💬 مسائل الخلاف بين المذاهب

👥 المتحاورون: السيد العلامة الحجة محمد عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله(مع) جميع الفرق المخالفة
حجم الخط:

🔰 المقدمة..

بسم الله الرحمن الرحيم

✳️ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك وترحم على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله الطاهرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وبعد:
فقد التمس مني بعض الإخوة الفاضلين- وضعَ كتاب يشتمل على أهم النقاط التي يختلف فيها علماء المسلمين، والتي افترقوا عنها حتى صاروا فرقاً كثيرة كل فرقة تضلل الأخرى، وأن أذكر ما يستدل به كل فريق على صحة ما يذهب إليه، وبطلان ما سواه، وأن أذكر المقاولات التي جرت بين أهل المذاهب في هذا الباب؛ لما في ذلك من إظهار الحق ونصره، وتوضيح الحقيقة وكشفها.
فأجبته إلى هذا المطلب نزولاً عند رغبته، مع كبير ظني أن خفاء الحق وخفاء أدلته لم يكونا يوماً مّا سبباً لإعراض الناس عنه، وعدم مبالاتهم به، وقلة اتِّباعه.

🔰 العقل وأحكامه.....

شرف الله تعالى الإنسان وفضَّله بالعقل على سائر الحيوانات، فهو من أكبر نعم الله على الإنسان، وللعقل طاقات هائلة
وقدرات متنوعة، فبواسطة العقل استطاع الإنسان أن يخوض البحار، ويغزو الفضاء، وأن يستخرج كنوز الأرض، وبواسطته سخر الإنسان خيرات الأرض لمنافع المواصلات والنقل، وفي مجال الصحة والاقتصاد والصناعة و ... إلخ.
وبواسطة العقل يتوصل الإنسان إلى كسب المعارف والعلوم، وبه يهتدي إلى أسباب السلامة والأمن، ويتجنب سبل المهالك والمخاوف.
وللعقل قوة إدراك تنفذ إلى ما وراء المحسوس عن طريق مقدمات فكرية يركبها العقل، أو عن طريق التمثيل ((القياس))، أو طريق الاستقراء، أو ... إلى آخر ما يذكر من الطرق الفكرية في علم المنطق.
وأحكام العقل من أوثق الأحكام عند العقلاء وأصحها -إن لم نقل إنها أصح الأحكام وأوثقها-، وذلك أمر مفروغ منه عندهم، ودليله الوجدان.
إلا أن هناك خلافاً بعد هذا الوفاق بين أعظم فرقتين من المسلمين هما: أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم، وبين العدلية الذين هم: الزيدية وسائر فرق الشيعة والمعتزلة.

🔰الأشعرية: لا وثوق بحكم العقل.....

فقال أهل السنة والجماعة كما في ((شرح المقاصد)) و ((المطالب العالية)): إن العقل لا يدرك حسن الفعل ولا قبحه، وإنه لا وثوق بحكمه في هذا الباب.
وشرح ذلك: أن استحقاق فاعل الظلم مثلاً للعقاب آجلاً، واستحقاق فاعل العدل والإحسان للمدح والثواب آجلاً من أحكام الشرع، أما العقل فلا حكم له في ذلك ولا وثوق بحكمه.
وعلى هذا فالشرع وحده هو الذي يحكم في هذا المجال، فما أمر به الشرع فهو حسن يستحق فاعله المدح والثواب آجلاً، وما نهى عنه فهو قبيح يستحق فاعله الذم والعقاب آجلاً، حتى قالوا: إن الشرع لو أمر بما نهى عنه صار حسناً، ولو نهى عما أمر به صار قبيحاً.

🔰العدلية: حكم العقل في هذا المجال من أوثق الأدلة.....

