبُورِ أَنْفُسِهَا. وَالْمُرَادُ بِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ: بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا أَنْفُسِهَا .
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِيْنَ غَلَبُوا: غَيْرُ الْمُسْلِمِيْنَ؛ لأَنَّهُ لَا يَبْنِي الْمَسَاجِدَ إِلَّا الْمُسْلِمُونَ .
وَهَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ عَقَلَ وَتَدَبَّرَ مَعَانِيَ القُرْآنِ وَالْسُّنَّةِ، وَعَرَفَ الْحُجَّةَ فِي عَمَلِ
الْمُسْلِمِيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَبْلَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْمُبْتَدِعَةِ، الْمُعَادِيَةِ لأَحْيَاءِ الْمُسْلِمِيْنَ وَأَمْوَاتِهِمْ.
🔰الكلام مع صاحب الرسالة مفصلاً
✳️ وَنتَكَلَّمُ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ مُفَصَّلاً بِإِعَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى:🔰بعض الأنواع الْمُحَرَّمِ فعلُها عند القبور، وتمويه صاحب الرسالة في ذلك، والجواب عليه
قَالَ: (فَرَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ كَنِيْسَةً بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، إِلَى أَنْ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِم العَبْدُ الصَّالِحُ، أَو: الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَر، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ).✅الجوابُ: لَيْسَ فِيْهِ شَيءٌ مِمَّا ادَّعَاهُ السَّائِلُ، وَالْحَدِيْثُ مُصَرِّحٌ بِعِلَّةِ إِنْكَارِ فِعْلِهِمْ مِن اتِّخَاذِ قَبْرِهِ مَسْجِدًا مَعَ تَصْوِيْرِ الْصُّوَرِ فِيْهِ، فَنَقُولُ بِمُوْجَبِهِ ؛ فَإِنَّ أَهْلَ البَيْتِ عليهم السلام وَشِيْعَتَهُمْ وَمَنْ بَيْنَهُمْ لَا يَتَّخِذُونَ شَيْئًا مِنَ القُبُورِ مَسَاجِدَ، وَلَا يَرْضَونَ بِالتَّصْوِيْرِ.
قَالَ: «وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ في قولِهِ
تَعَالَى: أَفَرَءَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى 19 [النجم]، قَالَ: كَانَ يَلُتُّ لَهُمُ السَّوِيْقَ فَمَاتَ فَعَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ.
وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ يَلُتُّ السَّوِيْقَ للحَاجِّ».
✅الجوابُ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ مِنْ إِيْرَادِ هَذَا، وَمَنِ الَّذِي لاَ يُنْكِرُ عِبَادَةَ الأَوْثَانِ وَالقُبُورِ، وَالْعُكُوفَ عَلَيْهَا لِعِبَادَتِهَا؟.
وَأَيْنَ هَذَا مِمَّا يَرُومُ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ إِنْكَارَهُ؟!.
قَالَ: فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ سَبَبَ عِبَادَةِ بَعْضِ الآلِهَةِ إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ تَعْظِيْمِ قُبُورِهِم، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ هِيَ الَّتِي لأَجْلِهَا نَهَى الشَّارِعُ عَنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ، هِيَ الَّتِي أَوْقَعَت كَثِيْرًا مِنَ الأُمَمِ إِمَّا فِي الإِشْرَاكِ الأَكْبَرِ، أَوْ فِيْمَا دُونَهُ مِنَ الشِّرْكِ، فَإِنَّ الشِّرْكَ بِقَبْرِ الرَّجُلِ الَّذِي يُعْتَقَدُ صَلَاحُهُ ... إلخ.
✅الجوابُ: هَذَا الاِسْتِنْبَاطُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلْ هُوَ اتِّخَاذُهَا آلِهَةً، كَمَا تَقَدَّمَ التَّصْرِيْحُ بِهِ فِي كَلاَمِ مُجَاهِدٍ، وَهْوَ الَّذِي سِيْقَتِ الآيَةُ لأَجْلِهِ.
فَجَمِيْعُ مَا رَتَّبَهُ السَّائِلُ تَخْرِيْجَاتٌ لَيْسَ عَلَيْهَا دَلاَلَةٌ وَلاَ أَمَارَةٌ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ إِبْطَالُ جَمِيْعِ مَا شَنَّعَ بِهِ السَّائِلُ.
قَالَ: فَإِنَّ الْمُسْلِمِيْنَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى مَا عَلِمُوه بِالاضْطِرَارِ مِنْ دِيْنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّ الصَّلاَةَ عِنْدَ القُبُورِ مَنْهِيٌ عَنْهَا، وَأَنَّهُ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَهَا مَسَاجِدَ.
✅الجوابُ: مَا نَقَلْتَهُ مِنْ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِيْنَ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيْقٍ، وَلاَ تَنْبَغِي الْمُجَازَفَةُ بِدَعْوَى الإِجْمَاعِ.
وَالْخِلَافُ فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا مَشْهُورٌ مَزْبُورٌ، وَقَدْ تُكُلِّمَ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ مِنَ الفِقْهِ .
وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ فِي شَيءٍ، فَكَيْفَ تَقْطَعُ بِأَنَّ هَذَا مِنَ الْمُحَادَّةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَالْمُخَالَفَةِ لِدِيْنِهِ، وَابْتِدَاعِ دِيْنٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.
قَالَ: «وَمِنْ أَعْظَمِ الْمُحْدَثَاتِ وَأَسْبَابِ الشِّرْكِ: الصَّلَاةُ عِنْدَهَا، وَاتِّخَاذُهَا مَسَاجِدَ، وَبِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا.
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ النُّصُوصُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَالتَّغْلِيْظِ فِيْهِ».
✅الجوابُ: أَنَّ جَعْلَ ذَلِكَ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ وَأَسْبَابِ الشِّرْكِ يَحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانٍ قَاطِعٍ.
وَدَعْوَى التَّوَاتُرِ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى بَيَانٍ.
قال: فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهْوَ يَقُولُ فِي حَدِيْثٍ- فَسَاقَهُ إِلَى أَنْ قَالَ-: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيْهِم مَسَاجِدَ، أَلَا فَلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ حَكَى بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
✅الجواب: أَوَّلًا: إِنْ سُلِّمَ صِحَتُّهَا فَهْيَ مُصَرِّحَةٌ بِالنَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ أَنْفُسِهَا
مَسَاجِدَ، وَنَقُولُ بِمُوْجَبِهِ، وَلَكِنْ أَيْنَ ذَلِكَ مِمَّا يَرُومُهُ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ؟!.
مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اللَّعْنُ وَالذَّمُّ لاتِّخَاذِهَا مَعْبُودَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم : اللهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ.
وَفِي هَذَا: تَنْبِيْهٌ عَلَى أَنَّ سَبَبَ اللَّعْنِ بِذَلِكَ جَعْلُهُمْ لَهَا أَوْثَانًا تُعْبَدُ، كَمَا قَدْ رَوَى ذَلِكَ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ.
وَهْوَ يَنْقُضُ جَعْلَكَ لَهَا ذَرِيْعَةً فِي كَلاَمِك، فَهْوَ حُجَّةٌ عَلَيْكَ لَا لَكَ.
وَقَدْ أَفَادَ الْمَقْصُودَ بِالنَّهْيِ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ الأَعْظَمُ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ @ بِسَنَدِ آبَائِهِ عليهم السلام عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، قَالَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيْثٍ: وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِيْنَ كَانُوا يَأْتُونَهَا فَيَعْكِفُونَ عِنْدَهَا، وَيَنْحَرُونَ عِنْدَهَا، وَيَقُولُونَ هُجْرًا مِنَ القَوْلِ، فَلَا تَفْعَلُوا كَفِعْلِهِمْ، وَلَا بَأْسَ بِإِتْيَانِهَا؛ فَإِنَّ فِي إِتْيَانِهَا عِظَةً مَا لَمْ تَقُولُوا هُجْرًا، فَصَرَّحَ بِأَنَّ النَّهْيَ لِلْعُكُوفِ وَالنَّحْرِ وَالْهُجْرِ.
وَالْعُكُوفُ عَلَيْهَا: هُوَ العِبَادَةُ كَمَا أَشَرْتَ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيْرِ مُجَاهِدٍ الَّذِي رَوَيْتَهُ.
🔰مشروعية زيارة النساء للقبور
✳️ قَالَ: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم زَائِرَاتِ القُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِيْنَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُج.وَ ✅الْجَوَابُ: أَمَّا زِيَارَةُ النِّسَاءِ لِلْقُبُورِ فَقَدْ كَفَانَا الْمَؤُونَةَ بِمَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ جِبْرِيْلَ عليه السلام أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ، إِلَى أَنْ قَالَ -فِي تَعْلِيْمِ عَائِشَةَ لِلْزِّيَارَةِ-: قُوْلِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ ... إلخ، وَهَذَا يُعَارِضُ مَا رَوَيْتَهُ مِنْ لَعْنِ الزَّائِرَاتِ، فَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِهِمَا؟ .
وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا مَسَاجِدَ فَقَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ.
🔰التسريج عند القبور
✳️ وَأَمَّا اتِّخَاذُ السُّرُجِ عَلَيْهَا، فَغَايَتُهُ: تَحْرِيْمُ جَعْلِ السُّرُجِ عَلَى القُبُورِ، وَالْحَقِيْقَةُ: تُفِيْدُ وَضْعَهَا مُبَاشَرَةً عَلَيْهَا، لَا تَحْرِيْمَ التَّسْرِيْجِ حَوْلَهَا وَبَعِيْدًا عَنْهَا، وَإِلَّا لَزِمَ كَوْنُ سَدَنَةِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَالآمِرِيْنَ لَهُمْ، وَالرَّاضِيْنَ بِفِعْلِهِمْ -لِمُشَارَكَتِهِمْ لَهُمْ- دَاخِلِيْنَ فِي اللَّعْنِ مُنْذُ اتُّخِذَتْ فِيْهِ السُّرُجُ إِلَى اليَوْمِ وَمَا بَعْدَهُ.وَلَا مَخْرَجَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ لأَنَّ التَّسْرِيْجَ عِنْدَ القَبْرِ النَّبَوِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مُشَرِّفِهِ وَآلِهِ وَحَوْلَهُ مَعْلُومٌ بِالْعَيَانِ عَلَى مُرُورِ الزَّمَان.
فَقَدْ عَمِلَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ التَّسْرِيْجَ عِنْدَهَا؛ لِلْزِّيَارَةِ وَالتِّلَاوَةِ.
فَإِنَّ صَحَّ الْحَدِيْثُ فَيُحْمَلُ عَلَى وَضْعِ السُّرُجِ عَلَيْهَا، أَوْ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لاِقْتِرَانِهِ بِعِبَادَتِهَا وَقَوْلِ الْهُجْرِ عِنْدَهَا، لَا لِمُطْلَقِ التَّسْرِيْجِ.
ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْحَدِيْثَ آحَادِيٌّ لَا يُفِيْدُ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْمُحَادَّةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم .
🔰الصلاة عند القبور
✳️ قَالَ: وفي البُخَارِيِّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخطَّابِ رَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: القَبْرَ القَبْرَ.✅الْجَوَابُ: أَنَّ فِعْلَ أَنَسٍ يَنْقُضُ مَا ادَّعَيْتَهُ مِنَ الإِجْمَاعِ عَلَى النَّهِي، وَقَوْلُ عُمَرَ لَا حُجَّةَ فِيْهِ وَلَا دَلَالَة .
قَالَ: (وَقَالَ أَبُو سَعِيْدٍ الْخُدْرِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ).
✅الْجَوَابُ: هَذَا يَنْقُضُ عَلَيْكَ مَا خَرَّجْتَهُ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْمَقَابِرِ لِلإِشْرَاكِ؛ إِذْ قَدْ قَرَنَهَا بِالْحَمَّامِ، وَلَا يُتَوَهَّمُ فِيْهِ ذَلِكَ.
وَهْوَ يُفِيْدُ أَنَّ الْمُرَادَ -بِاتِّخَاذِهَا مَسْجِدًا- الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، وَفِيْهِ نَقْضٌ لِمَا أَبْرَمْتَ.
🔰[حديث لا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ وَلا تُصَلُّوا إِليْهَا]
قَالَ: (وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى القَبْرِ، فَلَا يَكُونُ القَبْرُ بَيْنَالْمُصَلِّي وَالْقِبْلَةِ، فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِليْهَا).
✅الْجَوَابُ: أَنَّ مَفَادَ الْحَدِيْثِ -وَهْوَ قولُهُ: لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ - خِلَافُ مُدَّعَاكَ مِنْ أَنَّهَا لَا تُحْتَرَمُ وَلَا تُعَظَّمُ، كَمَا سَيَأْتِي لَكَ تَشْبِيْهُهَا بِمَسْجِدِ الضِّرَارِ، وَقَوْلُكَ: وَيَجِبُ هَدْمُهَا وَطَمْسُهَا.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: وَفِي هَذَا إِبْطَالُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيْهَا لأَجْلِ النَّجَاسَةِ.
✅الْجَوَابُ: أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لأَجْلِ النَّجَاسَةِ، فَلِمَ لَا يَكُونُ لِجَعْلِهَا قِبْلَةً كَالْوَثَنِ، وَهْوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ.
هَذَا وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ هُنَا وَفِيْمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ تَعْلِيْلَ النَّهْيِ بِالْنَّجَاسَةِ لَيْسَ إِلَّا لأَجْلِ الْمُبَاشَرَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَوْ جُعِلَ ذَلِكَ العِلَّة لَكَانَ لِأَجْلِ القُرْبِ مِنْهَا تَنْزِيْهًا وَبُعْدًا، وَلَوْ لَمْ يُبَاشِرْهَا.
فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ! كَيْفَ يتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لِمَنْ عَلَّلَ بِالنَّجَاسَةِ أَنَّهُ لَا مُبَاشَرَةَ فِي ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الْحَوَائِلَ الْكَثِيْفَةَ مَانِعَةٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ: وَمِنْهَا أَنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم لَعَنَ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى عَلَى اتِّخَاذِ قُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ هَذَا لَيْسَ لأَجْلِ النَّجَاسَةِ.
✅الْجَوَابُ: نَقُولُ بِمُوْجَبِ مَا ذَكَرْتَ؛ لأَنّ العِلَّةَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهَا سَابِقًا مِنْ جَعْلِهَا وَثَنًا تُعْبَدُ.
وَأَيْضًا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا عَلَّلَ بِالنَّجَاسَةِ فِي قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَنْقُضَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ التَّعْلِيْلِ بِالنَّجَاسَةِ ثُبُوتُ مَا ادَّعَيْتَ، لَمْ لَا يَكُونُ
لأَجْلِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَإِلْيَهَا، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الأَحَادِيْثِ، أَوْ يَكُونُ حُكْمًا تَعَبُّدِيًّا لَا عِلَّةَ لَهُ ظَاهِرَة؟.
قَالَ: وَمِنْهَا: أَنَّ مَوضِعَ مَسْجِدِهِ كَانَ مَقَابِرَ لِلْمُشْرِكِيْنَ، فَنَبَشَ قُبُورَهُم وَسَوَّاهَا، وَاتَّخَذَهُ مَسْجِدًا، وَلَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ التُّرَابَ.
✅الجواب: هَذَا لَا يُفِيْدُ مَطْلُوبَكَ مِنْ مَنْعِ التَّعْلِيْلِ بِالنَّجَاسَةِ؛ إِذ النَّبْشُ يُفِيْدُ إِزَالَةَ مَا فِيْهَا.
وَقَوْلُكَ: لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ التُّرَابَ، لَا دَلِيْلَ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ زَوَالُ النَّجَاسَةِ للإِسْتِحَالَةِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ حِكَايَةُ تَرْكٍ.
🔰الكلام على قاعدة سدِّ الذرائع
✳️ قَالَ: وَمِنْهَا: أَنَّ فِتْنَةَ الشِّرْكِ بِالصَّلَاةِ فِي القُبُورِ وَمُشَابَهَة عُبَّادِ الأَوْثَانِ أَعْظَمُ بِكَثِيْرٍ مِنْ مَفْسَدَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ وَالفَجْرِ، فَإِذَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ سَدًّا لِذَرِيْعَةِ التَّشَبُّهِ الَّتِي لَا تَكَادُ تَخْطَرُ بِبَالِ الْمُصَلِّي فَكَيْفَ بِهَذِهِ الذَّرِيْعَةِ القَرِيْبَةِ الَّتِي كَثِيْرًا مَا يَدْعُو صَاحِبَهَا إِلَى الشِّرْكِ، وَدُعَاءِ الْمَوْتَى وَاسْتِغَاثَتِهِمْ، وَطَلَبِ الْحَوَائِجِ، وَاعْتِقَادِ أَنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ قُبُورِهِمْ وَالدُّعَاءَ وَالتِّلَاوَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَسَاجِدِ مِمَّا هُوَ مُحَادَّةٌ ظَاهِرَةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.✅الْجَوَابُ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ مِنْ هَذَا الإِيْرَادِ الَّذِي تَمُجُّهُ الأَسْمَاع، وَتَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاع، وَيُقَالُ:
مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ، وَالفَجْرِ ذَرِيْعَةً إِلَى الشِّرْكِ حَتَّى يُقَاسَ هَذَا عَلَيْهِ؟.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: فَكَيْفَ بِهَذِهِ الذَّرِيْعَةِ القَرِيْبَةِ ... إلخ.
فَيُقَالُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ وُقُوعُ ذَلِكَ الَّذِي ادَّعَيْتَ كَثْرَتَهُ؟ وَمِمَّنْ وَقَعَ؟.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ: فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ التَّعْلِيْلُ بِكَوْنِهِ ذَرِيْعَةً كَمَا سَبَقَ تَحْقِيْقُ ذَلِكَ.
وَلَوْ سُلِّمَ كَوْنُهُ ذَرِيْعَةً لِمَنْ لَا يَعْقِلُ فَلَيْسَ كُلُّ ذَرِيْعَةٍ يَجِبُ سَدُّهَا بِتَرْكِهَا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا [المائدة]، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنَ النِّدَاءِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
🔰الكلام على دعاء الموتى
✳️ وَأَمَّا قَوْلُهُ: دُعَاءِ الْمَوْتَى وَاسْتِغَاثَتِهِم، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِذَوَاتِهِم وَطَلَبِ النَّفْعِ مِنْهُمْ فَلَا شَكَّ فِي قُبْحِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاقِعٍ مِمَّن رَمَيْتَهُم بِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ أُنْكِرَ عَلَى فَاعِلِهِ.وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِلْتَّوَسُّلِ بِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا بَأْسَ بِهِ، كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الأَخْبَارُ وَالآثَار.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ اعْتِقَادَ أَنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ قُبُورِهِمْ وَالدَّعَاءَ وَالتِّلَاوَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَسَاجِدِ مِمَّا هُوَ مُحَادَّةٌ ظَاهِرَةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
✅فَالْجَوَابُ: أَمَّا الصَّلَاةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا الدُّعَاءُ وَالتِّلَاوَةُ، فَإِنْ كَانَ لِلْزِّيَارَةِ فَهْوَ مَشْرُوعٌ غَيْرُ مَمْنُوعٍ، بَلْ فِي الأَخْبَارِ وَالآثَارِ فِي الزِّيَارَةِ وَالدُّعَاءِ مَا يُفِيْدُ أَفْضَلِيَّةَ ذَلِكَ عَلَى فِعْلِهِ فِي الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا كَمَا سَبَقَ الْكَلَامُ فِيْهِ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِكَ.
وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ الزِّيَارَةِ فَلَا دَلِيْلَ عَلَى الْمَنْعِ، بَلْ وَرَدَ فِي البِقَاعِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ .
فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ جَعْلِكَ مُعْتِقَدَ ذَلِكَ مُحَادًّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
فَهَذَا هُوَ الْخَبْطُ وَالْمُجَازَفَةُ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِالِلَّهِ.