وقالت العدلية: إن حكم العقل في هذا المجال من أوثق الأدلة وأصحها، وأن له قوة لإدراك قبح الظلم وحسن العدل، ويجزم باستحقاق فاعل الظلم للذم والعقاب آجلاً، وباستحقاق فاعل العدل للمدح والثواب آجلاً.
وقالوا: إن الفعل يقبح لوجوه واعتبارات إذا حصلت قبح الفعل، وإذا انتفت حسن الفعل، فمثلاً: قتل الشخص للاقتصاص منه أو للردة أو للزنا حسن، وقتله بغير حق قبيح.
ولنستعرض هنا ما يدور بين الطرفين من المقاولات والمجادلات من غير بخس ولا تحريف ولا تشويه، ثم نَدَعْ بعد ذلك المجال مفتوحاً للناظر ليختار بعقله أرشد الأمرين، ويميز بفطرته أهدى الطائفتين، وذلك هو الواجب على المسلم، فقد قال تعالى: فَبَشِّرْ عِبَادِ 17 الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ 18 [ الزمر ].

🔰العدلية: لايشك كل عاقل في أن فاعل العدل يستحق المدح.....

✳️ لا يشك أي عاقل حتى ولو لم يتدين بدين في أن فاعل العدل والإحسان يستحق المدح والثناء، وأن فاعل الظلم والعدوان يستحق الذم والمقت، وأن تطاول الزمان لا يغير هذا الحكم، وهذا أمر وجداني يجده العاقل مركوزاً في فطرته.
ومن هنا فإنا لا نزال نسمع الثناء الجميل والوصف الحميد لرجالات عرفوا في صدر الإسلام بالعدل وحسن السيرة، ولا نزال نسمع اللعائن وسوء الذكر لرجالات في تلك العصور الغابرة، فلم تغير -كما ترى- مئات السنين من جدة وطراوة المدح أو الذم شيئاً.

🔰 الأشعرية: حكم العقل في ذالك من قبيل العادات.....

وقال أهل السنة في الجواب على ذلك: نحن نقول بأن العقلاء يستحسنون العدل ويستقبحون الظلم، غير أن ذلك إنما كان من أجل ملاءمة الطبع ومنافرته، ولا نزاع فيما كان كذلك، وحصول الذم والمدح إنما كان على حسب مجاري العادات، وحينئذ فالذي حكم بحسن المدح والذم هو العادات التي نشأت عليها الأجيال وليس العقل، ولا شك أن للعادات أحكاماً في هذا الباب.
ألا ترى أن أمة من الناس تستحسن أكل الضب مثلاً بينما أمة أخرى تستقبح أكله، وما ذاك إلا من أجل العادة، وأمثلة ذلك كثيرة.

🔰العدلية: العادات تختلف باختلاف البلدان.....

قالت العدلية: العادات تختلف باختلاف البلدان والشعوب، ولو كان استحسان المدح والذم ناشئاً عن العادة لاختلفت عادة الناس فيه بحسب اختلاف بلدانهم كما هي الحال في كل ما كان ناشئاً عن العادات والتقاليد، غير أنا لما رأينا اتفاق الناس على اختلاف شعوبهم وبلدانهم على استحسان المدح والذم علمنا أن العقل هو الذي نشأ عنه الحكم بذلك.

🔰استدلال العدلية: لو لم يكن الكذب قبيح لحسن من الله سبحانه.....

وقالت العدلية أيضاً: لو لم يكن الكذب قبيحاً لحسن منه تعالى الكذب، وخلق المعجزة على يد الكاذب، وفي ذلك إبطال الشرائع وبعثة الرسل؛ إذ لا يتبين صدقه تعالى من كذبه، ولا النبي من المتنبي.
وتوضيح ذلك: أن أهل السنة قالوا: إن القبائح كلها شرعية، بمعنى أن ما أمر الله تعالى به فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح، وهذا في حق المخلوقين، أما الخالق تعالى فلا آمر له ولا ناهي فله أن يفعل ما يشاء، وما فعله فهو حسن، فله أن يفعل الصدق وأن يفعل الكذب، وأن يفعل العدل والظلم، و ... إلخ، وكل ذلك حسن من فعله إذ لا آمر له ولا ناهي.
فإذا كان الأمر كذلك فلا يمتنع عندهم أن يجعل الله تعالى المعجزة على يد الكذاب، ومن هنا قال بعضهم بفساد هذا
المذهب، وبعضهم قال: لا يمكن تنزيه الرب تعالى عن الكذب إلا على رأي العدلية القائلين بالقبح العقلي.
واستدلت العدلية أيضاً بأن خصومهم وإن كابروا يفرقون بضرورة عقولهم بين الإحسان والإساءة، وبين الظلم والعدل، وهذه حقيقة مركوزة عند جميع العقلاء قبل ورود الشرائع وبعدها، وهذه الحقيقة المركوزة في فطر العقول لا تتغير بسبب الأوامر والنواهي.