قَالَ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَصَدَ مَنْعَ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالفِتْنَةِ بِالقُبُورِ، كَمَا افْتَتَنَ بِهَا قَومُ نُوحٍ وَمَنْ بَعْدَهُم، مِنْ أَنَّهُ لَعَنَ الْمُتَّخِذِيْنَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِد.
✅فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّكَ تَخْبِطُ خَبْطَ عَشْوَاءَ ، بَيْنَمَا أَنْتَ تَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مَنْعِ الْمَشَاهِدِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَهَا؛ لِكَوْنِهَا وُصْلَةً؛ إِذْ نَقَضْتَ ذَلِكَ بِنَصِّكَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَصَدَ مَنْعَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ بِالْقُبُورِ، كَمَا افْتَتَنَ بِهَا قَومُ نُوحٍ، وَأَيُّ شَيءٍ وَقَعَ مِنْ قَومِ نُوحٍ غَيْر عِبَادَتِهَا، وَجَعْلِهَا أَوْثَانًا؟!.
قَالَ: وَمِنْهَا أَنَّهُ قَرَنَ فِي اللَّعْنِ بَيْنَ مُتَّخِذِ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا، وَمُوقِدِي السُّرُجِ عَلَيْهَا، إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِيْقَادَ السُّرُجِ عَلَيْهَا إِنَّمَا لُعِنَ فَاعِلُهُ لِكَوْنِهِ وَسِيْلَةً إِلَى تَعْظِيْمِهَا، فَكَذَا اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا، وَلِهَذا قَرَنَ بَيْنَهُمَا.
✅الْجَوَابُ: مِنْ أَيْنَ عُلِمَ ذَلِكَ؟ بَلْ لَا يُظَنُّ ذَلِكَ، وَبِأَيِّ طُرُقِ العِلْمِ اسْتَفَدْتَهُ؟ فَلَيْسَ لَكَ إِلَّا مَحْضُ الدَّعْوَى، لِمَ لَا تَكُونُ العِلَّةُ مَا اقْتَرَنَتْ بِهِ مِن اتِّخَاذِهَا مَسَاجِدَ أَيْ أَوْثَانًا.
وَقَدْ سَبَقَ الاِسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي قَرِيْبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: وَمِنْهَا: أَنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِد، فَذِكْرُ ذَلِكَ عَقِيْبَ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ تَنْبِيْهٌ مِنْهُ عَلَى سَبَبِ لُحُوقِ اللَّعْنِ، وَهْوَ تَوَصُّلُهُمْ بِذَلِكَ إِلَى أَنْ تَصِيْرَ أَوْثَانًا تُعْبَدُ».
✅الْجَوَابُ: أَنَّ الْحَدِيْثَ مُصَرِّحٌ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ اللَّعْنَ وَالْغَضَبَ لاتِّخَاذِهَا أَوْثَانًا تُعْبَدُ، وَلَيْسَ فِيْهِ تَنْبِيْهٌ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ التَّوَصُّلِ وَالإِشَارَةِ.
قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالشِّرْكِ وَأَسْبَابِهِ وَذَرَائِعِهِ، وَفَهِمَ عَنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم مَقَاصِدَهُ جَزَمَ جَزْمًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيْضَ أَنَّ هَذِهِ الْمُبَالَغَةَ مِنْهُ بِاللَّعْنِ وَالنَّهْي بِصِيْغَةِ: «لَا تَفْعَلُوا، وَصِيْغَةِ: إِنِّي أَنْهَاكُمْ ... ، لَيْسَ لأَجْلِ النَّجَاسَةِ، بَلْ هُوَ لأَجْلِ نَجَاسَةِ الشِّرْكِ اللَّاحِقَةِ بِمَنْ عَصَاه، وَارْتَكَبَ مَا عَنْهُ نَهَاه، وَلَمْ يَخْشَ رَبَّهُ وَمَوْلَاه».
✅الْجَوَابُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ الْجَزْمُ بِذَلِكَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيْلٌ وَلَا أَمَارَةٌ.
وَأَيْضًا لَا مَانِعَ أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ غَيْرَ مَا ذَكَرْتَ، فَمَا دَلِيْلُ الْحَصْرِ فِيْمَا ادَّعَيْتَهُ؟.
عَلَى أَنَّهُ قَدْ قَامَ الدَّلِيْلُ بِخِلَافِ مَا ذَكَرْتَ مِنْ جَعْلِهَا وُصْلَةً، وَهْوَ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ النَّصُّ مِنْ نَفْسِ اتِّخَاذِهَا أَوْثَانًا تُعْبَدُ، فَبَطَلَتْ دَعْوَاكَ الْحَصْر.
وَقَدْ رَجَعْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الْحَقِّ -عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ- فِي قَوْلِكَ: بَلْ هُوَ لِنَجَاسَةِ الشِّرْكِ اللَّاحِقَةِ بِمَنْ عَصَاه، وَارْتَكَبَ مَا عَنْهُ نَهَاه، وَلَمْ يَخْشَ رَبَّهُ وَمَوْلَاه.
🔰[ادّعاء صاحب الرسالة أن هذا وأمثاله صيانة لحمى التوحيد، والجواب عليه]
قَالَ: فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم صِيَانَةٌ لِحِمَى التَّوْحِيْدِ أَنْ يَلْحَقَهُ الشِّرْكُ وَيَغْشَاه، وَتَجِرْيِدٌ لَهُ وَغَضَبٌ لِرَبِّهِ أَنْ يُعْدَلَ بِهِ سِوَاه.✅الْجَوَابُ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تُرِيْدَ بِمَا أَشَرْتَ إِلَيْهِ بِقَوْلِكَ: فَهَذَا ... إِلخ، مَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ مِنِ اتِّخَاذِهَا أَوْثَانًا وَنَحْوَهُ كَمَا أَشَرْتَ إِلَيْهِ بِقَوْلِكَ: بَلْ هُوَ لِنَجَاسَةِ الشِّرْكِ ... إلخ، فَهْوَ مَعْلُومٌ مُسَلَّمٌ وَلَا نِزَاعَ فِيْهِ.
وَإِمَّا أَنْ تُرِيْدَ بِهَا مَنْعَ الزِّيَارَةِ وَالدُّعَاءِ وَالتِّلاَوَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا نَدَبَ إِلَيْهِ
الشَّرْعُ، وَرَأَىهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهْوَ مَمْنُوعٌ.
فَكَيْفَ تَنْصِبُ مَا تَخَيَّلَهُ وَهْمُكَ، وَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ فَهْمُكَ فِي مُصَادَمَةِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ الشَّرِيْف، وَاسْتَحْسَنَهُ أَئِمَّةُ الدِّيْنِ الْحَنِيْف؟!.
🔰[ادِّعاء صاحب الرسالة أنَّ بسبب تعظيم قبور الصالحين دَخَلَ عَلَى عُبَّاد الأصنام، والجواب عليه]
قَالَ: فَأَبُوا وَقَالُوا: بَلْ هَذَا تَعْظِيْمٌ لِقُبُورِ الصَّالِحِيْنَ، وَلعَمْرُ اللَّهِ مِنْ هَذَا بِعَيْنِهِ دَخَلَ عَلَى عُبَّادِ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْر ، وَمِنْهُ دَخَلَ عَلَى عُبَّادِ الأَصْنَامِ مُنْذُ كَانُوا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ.✅الْجَوَابُ: مَا تَقْصِدُ بِقَوْلِكَ: مِنْ هَذَا؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيْدُ اتِّخَاذَهَا أَوْثَانًا، وَاعْتِقَادَ تَأْثِيْرِهَا النَّفْعَ وَالضُّرَّ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فَعَلَهُ الْمُشْرِكُونَ فَلَا رَيْبَ فِي تَحْرِيْمِ ذَلِكَ.
وَكَيْفَ تَتَجَاسَرُ عَلَى نِسْبَةِ فِعْلِ ذَلِكَ بَيْنَ ظَهْرَانَي آلِ مُحَمَّدٍ قُرَنَاءِ الْكِتَاب، وَأُمَناءِ رَبِّ الأَرْبَاب، وَأَمَانِ أَهْلِ الأَرْضِ مِنَ العَذَاب؟.
أَمْ كَيْفَ يُقِرُّونَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَهُمُ الْحَامُونَ لِحِمَى الدِّيْنِ الْحَنِيْف، الذَّابُّونَ عَنْهُ كُلَّ زَيْغٍ وَتَحْرِيْف، البَاذِلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي إِحْيَاءِ مَعَالِمِ الشَّرْعِ الشَّرِيْف؟!.
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيْمٌ.
وَإِنْ كُنْتَ تُرِيْدُ تَعْظِيْمَهَا بِمَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّارِعُ مِنَ الزِّيَارَةِ، وَالتِّلَاوَةِ، وَالدُّعَاءِ فَقَدْ رَكِبْتَ مَتْنَ عَمْيَاء، وَخَبَطْتَ خَبْطَ عَشْوَاء، وَأَخْطَأتَ السَّبِيْل، وَارْتَكَبْتَ الرَّدَّ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لِمَا اقْتَضَاهُ الدَّلِيْل.
🔰عودة إلى الكلام على سَدِّ الذرائع
✳️ قَالَ: وَكُلُّ مَنْ شَمَّ أَدْنَى رَائِحَةٍ مِنَ العِلْمِ وَالفِقْهِ يَعْلَمُ أَنَّ مِنْ أَهَمِّ الأُمُورِ سَدَّ الذَّرِيْعَةِ إِلَى هَذَا الْمَحْذُورِ.✅الْجَوَابُ: يُقَالُ: مَا هَذَا الْمَحْذُورُ الَّذِي أَرَدْتَ سَدَّ ذَرِيْعَتِهِ؟ إِنْ أَرَدْتَ الشِّرْكَ فَلَيْسَ فِي شَيءٍ مِمَّا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مِنَ الزِّيَارَةِ وَالدُّعَاءِ وَالتِّلَاوَةِ ذَرِيْعَةٌ إِلَى ذَلِكَ أَصْلًا.
وَإِنْ أَرَدْتَ بِالْمَحْذُورِ مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ، وَجَرَى عَلَيْهِ أَهْلُ البَيْتِ وَشِيْعَتُهُمْ بِلَا مَنْعٍ، فَيَا عَجَبَاهُ مِنْ تَصْيِيْرِ الْمَعْرُوفِ مَحْذُورًا، وَالْمَشْرُوعِ مُنْكَرًا وَمَحْظُورًا.