🔰 الأشعرية: لوكانت القبائح ثابتة بالعقل لاستحق فاعلها العقاب.....

استدل أهل السنة والجماعة فقالوا: قال الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا 15 [ الإسراء ]، ولو كانت القبائح ثابتة بالعقل لاستحق فاعلوها العقاب والعذاب قبل بعثة الرسل، فلما نفى الله تعالى أن يعذب أحداً حتى تأتيه الرسل علمنا أنه لا وجود للقبائح قبل بعثتهم.
أجابت العدلية: بأنه لا دلالة في الآية على نفي القبائح العقلية بأي نوع من أنواع الدلالة، اللهم إلا توهمهم الملازمة بين انتفاء العذاب وانتفاء القبائح، وهو توهم غير صحيح، بدليل أن المعنى الذي تفيده الآية بظاهرها: أن الله تعالى لكرمه وعظيم رحمته لا يعذب أحداً بعد استحقاقه العذاب حتى يرسل إليه رسولاً ينذره عاقبة ذنبه.
ومن البعيد غاية البعد أن يدور في فكر أي عاقل أن الظلم والبغي والعدوان وعبادة الأصنام، و ... إلخ كانت حسنة قبل بعثة الرسل.

🔰 أفعال العباد

🔰الأشعرية: العبد غير مختار في أفعاله لأن الله هو خالقها.....

احتج أهل السنة فقالوا: العبد غير مختار في أفعاله؛ إذ أن الله تعالى هو الذي خلقها، لا فعل للعبد فيها ولا إرادة ولا مشيئة، وحينئذ فلا يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح؛ لأن ما ليس اختيارياً كالطول والقصر لا يحكم فيه العقل بشيء من ذلك بالاتفاق.

🔰العدلية: احتجاجكم بمذهبكم ليس بدليل.....

أجابت العدلية: بأن حجتكم هذه احتجاج منكم بالمذهب، ومذهبكم ليس دليلاً، ويمكننا أن نحتج عليكم بمثل حجتكم فنقول: العبد مختار في أفعاله يفعلها بمجرد اختياره ومشيئته وإرادته، وحينئذ تتوجه أحكام العقل إليها.

🔰الأشعرية: لو فعل العبد المعصية لكان منازعا لله.....

وقال أهل السنة: لنا دليل على أن العبد غير مختار في أفعاله زيادة على ما ذكرنا هو: أنه لو كان الفعل من العبد لكان العبد بفعله المعصية والفساد منازعاً لله تعالى ومغالباً له، وعلى ذلك فيكون الباري تعالى عاجزاً ومغلوباً حيث وقع في سلطانه ما لا يريد.

🔰 العدلية: العبد بفعله المعصية لم يقاوم ولم ينازع.....

بأن العبد بفعله المعصية لم يقاوم ولم يغالب ولم ينازع، وإنما مثله كمثل عبد قال له سيده: لا أرضاك تأكل الآرز لمصلحة رأيتها لك، ولا أحبسك عنه لكن إن فعلت عاقبتك؛ فإن أكل العبد للآرز في هذا المثال لا يعد نزاعاً لسيده
ولا مغالبة، ولا يصح أن يقال: إن السيد في ذلك مغلوب ولا عاجز، وهذا ظاهر مكشوف.
استدلت العدلية، فقالت: إن الأدلة السمعية قد عززت ما نقول به من اعتبار أحكام العقل، وذلك في قوله تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا 7 فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا 8 [ الشمس ]، فأخبر الله تعالى أنه خلق النفس البشرية وفطرها على استلهام الفجور والتقوى، وما ذاك إلا بما ركز في فطر عقولها من التمييز بين الخبيث والطيب، والحق والباطل، والعدل والإحسان، والصدق والكذب، والوفاء والغدر، والكرم والبخل، و ... إلخ.
ومن هنا فإنك تجد الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم كثيراً ما يعقب الآية بمثل قوله: أَفَلَا تَعْقِلُونَ، أَفَلَا تَذَكَّرُونَ؛ مما يدل دلالة واضحة على أن العقل بمجرده يميز بين الحق والباطل، والفجور والتقوى، والهدى والضلال و .. إلخ.
بل إن العاقل يكفيه لمعرفة ذلك أن يرجع إلى عقله ليتذكر ما ركز الله فيه من المعرفة، والقدرة على التمييز، وكم في القرآن من مثل قوله تعالى: أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ 13 [ النحل ].