يَا نَاعِيَ الإِسْلامِ قُمْ فَانْعَهُ ... قَدْ مَاتَ عُرْفٌ وَبَدَا مُنْكَرُ
قَالَ: ومَنْ جَمَعَ بَيْنَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي القُبُورِ، وَمَا أَمَرَ بِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَبَيْنَ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ اليَومَ رَأَى أَحَدَهُمَا مُنَاقِضًا لِلآخَرِ، مُضَادًّا لَهُ بِحَيْثُ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا.
✅الْجَوَابُ: قَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ فِيْمَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وآله وسلم وَنَهَى عَنْهُ.
وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ فِي حَالَةٍ مُسْتَحِيْل، فَفِي الْعِبَارَةِ قَلَقٌ.
وَنَقُولُ: بَلْ إِنَّ مَنْ نَظَرَ فِي مَوَارِدِ الشَّرْعِ، وَمَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وآله وسلم ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّالِحُونَ، وَمَا رَأَىهُ الْمُسْلِمُونَ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَفِيْمَا نَشَأَ لأَهْلِ الأَهْوَاءِ وَالبِدَعِ، وَمَا نَسَبُوهُ إِلَى الْمُوَحِّدِيْن، وَارْتَكَبُوهُ مِنْ تَضْلِيْلِ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِيْن -سِيما العِتْرَةَ الهَادِيْن ذُرِّيَّةَ الرَّسُولِ الأَمِيْن- رَأَى أَحَدَهُمَا مُنَافِيًا لِلآخَرِ مُنَاقِضًا لَهُ، فَجَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ سَفِيْنَةَ النَّجَا، وَحَكَمَ بِأَنَّهُمْ لَمْ
يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدَى، وَلَنْ يُدْخِلُوكُمْ فِي رَدَى، فِي آيَاتٍ تُتْلَى، وَأَخْبَارٍ تُمْلَى، وَأَنْتَ عَكَسْتَ القَضِيَّةَ، وَأَخْطَأْتَ الرَّمِيَّة، وَعَدَلْتَ عَنِ السَّوِيَّة، فَجَعَلْتَهُمْ خَارِجِيْنَ عَنِ الْهُدَى، دَاخِلِيْنَ فِي الضَّلاَلَةِ وَالرَّدَى.
وَأَمَرَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وآله وسلم بِالتَّعَلُّمِ مِنْهُم، وَالْحَذْوِ حَذْوَهُم، وَالتَّمَسُّكِ بِهَدْيِهِم، وَأَنْتَ أَخَذْتَ مِنْ غَيْرِهِم، وَتَعَلَّمْتَ مِنْ خُصِومِهِم، وَتَمَسَّكْتَ بِهَدِي أَعْدَائِهِم.
وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ شَتْمِهِمْ، وَالتَّأَخُّرِ عَنْهُمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ، فَقَالَ: لَا تَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا، وَلَا تُخَالِفُوهُمْ فَتَضِلُّوا، وَلَا تَشْتُمُوهُمْ فَتَكْفُرُوا، وَأَنْتَ تَأَخَّرْتَ عَنْهُم، وَخَالَفْتَهُمْ، وَشَتَمْتَهُم.
وَلَمْ يَرْتَكِبِ الْخَوَارِجُ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ مِنَ الْمُنَاصِبِيْنَ لِلْعِتْرَةِ الزَّكِيَّةِ مَا ارْتَكَبُوهُ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيْقَةِ الشَّنِيْعَة، الَّتِي أَوْصَلَتْهُمْ بِالتَّحْقِيْقِ إِلَى كُلِّ مَقَالَةٍ فَظِيْعَة.
فَمَا بَالُكَ تَنْهَى عَنِ الذَّرَائِع، وَأَنْتَ فِي سُوْحِها رَاتِع ، * أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ 44 [البقرة].
قَالَ: فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَهَؤلَاءِ صَلَّوا عِنْدَهَا، وَنَهَى عَنِ اتِّخَاذِها مَسَاجِدَ، وَهَؤلَاءِ يَبْنُونَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ.
إِلَى قَوْلِهِ: وَنَهَى عَنْ إِيْقَاد السُّرُجِ عَلَيْهَا.
✅الْجَوَابُ: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا فِيْهِ كِفَايَةٌ لِلْمُسْتَبْصِرِ.
🔰الكلام على تسوية القبور المشرفة
✳️ قَالَ: «وَأَمَرَ بِتَسْوِيَتِهَا كَمَا فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ .قَالَ: «قَالَ عَلِيُّ بْن أَبِي طَالِبٍ عليه السلام ، إِلَى قَوْلِهِ: (أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ)، إِلَى أَنْ قَالَ:
«وَفِيْهِ عَنْ ثُمَامَةَ [بْنِ شُفَيّ] قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ (بِرُودِسَ) فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فَضَالَةُ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا.
قَالَ: وَهَؤلَاءِ يُبَالِغُونَ فِي مُخَالَفَةِ هَذَيْنِ الْحَدِيْثَيْنِ، وَيَرْفَعُونَهَا عَنِ الأَرْضِ كَالبَيْتِ، وَيَعْقِدُونَ عَلَيْهَا الْقِبَابَ».
✅الْجَوَابُ: هَذَانِ الْحَدِيْثَانِ الآحَادِيَّانِ لَا يَبْلُغُ بِهِمَا أَنْ يُكَفَّرَ أَوْ يُفَسَّقَ بِمُخَالَفَةِ مَضْمُونِهِمَا، بَلْ وَلَا يُضَلَّلَ عَلَى فَرْضِ وُقُوعِ الْمُخَالَفَةِ.
وَيَنْبَغِي أَوَّلًا النَّظَرُ فِي مَعْنَاهُمَا.
🔰معنى التشريف والتسوية
✳️ فَأَمَّا التَّشْرِيْفُ، فَيُحْتَمَلُ جَعْلُ الشُّرُفَاتِ عَلَيْهَا، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيْهِ مِنَ الزِّيْنَةِ الَّتِي تُخَالِفُ التَّذَكُّرَ وَالاِعْتِبَارِ.وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الْشَّرَفِ : وَهْوَ الاِرْتِفَاعُ، وَهْوَ مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ القَابِلَةِ لِلْقَلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ فِيْمَا وَقَعَ ارْتِفَاعًا مُجَاوِزًا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيْمَا رُفِعَ وَلَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيْمَا رُفِعَ مِنْ قُبُورِ الْجَاهِلِيَّةِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ.
أَوْ لَعَلَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ يَعْكِفُونَ عَلَيْهَا، وَنَحو ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلِذَلِكَ قَرَنَهُ بِطَمْسِ التِّمْثَالِ.
وَأَمَّا التَّسْوِيَةُ، فَيُحْتَمَلُ إِزَالَةُ الشُّرُفَاتِ كَمَا سَبَقَ، أَوْ إِزَالَةُ الاِرْتِفَاعِ الْمُفْرِطِ، فَلِذَا قَالَ: إِلَّا سَوَّيْتَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: إِلَّا هَدَمْتَهُ.
وَالْمَسْأَلَةُ نَظَرِيَّةٌ، لِلنَّاظِرِ فِيْهَا نَظَرُهُ.
🔰[الكلام على تجصيص القبور، والبناء عليها، والكتابة عليها]
قَالَ: وَنَهَى عَنْ تَجْصِيْصِ القَبْرِ، وَالبِنَاءِ عَلَيْهِ، كَمَا رَوَى أَبُو دَاودَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِمَا عَنْ جَابِرٍ ... إلخ.✅الْجَوَابُ: وَمَا أَوْرَدَهُ مِنَ التَّجْصِيْصِ وَالكِتَابَةِ وَالبِنَاءِ مُحْتَمَلَةٌ عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ الأَحَادِيْثِ، قَابِلَةٌ لِلْتَّأْوِيْلِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ، وَمَعَ صِحَّتِهَا وَعَدَمِ مَا يُعَارِضُهَا الْمَسْأَلَةُ ظَنِيَّةٌ، وَهْيَ بِمَرَاحِلَ عَنِ التَّكْفِيْرِ وَالتَّفْسِيْقِ وَالتَّضْلِيْلِ.
وَلَمْ يَزَلِ الأَئِمَّةُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم يَبْنُونَ الْمَشَاهِدَ وَالقِبَابَ، وَيُجَدِّدُونَ مَا انْدَرَسَ مِنْهَا فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَيَكْتُبُونَ فِي الصُّخُورِ أَسْمَاءَ مَوْتَاهُمْ، وَالتَّعْرِيْفَ بِحَالِهِمْ، بِلَا تَنَاكُرٍ مِنْهُم وَلَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، حَتَّى نَشَأَ الْمُخَالِفُونَ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ مِمَّن اسْتَمَالُوهُ مِنْ أَتْبَاعِهِم، وَاسْتَهْوَوهُ مِنْ طَغَامِ رَعَاعِهِم، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا مَشْهَدُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم وَقُبَّتُهُ الْمُشَرَّفَةُ الَّتِي لَمْ يَسْتَطِعِ الْمُخَالِفُونَ مَحْوَ آثَارِهَا، وَلَا طَمْسَ مَنَارِهَا.
وَقَدْ بَلَغَ بِخَبَرِ الأَثْبَاتِ مُحَاوَلَتُهُمْ لِذَلِكَ، فَمُنِعُوا بِأَمْرٍ إِلَهِيّ، وَمَانِعٍ رَبَّانِيّ، كَمَا مُنِعَ مِنْ هَدْمِ الْكَعْبَةِ أَصْحَابُ الفِيْلِ، فَكَبَتَهُم اللَّهُ تَعَالَى، وَرَدَّهُمْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا
خَيْرًا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا 25 [الأحزاب].
🔰بحث في الكتابة في الصخور
✳️ أَمَّا الكِتَابَةُ فِي الصُّخُورِ وَنَحْوِهَا: فَأَدِلَّةُ شَرْعِيَّةِ الزِّيَارَةِ تَقْتَضِي: نَدْبِيَّةَ إِعْلاَمِهَا بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ.وَقَدْ أَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ¥ فِي البَقِيْعِ بِحَجَرٍ، كَمَا صَحَّ ذَلِكَ .
وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتُبْ؛ لأَنَّ الأَلْوَاحَ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ، فَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الكِتَابَةِ -إِنَّ صَحَّ ذَلِكَ- عَلَى كِتَابَةِ مَا لَا يَحْسُنُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ ... إلخ الْخَبَرِ الْمَارِّ.
وَالْمُوْجِبُ لِذَلِكَ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَدِلَّةِ الزِّيَارَةِ، وَفِعْلِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
قَالَ: وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤلَاءِ الْمُعَظِّمِيْنَ لِلْقُبُورِ الْمُوْقِدِيْنَ عَلَيْهَا السُّرُجَ الَّذِيْنَ يَبْنُونَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالْقِبَابَ مُنَاقِضُونَ لِمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مُحَادُّونَ لِمَا جَاءَ بِهِ ... ، إِلَى قَوْلِهِ: وَلأَنَّ فِيْهِ تَضْيِيْعًا لِلْمَالِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَإِفْرَاطًا فِي تَعْظِيْمِ القُبُورِ أَشْبَهُ بِتَعْظِيْمِ الأَصْنَامِ.
✅الجوابُ: أَنَّ كَلَامَكَ يَقْتَضِي مَنْعَ تَعْظِيْمِ القُبُورِ عَلَى الإِطْلاقِ، وَهْوَ خِلَافُ
مَا وَرَدَ عَنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ قَصْدِهَا بِالزِّيَارَةِ وَالدُّعَاءِ وَالتِّلَاوَةِ، وَأَمْرِهِ بِإِعْلَامِهَا، وَنَهْيِهِ عَنِ الجُلُوسِ عَلَيْهَا، وَمَا جَرَى عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالخَلَفُ مِنْ تَعْظِيْمِهَا بِذَلِكَ، لَو لَمْ يَكُنْ إِلَّا تَعْظِيْمُ قَبْرِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم الْمُجَمْعِ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيْعِ طَوَائِفِ الأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، فَكَيْفَ -يَا لَكَ الوَيْلُ- تَجْعَلُ فَاعِلَ ذَلِكَ مُنَاقِضًا لِمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مُحَادًّا لِمَا جَاءَ بِهِ، لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا فَرِيًّا.
وَأَمَّا بِنَاءُ المسَاجِدِ وَالتَّسْرِيْجُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلَامُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَولُكَ: إِنَّ فِيْهِ تَضْيِيْعًا لِلْمَالِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ ... إلخ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ أَعْظَمُ مِنَ الإِعَانَةِ عَلَى مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّارِعُ مِنَ التِّلَاوَةِ وَالدُّعَاءِ وَالزِّيَارَةِ.
وَقَوْلُكَ: إِنَّ فِي ذَلِكَ إِفْرَاطًا فِي تَعْظِيْمِ القُبُورِ أَشْبَهُ بِتَعْظِيْمِ الأَصْنَامِ، مُجَازَفَةٌ، كَيْفَ تَجْعَلُ مَا أَقْرَرْتَ بِشَرْعِهِ مِمَّا ذُكِرَ كَفِعْلِ الجَاهِلِيَّةِ؟!.
🔰من تخبطات صاحب الرسالة، والجواب عليه
✳️ قَالَ: «وَالَّذِي شَرَعَهُ الرَّسُولُ عِنْدَ زِيَارَةِ القُبُورِ إِنَّمَا هُوَ تَذَكُّرُ الآخِرَةِ، وَالإِحْسَانُ إِلَى الْمَزُورِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَالاِسْتِغْفَارِ، وَسُؤَالِ العَافِيَةِ، فَيَكُونُ الزَّائِرُ مُحْسِنًا إِلَى نَفْسِهِ وَإِلَى الْمَيِّتِ.قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا يَخْرجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى البَقِيْعِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا، مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَفِي صَحِيْحِهِ عَنْهَا أَيْضًا: إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ
الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ. قَالَتْ: قُلْتُ كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاَحِقُونَ، إِلَى آخِرِ مَا أَوْرَدَهُ فِي الزِّيَارَةِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَهَا وَالاِسْتِغْفَار.
✅الْجَوَابُ: هَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا ذَكَرْتَ سَابِقًا مِنْ مَنْعِ الدُّعَاءِ عِنْدَهَا، وَجَعْلِ مُعَظِّمِهَا بِذَلِكَ مُنَاقِضًا لِمَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ مُحَادًّا لِمَا جَاءَ بِهِ، فَأَنْتَ الآنَ تَسْتَدِلُّ بِالْسُّنَّةِ وَفِعْلِ السَّلَفِ عَلَى شَرْعِيَّةِ الدُّعَاءِ، وَتَخْصِيْصِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِفِعْلِهِ فِيْهِ.
وَفِي قَوْلِ عَائِشَةَ: كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا يَخْرُجُ ... ، إلخ، دَلِيْلٌ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم وَتَأْكِيْدِهِ لَدَيْهِ.
فَقَدْ كَفَيْتَنَا بِذَلِكَ البَحْث مَؤونَةَ الرَّدِّ عَلَيْكَ، وَرَدَدْتَ عَلَى نَفْسِكَ بِمَا حَرَّرْتَهُ بِيَدَيْك، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَهُ:
يُصِيبُ وَمَا يَدْرِي وَيُخْطِي وَمَا دَرَى ... وَلَيْسَ يَكُونُ الْجَهْلُ إِلَّا كَذَلِكَ
وَقَدْ عُدْتَ فَنَقَضْتَ مَا أَبْرَمْتَ، وَنَكَثْتَ مَا أَحْكَمْتَ بِقَوْلِكَ فِيْمَا سَيَأْتِي: وَمُحَالٌ أَنَّ يَكُونَ الدُّعَاءُ عِنْدَهُمْ مَشْرُوعًا، وَعَمَلاً صَالِحًا.
وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرَ مِثْلُهُ عَنْ نَاظِرٍ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الهَوَى يُصِمُّ الأَسْمَاعَ، وَيُعْمِي الأَبْصَارَ، وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا 72 [الإسراء].
قَالَ: وَلَقْدَ جَرَّدَ السَّلَفُ الصَّالِحُ التَّوْحِيدَ، وَحَمَوا جَانِبَهُ، حَتَّى كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ أَرَادَ الدُّعَاءَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى جِدَارِ القَبْرِ ثُمَّ دَعَا.
✅الجواب: أَنَّكَ نَاقَضْتَ بِهَذَا مَا سَبَقَ لَكَ مِنْ مَنْعِ الدُّعَاءِ عِنْدَ القُبُورِ؛ لأَنَّكَ حَكَيْتَ هُنَا أَنَّ السَّلَفَ حَمَوا جَانِبَ التَّوْحِيدِ بِمَا حَكَيْتَ مِنْ فِعْلِهِم الدُّعَاءَ عِنْدَ
قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم .
قَالَ: وَلَمْ يَفْعَلُوا عِنْدَ القُبُورِ إِلَّا مَا أَذِنَ فِيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنَ السَّلَامِ عَلَى أَصْحَابِهَا، وَالاِسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِم.
✅الْجَوَابُ: أَنَّ حَصْرَكَ مَا أَذِنَ فِيْهِ فِيْمَا ذَكَرْتَ مَمْنُوعٌ، فَقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ مَا يَقْتَضِي دُخُول الدُّعَاءِ لِنَفْسِ الزَّائِرِ وَغَيْرِهِ، كَمَا فِي حَدِيْثِ عَائِشَةَ: وَيَرْحَمُ اللَّهُ المسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمسْتَأْخِرِينَ.
وَفِي حَدِيْثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيْهِ فِي تَعْلِيْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لَهُمْ: نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُم العَافِيَةَ .
وَفِي حَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ وَنَحْنُ بالأَثَرِ .
وَمَا أَوْرَدَهُ فِي هَذَا البَحْثِ قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيْهِ.
🔰[الكلام على قصة نبي الله تعالى دانيال عليه السلام]
قَالَ: «وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي مَغَازِيْهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ دِيْنَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العَالِيَةِ، قَالَ: لَمَّا فَتَحْنَا (تُسْتَر) وَجَدْنَا فِي بَيْتِ مَالَ الْهُرْمُزَانِ سَرِيْرًا عَلَيْهِ رَجُلٌ مَيِّتٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مُصْحَفٌ، فَأَخَذْنَا الْمُصْحَفَ فَحَمَلْنَاهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَدَعَا لَهُ كَعْبًا فَنَسَخَهُ بِالعَرَبِيَّةِ، فَأَنَا أَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ العَرَبِ قَرَأَهُ، قَرَأْتُهُ مِثْلَ مَا أَقْرَأُ القُرْآنَ.فَقُلْتُ لِأَبِي العَالِيَةِ: مَا كَانَ فِيْهِ؟ قَالَ: سِيْرَتُكُمْ، وَأُمُورُكُمْ، وَلُحُونُ كَلاَمِكُمْ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدُ.
قُلْتُ: فَمَا صَنَعْتُمْ بِالرَّجُلِ؟ قَالَ: حَفَرْنَا لَهُ بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشْرَ قَبْرًا مُتَفَرِّقَةً، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ دَفَنْاهُ، وَسَوَّيْنَا القُبُورَ كُلَّهَا؛ لِنُعَمِّيَهُ عَلَى النَّاسِ لَا يَنْبِشُونَهُ.
قُلْتُ: وَمَا يَرْجُونَ مِنْهُ؟ قَالَ: كَانَتِ السَّمَاءُ إِذَا حُبِسَتْ عَنْهُمْ أَبْرَزُوا السَّرِيْرَ فَيُمْطَرونَ.
فَقُلْتُ: مَنْ كُنْتُمْ تَظُنُّونُ الرَّجُل؟ قَالَ: رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ دَانْيَال.
فَقُلْتُ: مُنْذُ كَمْ وَجَدْتُمُوهُ مَاتَ؟. قَالَ: مُنْذُ ثَلَاثمائةِ سَنَة.
قُلْتُ: مَا كَانَ تَغَيَّرَ مِنْهُ شَيءٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا شُعَيْرَاتٌ مِنْ قَفَاه، إِنَّ لُحُومَ الأَنْبِيَاءِ لَا تُبْلِيْهَا الأَرْضُ، وَلَا تَأْكُلُهَا الْسِّبَاعُ.
فَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَا فَعَلَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ مِنْ تَعْمِيَةِ قَبْرِهِ لِئَلَّا يَفْتَتِنَ بِهِ النَّاسُ، وَلْم يَبْرُزُوا لِلْدُّعَاءِ عِنْدَهُ وَالتَّبَرُّكِ بِهِ.
وَلَوْ ظَفِرَ بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ لَجَالَدُوا عَلَيْهِ بِالْسُّيُوفِ، وَهُمْ قَدْ اتَّخَذُوا مَنْ هُوَ دُوْنَهُ، وَأَقَامُوا لَهُ سَدَنَةً، وَجَعَلُوا لَهُ مَسْجِدًا، وَعَظَّمُوهُ أَعْظَمَ مِنَ الْمَسْجِدِ».
✅الجواب: أَنَّ هَذَا الأَثَرَ -عَلَى فَرْضِ صِحِّتِهِ- لَا حُجَّةَ فِيْهِ، وَمِنْ أَينَ لَكَ ظُهُورُهُ لِلْمُهَاجِرِيْنَ وَالأَنْصَارِ وَتَقْرِيْرُهُم لَهُ فَضْلًا عَمَّا ادَّعَيْتَ أَنَّهُم فَعَلُوه، وَهْيَ حِكَايَةُ فِعْلٍ لِبَعْضٍ مِنْهُم.
وَلَعَلَّ تَعْمِيَتَهُم لَهُ لِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِن افْتِتَانِهِمْ بِهِ كَمَا يَفْعُلُهُ أَصْحَابُ الأَوْثَانِ؛ لِكَوْنِهِمْ قَرِيْبِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ .
وَأَيْضًا فَقَدَ صَرَّحَ بِالعِلَّةِ فِي إِخْفَائِهِ بِقَوْلِهِ: لَا يَنْبِشُونَهُ، وَهَذَا مَقْصَدٌ صَالِحٌ؛ لأَنَّ النَّبْشَ لَا يَجُوزُ، وَالتَّقْبِيْرَ هُوَ الْمَشْرُوعُ، فَمَتَى لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالإِخْفَاءِ صَارَ حَسَنًا، كَمَا فَعَلَهُ أَئِمَّةُ الهُدَى عِنْدَ خَشْيَةِ نَحْوِ ذَلِكَ، أَوَّلُهُم إِمَامُهُم الأَعْظَم، وَسَيِّدُهُم الْمُقَدَّم، أَمِيْرُ الْمُؤْمِنِيْن، وَسَيِّدُ الوَصِيِّيْن، وَأَخُو سَيِّدِ النَّبِيئين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم وَآلَهُمْ وَسَلَامُهُ؛ فَإِنَّهُ أُخْفِيَ قَبْرُهُ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُ حَتَّى انْقَضَتْ سَطْوَةُ الْجَبَّارِيْنَ، وَأَظْهَرَهُ أَوْلَادُهُ أَئِمَّةُ آلِ مُحَمَّدٍ؛ لأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا لَدَيْهِم، يَزُورُهُ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ مِنْهُم، كَمَا قَالَ الإِمَامُ النَّاصِرُ لِلْحَقِّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الأُطُروشُ @:
فَإِذَا جِئْتَ الغَرِيَّا ... فَابْكِ مَوْلَانَا عَلِيَّا
وَقَالَ:
مَدَائِنَ الكُوفَةِ تِيْهًا عَلَى ... مَدَائِنِ الأَرْضِ بِهَا تَفْخَرُ
فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ سُوْءًا بِهَا ... مَا كَانَ مَقْبُورًا بِهَا حَيْدَرُ
وَكَذَا فَاطِمَةُ الزَّهْرَاء، سَيِّدَةُ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَالأُخْرَى، وَخَامِسَةُ أَهْلِ الْكِسَاء، أَخْفَى قَبْرَهَا الوَصِيُّ، وَدَفَنَهَا لَيْلًا بِوَصِيَّةٍ مِنْهَا؛ لِئَلَّا يَحْضُرَهَا الشَّيْخَانِ، كَمَا صَحَّ ذَلِكَ بِرِوَايَاتِ آلِ مُحَمَّدٍ عليهم السلام وَرِوَايَاتِ الْمُخَالِفِيْنَ، مِنْهُم أَهْلُ صِحَاحِهِم البُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، فَلَا بَأْسَ بِإِخْفَائِهَا عِنْدَ حُدُوثِ مِثْلِ هَذَا، ثُمَّ إِظْهَارِهَا عِنْدَ زَوَالِ الْمُوْجِبِ، فَهْوَ مِنْ حِفْظِهَا، وَتَعْظِيمِ شَأْنِهَا.
وَلَيْتَ شِعْرِي مَا أَرْدَتَ بِسِيَاقِ هَذِهِ القِصَّةِ؟ أَتُرِيْدُ أَنْ تُعَمِّيَ وَتَنْبشَ قُبُورَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَتَشْرَعَ لَهُمْ أَنْ يُعَمُّوا ضَرِيْحَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِيْن، وَقُبُورَ الأَئِمَّةِ الهَادِين؟ فَذَلِكَ يَنْقُضُ أَخْبَارَكَ الَّتِي رَوَيْتَهَا أَنْتَ فِي الزِّيَارَةِ لَهَا، وَالدُّعَاءِ عِنْدَهَا، وَخِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَهْلِ الإِسْلَامِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَف.
🔰[ادِّعاء صاحب الرسالة المخالفة للسلف، والجواب عليه]
قَالَ: «وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْنَ السَّلَفِ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَأَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ وَالسَّلَفَ عَلَى شَيءٍ.رَاحَتْ مُشَرِّقَةً وَرُحْتُ مُغَرِّبًا ... شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّب
عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ مُغْضَبًا، فَقُلْتُ: مَا لَكَ؟. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ فِيْهِمْ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيْعًا.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسٍ بِدِمَشْق، وَهْوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ لَهُ: مَا يُبْكِيْكَ؟.
فَقَالَ: مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلاَةَ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ.
وَفِي لَفْظٍ: مَا كُنْتُ أَعْرِفُ شَيْئًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَّا قَدْ أَنْكَرْتُهُ اليَوْمَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ البَصْرِيُّ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بَيْنَ أَظْهُرِنَا هَلْ كَانَ يُنْكِرُ شَيْئًا مِمَّا نَحْنُ عَلَيْهِ؟ فَغَضِبَ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَقَالَ: وَهَلْ كَانَ يَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ؟.
وَقَالَ الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ: صَلَّى الْحَسَنُ [البَصْرِيُّ] الْجُمْعَةَ وَجَلَسَ فَبَكَى، فَقِيْلَ لَهُ: مَا يُبْكِيْكَ يَا أَبَا سَعِيْدٍ؟.
فَقَالَ: تَلُومُونَنِي عَلَى الْبُكَاءِ؟! وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ اطَّلَعَ مِنْ بَابِ مَسْجِدِكُمْ مَا عَرَفَ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنْتُمُ اليَوْمَ عَلَيْهِ إِلَّا قِبْلَتَكُمْ هَذِهِ.
وَهَذِهِ هِيَ الْفِتْنَةُ العُظْمَى.
وَعَنْ [عَبْدِ اللَّهِ] ابْنِ إِسْحَاقَ الْجَعْفَرِيِّ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ [الْكَامِلُ] ¥ يُكْثِرُ الْجُلُوسَ إِلَى رَبِيْعَةَ، قَالَ: فَتَذَاكَروا يَوْمًا السُّنَنَ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَثُرَ الْجُهَّالُ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الْحُكَّام فَهُم الْحُجَّةُ عَلَى الْسُّنَّةِ؟!.
فَقَالَ رَبِيْعَةُ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كَلَامُ أَبْنَاءِ الأَنْبِيَاءِ.
نَعَم، فَالْوَاجِبُ: هَدْمُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَمَحْوُ أَثَرِهِ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عَلِيًّا ¥ بِهَدْمِ القُبُورِ الْمُشْرِفَةِ، وَتَسْوِيَتِهَا بِالأَرْضِ».
✅الْجَوَابُ: هَا هُنَا أَعْظَمُ العَجَبِ مِنْكَ أَيُّهَا الْمُتَرَسِّلُ.
🔰[افتراء صاحب الرسالة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والجواب عليه]
قَوْلُكَ: أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عَلِيًّا ¥ بِهَدْمِ القُبُورِ.✅الْجَوَابُ: لَمْ يَرِدْ هَذَا اللَّفْظُ فِي أَيِّ رِوَايَةٍ، وَلَا لِلْهَدْمِ ذِكْرٌ فِي أَيِّ خَبَرٍ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ صَرِيْحِ الاِفْتِرَاءِ وَالزُّوْرِ.
وَقَوْلُكَ: وَتَسْوِيَتُهَا بِالأَرْضِ زِيَادَةُ بِالأَرْضِ مِنَ الْكِيْس، لِيَتِمَّ الْتَّغْرِيْرُ وَالتَّلْبِيْس، وَلَيْسَ لَهَا فِي الْخَبَرِ أَيُّ أَثَرٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ مَحْضِ الْكَذِبِ؛ لِتَسْوِيَةِ الْمَذْهَب، فَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيْلُ.
وَمَعَ هَذَا فَإِنَّكَ أَوَّلًا احْتَجَجْتَ بِفِعْلِ السَّلَفِ، وَشَنَّعْتَ عَلَى مُخَالَفَتِهِمْ، وَجَعَلْتَ البُعْدَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، ثُمَّ حَكَيْتَ بَعْدَ ذَلِكَ الآثَارَ الدَّالَّةَ عَلَى حُصُولِ التَّغْيِيْرِ وَالتَّبْدِيْلِ فِي عَهْدِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ.
فَلَيْتَ شِعْرِي مَنْ تُرِيْدُ بِالْسَّلَفِ غَيْرَ الَّذِيْنَ ذَكَرْتَ أَنَّهَا حَدَثَتْ فِي أَعْصَارِهِمْ مُبْتَدَعَاتُ الأَضَالِيْل؟!.
فَكَيْفَ تُشَنِّعُ عَلَى هَؤُلاءِ بِمُخَالَفَةِ الضَّآلِّيْن، وَتَجْعَلُهُم فِيْمَا هُمْ عَلَيْهِ مُبْتَدِعِيْن، وَعَنِ الْحَقِّ مَائِلِيْن؟!.
ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَلَيْسَ لَكَ فِي جَمِيْعِ مَا أَوْرَدْتَهُ مَأْخَذٌ وَلَا مُتَمَسَّكٌ، فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ مَحَلِّ الْنِّزَاع، وَمَا نَسَبْتَهُ إِلَى مَنْ رَمَيْتَهُمْ بِهِ فِي الْمُخَالَفَةِ وَالاِبْتِدَاع؟.
وَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ هَذَا مِمَّا تَمُجُّهُ الأَسْمَاع، وَتَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاع.
وَيَظْهَرُ بِهَذَا وَغَيْرِهِ أَنَّكَ تَتَكَلَّمُ وَتَصُول، وَأَنْتَ لَا تَدْرِي مَا تَقُول، وَكَأَنَّكَ تَنْقُلُ مَا وَجَدَتَ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ وَلَا رَوِيَّة، وَتَهْذِي بِمَا أَوْرَدْتَ عَنْ فِكْرٍ رَدِيٍّ، وَنَزَغَاتٍ شَيْطَانِيَّة، وَخَيَالاَتٍ أَشْعَبِيَّة، وَتَرُومُ بِذَلِكَ تَضْلِيلَ خُلَاصَةِ الأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِنَ الْعِتْرَةِ الزَّكِيَّة، وَشِيْعَتِهِمُ الزَّيْدِيَّة.
وَمَا أَحَقَّكَ بِقَوْلِهِ:
يَرْوِي أَحَادِيْثَ وَيَرْوِي نَقْضَا ... مُخَالِفًا بَعْضَ الْحَدِيْثِ بَعْضَا
وَبِقَوْلِ آخَرَ
✳️ لَيْسَ يَدْرُونَ أَنَّهُمْ لَيْسَ يَدْرُونَ ... بَلِ الْجَهْلُ عَمَّهُمْ تَوْرِيثَا
وَتَسَمَّوا أَهْلَ الْحَدِيْثِ وَهَاهُمْ ... لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثَا
🔰[مخالفة سلف صاحب الرسالة لأهل البيت عليهم السلام]
وَلَوْ أَمْعَنْتَ النَّظَر، وَأَجَلْتَ الْفِكَر، لَعَلِمْتَ أَنَّ التَّغْيِيْرَ وَالتَّبْدِيْلَ لَمْ يَكُنْ بدْؤُهُ إِلَّا مِنْ مُخَالَفَةِ سَلَفِكَ -الَّذِيْنَ رُمْتَ الاِحْتِجَاجَ بِهِم- لآلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم الْمَأْمُورِ بِالتَّمَسُّكِ بِهِمْ، وَلُزُومِ سَفِيْنَتِهِمْ كَمَا وَقَعَ مِنَ النَّاكِثِيْنَ وَالقَاسِطِيْنَ وَالْمَارِقِيْن، وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ السُّوءِ الْمُضِلِّيْن، وَكَرَعَ مِنْ آجِنِ ضَلَالَتِهِم الرَّدِيَّة، وَبِدَعِ أَشْيَاعِهِم النَّاصِبِيَّة، وَسَائِرِ الفِرَقِ الغَوِيَّة.🔰[حكم صاحب الرسالة بهدم القبور، ومحو أثرها، والجواب عليه
وَأَمَّا قَوْلُكَ: فَالْوَاجِبُ هَدْمُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَمَحْوُ أَثَرِهِ ... إلخ.فَنَقُولُ: هَذَا حُكْمٌ صَادِرٌ عَنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ وَاضِحَة، وَلَا أَمَارَةٍ لَائِحَة، فَلَمْ يَرِدْ فِي الأَخْبَارِ الَّتِي أَوْرَدْتَهَا وَلَا غَيْرِهَا مَا تَوَهَّمْتَهُ مِنْ مَحْوِ آثَارِهَا، وَتَسْوِيَتِهَا بِالأَرْضِ أَصْلًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَلَى مَا أَوْرَدْتَهُ مِنَ الْشُّبَهِ فِي ذَلِكَ.
فَالْعَجَبُ مِنْ نِسْبَةِ الأَحْكَامِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم الَّتِي لَمْ يَقُلْ بِهَا، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيْلٌ وَلَا أَمَارَةٌ، وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
🔰[تشبيه صاحب الرسالة المساجد المبنية على القبور بمسجد الضرار، والجواب عليه]
قَالَ: «وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِهَدْمِ مَسْجِدِ الْضِّرَارِ، فَفِي هَذَا دَلِيْلٌ عَلَى هَدْمِ مَا هُوَ أَعْظَمُ فَسَادًا مِنْهُ، كَالْمَسَاجِدِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى القُبُورِ، فَإِنَّ حُكْمَ الإِسْلَامِ أَنْ تُهْدَمَ كُلُّهَا حَتَّى تُسَوَّى بِالأَرْضِ، وَهْيَ أَوْلَى بِالْهَدْمِ مِنْ مَسْجِدِ الْضِّرَارِ، وَكَذَلِكَ الْقِبَابُ الَّتِي عَلَى القُبُورِ يَجِبُ هَدْمُهَا كُلِّهَا؛ لأَنَّهَا أُسْسِتْ عَلَى مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ؛ لأَنَّهُ قَدْ نَهَى عَنِ الْبِنَاءِ عَلَى القُبُورِ كَمَا تَقَدَّمَ.فَبِنَاءٌ أُسِّسَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ فَبِنَاءٌ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ، فَهْوَ أَوْلَى بِالْهَدْمِ مِنْ بِنَاءِ الغَاصِبِ قَطْعًا.
وَكَذَلِكَ يَجِبُ إِزَالَةُ كُلِّ سِرَاجٍ عَلَى قَبْرٍ وَطَفْيِهِ، فَإِنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ مَلْعُونٌ بِلَعْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ... » إِلخ.
✅الجوابُ: نَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مِنْ هَذَا الاِسْتِدْلَال، الَّذِي هُوَ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيْقِ وَالاِعْتِدَال، كَيْفَ يُسَوَّى بَيْنَ الْمَشَاهِدِ الْمُقَدَّسَةِ- الَّتِي مِنْهَا مَشْهَدُ الرَّسُولِ الأَمِيْن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الأَكْرَمِيْن الَّذِي قَالَ فِيْهِ صلى الله عليه وآله وسلم : مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ ، وَمَشَاهِدُ عِتْرَتِهِ الَّتِي هِيَ عَلَى
التَّقْوَى مُؤَسَّسَة، الَّتِي أُجْمِعَ عَلَى احْتِرَامِهَا وَمَنْ فَيْهَا، وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ زِيَارَتَهَا وَالتِّلَاوَةَ وَالدُّعَاءَ عِنْدَهَا لِأَهْلِهَا وَللزَّائِرِ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِيْنَ كَمَا تَقَدَّمَ الاِحْتِجَاجُ عَلَى ذَلِكَ فِيْمَا أَوْرَدْتَهُ وَغَيْرَهُ، -وَبَيْنَ مَسْجِدِ الضِّرَار الَّذِي أُسِّسَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، واتُّخِذَ ضِرَارًا وكُفْرًا وَتَفْرِيْقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِيْنَ، وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
لَقَدْ ذَهَبَ بِكَ التَّجَارِي كُلَّ مَذْهَب، وَجَمَعْتَ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَاتِ فِي ذَلِكَ الْمَطْلَب، فَكَانَ الأَحَقُّ أَنْ تَقِيْسَهَا عَلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ بِجَامِعِ كَوْنِهَا مِنْ شَعَائِرِ الإِسْلَام، وَمَا قُصِدَ بِهِ إِحْيَاءُ طَاعَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلَامُ فِي اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا، وَمَا الْمُرَادُ بِهِ، وَتَقَدَّمَ الكَلَامُ أَيْضًا فِي بِنَاءِ القِبَابِ وَالاِحْتِجَاجِ عَلَيْهَا، فَلَا وَجْهَ لإِعَادَتِهِ.
وَإِذَا كَانَتْ مَشْرُوعَةً -كَمَا قَدَّمْنَا- فَلَا وَجْهَ لِهَدْمِهَا.
قوله: وَكَذَلِكَ يَجِبُ إِزَالَةُ كُلِّ سِرَاجٍ عَلَى قَبْرٍ وَطَفْيِهِ، فَإِنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ مَلْعُونٌ ... إلخ.
قَدْ تَقَدَّمَ الكَلَامُ فِيْهِ وَمَا يَجُوزُ، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَكَ التَّجَرِّي وَالْمُجَازَفَةُ بِاللَّعْنِ.
وَطَرِيْقَةُ العُلَمَاءِ العَامِلِيْنَ أَنْ لَا يُؤَثِّموا وَلَا يُخَطِّئوا بِمَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْخَصْمِ مِمَّا الطَّرِيْقُ فِيْهِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ -وَإِنْ صَحَّ عِنْدَهُم-، فَهَذِهِ مُجَازَفَةٌ.
وَأَمَّا قِيَاسُكَ عَلَى الغَصْبِ فِي وُجُوبِ الْهَدْمِ.
فَنَقُولُ: أَوَّلًا: لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ العِلَّةِ الَّتِي هِيَ المَعْصِيَةُ، ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا -
فَرْضًا- وُجُودَهَا فَمِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّهَا العِلَّةُ فِي الْحُكْم؟ مَعَ أَنَّهَا مَنْقوضَةٌ بِمَا بُنِيَ مُفَاخَرَةً وسُمْعَةً ومُكَاثَرَة؟.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: وَلَا يَصِحُّ هَذَا الوَقْفُ، وَلَا يَحِلُّ إِثْبَاتُهُ وَتَنْفِيْذُهُ.
فَنَقُولُ: قَدْ ثَبَتَتْ شَرْعِيَّةُ الزِّيَارَةِ لِلْقُبُورِ وَالتِّلَاوَةِ عِنْدَهَا وَالدُّعَاءِ كَمَا سَبَقَ، فَالوَقْفُ صَحِيْحٌ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ القُرْبَةِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا كَسَائِرِ الْقُرَبِ.
وَبَعْدَ هَذَا، فَقَدْ أَكْثَرْتَ أَيُّهَا الْمُتَرَسِّلُ مِنَ التَّشْنِيْعِ وَالتَّبْدِيْع، وَالتَّضْلِيْلِ وَالرَّمْيِ لِطَوَائِفِ الْحَقِّ بِمَا لَمْ يَعْتَقِدُوه، وَلَمْ يَفْعَلُوه، وَلَمْ يَرْضَوه، وَلَمْ يُقَارُّوا عَلَيْهِ، وَتَشْبِيْهِهِم بِاليَهُودِ وَالنَّصَارَى بِغَيْرِ دَلَالَةٍ وَلَا بُرْهَان، وَحِسَابُكَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْمَلِكِ الدَّيَّان.
🔰[ادِّعاءُ صاحب الرِّسالة أنَّ الدعاء عند القبر من كيد الشيطان، والجواب عليه]
قَالَ: وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الشَّيْطَانَ بِلُطْفِ كَيْدِهِ يُحَسِّنُ الدُّعَاءَ عِنْدَ القَبْرِ، وَأَنَّهُ أَرْجَحُ مِنْهُ فِي بَيْتِهِ وَمَسْجِدِهِ وَأَوْقَاتِ الأَسْحَارِ ... إلخ.✅الْجَوَابُ: قَدْ تَقَدَّمَ مِرَارًا أَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وآله وسلم قَدْ نَدَبَ إِلَى الدُّعَاءِ عِنْدَ القُبُورِ، وَفَعَلَهُ مُؤَخَّرَ اللَّيْلِ، وَبَيَّنَ كَيْفَ يُقَالُ فِيْهِ كَمَا رَوَيْتَهُ، وَفَعَلَهُ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، فَكَيْفَ تَنْسِبُ تَحْسِيْنَ ذَلِكَ إِلَى الشَّيْطَانِ؟ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ بِخُبْثِ كَيْدِهِ يُحَسِّنُ لِأَهْلِ البِدَعِ وَالزَّيْغِ الإِنْكَارَ لِمَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَهْلَ البَيْتِ عليهم السلام ، وَرَفَعَ مِن قَدْرِهِم، فإذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ لَدَيهِم أَدْحَضَهُم إِلَى مَزَلَّةٍ أُخْرَى، وَهْيَ نِسْبَتُهُم وَشِيْعَتِهِمْ إِلَى الاِبْتِدَاعِ وَالْمُخَالَفَةِ لِمَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ وفِعْلِ مَا نَهَى عَنْهُ، فَإِذَا خَيَّلَ لَهُم ذَلِكَ وَأَشْرَبَهُ قُلُوبَهُم نَقَلَهُم إلى دَرَكٍ آخَرَ، وَهْيَ: أَنْ يَحْكُموا بِضَلَالِ أَهْلِ السَّفِيْنَةِ وَأَتْبَاعِهِم الهُدَاةِ، وَرَمْيِهِم بِالإِشْرَاكِ، وَتَشْبِيْهِهِم بِاليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالغَالِيْنَ مَعَ عَلِيٍّ عليه السلام .
فَبِالْحَقِيْقَةِ لَا أَعْظَمَ مِنْ دَسَائِسِ أَهْلِ الشُّبَهِ وَالأَهْوَاء، وَهَذِهِ حِبَالَةُ إِبْلِيْسَ الَّتِي اتَّخَذَهَا للإِغْوَاء.
عَصَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُؤْمِنِيْنَ عَنْ طُرُقِ الضَّلَالِ وَالغِوَايَة، وَثَبَّتَنَا عَلَى الدِّيْنِ القَوِيْم، وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ سَبِيْلِ الحَقِّ وَالهِدَايَة، وَرَزَقَنَا التَّوْفِيْق، وَالْكَوْنَ مَعَ خَيْرِ فَرِيْق، وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ حُمَاةِ الدِّيْنِ إِلَى يَوْمِ حَشْرِ العَالَمِيْن. آمين.
قال في الأُمِّ: حُرِّر (غُرَّة شَعبانَ الوَسِيْم -سنة 1369 هـ).
وَلَمَّا اطَّلَعَ مَوْلَانَا العَلَّامَةُ، شَرَفُ الْمِلَّةِ الإِسْلَامِيَّة، وَصَفْوَةُ السُّلَالَةِ العَلَوِيَّة الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحُوْثِيُّ حَفِظَهُ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الرِّسَالَةِ الشَّافِيْةِ، قَالَ مَا لَفْظُهُ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ.
اطَّلَعْتُ عَلَى هَذِهِ الرِّسَالَةِ وَالجَوَابِ الشَّافِي، فَلَقَدْ أَجَادَ الْمُجِيْبُ وَأَفَادَ، فَجَزَاهُ اللَّهُ عَنِ الْعِتْرَةِ الْمَظْلُومَةِ خَيرًا، وَليَعْلَم أَنَّهُ مَنْصُورٌ مَنْ نَصَرَهُم، مَخْذُولٌ مَنْ خَذَلَهُم، وَأَنَّ الأَصْلَ فِي هَذَا شِدَّةُ التَّحَامُلِ عَلَى العِتْرَةِ حَسَدًا وبَغْيًا مِنْ أَيَّامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَى يَومِ القِيَامَةِ؛ لِمَا ظَهَرَ فِيْهِمْ مِنَ الآيَاتِ وَالأَخْبَارِ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُم خَلِيْفَتُهُ صلى الله عليه وآله وسلم فِي أُمَّتِهِ، وَأَنَّهُمُ الأَمَانُ مِنَ الضَّلَالِ، وَأَنَّهُم أَئِمَّةُ الأُمَّةِ، فَبَالَغَ القَوْمُ فِي طَمْسِ آثَارِهِم؛ حُبًّا للرِّئَاسَةِ، وَلِذَا قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام : (ضَرَبَ ليَ الدَّهْرُ حَتَّى قُرِنْتُ بِفُلَانٍ وَبِفُلَانٍ، ثُمَّ ضَرَبَ لِي الدَّهْرُ حَتَّى قُرِنْتُ بِمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ العَاصِ).
وَقَالَ يَومَ الدَّارِ -فِيْمَا رَوَاهُ الوَاقِدِيُّ- لِبَنِي هَاشِمٍ : (إِنَّ القَوْمَ عَادَوْكُمْ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم عَدَاوَتَهُمْ إِيَّاكُمْ في حَيَاتِهِ، وَلَا وَاللَّهِ يُنِيبُونَ إِلَّا بِالسَّيْفِ).
ثُمَّ تَجَاوَزَ بِهُمُ الْحَدُّ إِلى قَصْدِ إِبَادَتِهِمْ، وَلِذَا قَالَ عَلِيٌّ: (وَدَّ مُعَاوِيَةُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ نَافِخُ ضَرَمَةٍ) ، مِصْدَاقَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم : إِنَّ عِتْرَتِي سَتَلْقَى مِنْ أُمَّتِي قَتْلًا وَتَشْرِيدًا .
فَقَتَلُوهُم وَشَرَّدُوهُم، فَبَعْضٌ شُرِّدَ إِلَى الْجِيْلِ وَالدَّيْلَمِ، وَبَعْضٌ إِلَى اليَمَنِ، وَكَأَنَّهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم : إِذَا حَلَّت الفِتْنَةُ بِأَرْضِ الشَّامِ فَعَلَيْكُمْ بِأَرْضِ اليَمَنِ ، فَوَجَدَتِ الْعِتْرَةُ شِيْعَةً نَصَرُوهُمْ، وَقَامُوا بِحَقِّهِمْ مِنَ الإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيْمِ لأَحْيَائِهِم وَأَمْوَاتِهِم، وَلَا زَالَ السَّلَاطِيْنُ يُحَارِبُونَهُم، وَيُبَالِغُونَ فِي قَصْدِ
إِطْفَاءِ أَنْوَارِهِمْ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ.
وَتَقَرَّبَ فُقَهَاءُ السُّوءِ الْمُؤْثِرُونَ لِلْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ بِوَضْعِ أَحَادِيْثَ مُطَابِقَةً لِأَغْرَاضِ السَّلَاطِيْن؛ تَقَرُّبًا إِلَيْهِمْ، وَطَمَعًا فِيْمَا لَدَيْهِمْ، وَبَعْضُهُمْ شَقَاوَةً بِمَا كَسَبَت أَيْدِيْهِمْ، وَلِخُبْثِ الْمِيْلَادِ، حَتَّى قَرَّرُوا لَهُمْ وَبَيْنَ العَامَّةِ مِنْ أَنَّ أَئِمَّةَ الْعِتْرَةِ -لَمَّا جَاهَدُوهُم- خَوَارِجُ، وَتَارَةً يَعُدُّونَهُمْ وَشِيْعَتَهُمْ رَوَافِضَ، حَتَّى تَجَاوَزَ بِهِم الْحَدُّ إِلَى عَدِّ مَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ مِنْ شِيْعَتِهِمْ مِنَ الإِجْلَالِ شِرْكًا: مِنْ زِيَارَتِهِمْ، وَالاِنْحِنَاءِ بِالتَّسْلِيْمِ عَلَيْهِمْ، وَيَعُدُّونَ الْجَهْرَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ بِدْعَةً، وَلَكِنَّ الْمَوْعِدَ القِيَامَةُ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ، وَالسَّلَامُ خِتَامٌ.
بِتَارِيْخِهِ: (شوال-سنة 1369 هـ). وَكَتَبَ الْحَقِيْرُ: حَسَنُ بْنُ حُسَيْنٍ -وَفَّقَهُ اللَّهُ-.
تَمَّ نَقْلًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِيْنَ.
نساخته- يوم الأربعاء (27 -رجب- 1370 هـ) بِقَلَمِ الْمُفْتَقِرِ إِلَى عَفْوِ الْمَلِكِ الْمَنَّان: عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى شَيْبَان.