🔰 لا قبيح من الله تعالى.....

اتفق المسلمون بجميع طوائفهم على أن الله تعالى لا يفعل القبيح، وأن أفعاله كلها حسنة، وأنه تعالى عدل حكيم، لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراً عظيماً.
غير أنهم اختلفوا بعد هذا الوفاق في شرح ذلك وتفصيله:

🔰طوائف أهل السنة: الله هو الذي خلق أفعال العباد وأرادها.....

✳️ إن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق معاصي العباد وأرادها وشاءها من الشرك والكفر والفسوق والظلم والكذب والنفاق والزنا واللواط و ... إلخ، لا قدرة للعباد عن ترك ذلك، ولا الانفكاك عنه، وأن الله تعالى حين كلفهم بترك ذلك فإنه قد كلفهم بما لا يقدرون عليه، ولا حيلة لهم في التخلص منه.
هكذا ذكروا في ((شرح المقاصد))، و ((المطالب العالية))، وصرحوا أن الله تعالى يكلف عباده بما لا يطيقون.
واستدلوا على أن الله تعالى يكلف بما لا يطاق بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 6 [ البقرة ]، وما أشبهها من نحو قوله تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 7 [ يس ]، وقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا 11 ... إلى قوله: سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا 17 [ المدثر ]، وقوله تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ 1 ... إلى آخر السورة [ المسد ]؛ فقالوا:
إن الله تعالى قد أخبر عن قوم بهذه الآيات أنهم لا يؤمنون، وخبر الله تعالى صدق لا يمكن تخلفه، وحينئذ فلا يمكن إيمانهم، فصار لذلك تكليفهم بالإيمان تكليفاً بما لا يطيقونه ولا يمكنهم فعله؛ إذ لو فعلوه مع ما أخبر الله عنهم لصار خبر الله تعالى كذباً، وذلك محال.
وهذا هو دليل العلم، ولهم دليل آخر هو دليل الداعي الموجب، وتوضيحه كما في المطالب العالية للرازي: أن الإنسان يجره إلى فعل أي شيء داع من نفسه يرجح له فعل مراده، فإذا حصل هذا الداعي وجب حصول الفعل؛ فيكون الفعل حينئذ اضطرارياً قهرياً، وما كان كذلك من الأفعال لا يوصف بحسن ولا قبح؛ لأن الحسن والقبح لا تتصف بهما إلا الأفعال الاختيارية.
ثم قالوا عن هذا الداعي الذي يدعو إلى الفعل: إما أن يكون من الله تعالى، أو من العبد، أو من غير شيء؛ فإن كان من الله تعالى وجب أن يكون الفعل منه، وحينئذٍ يكون الفعل اضطرارياً لا اختيار للعبد فيه.
وإن كان المؤثر في حصول الداعي هو العبد فنقول: مَن المؤثر في الداعي الذي دعا العبد إلى فعل ذلك الداعي هل هو الله، أو العبد، أو حصل من غير شيء؟ وهكذا إلى ما لا نهاية له، وهو محال.
وإن كان حصول الداعي لا لشيء كان حصول الفعل اتفاقياً، والأفعال الاتفاقية لا توصف بحسن ولا قبح بالاتفاق.

🔰 العدلية: الله برئ من أفعال العباد.....

وقالت العدلية: إن الله سبحانه وتعالى بريء عن معاصي العباد، لم يفعلها، ولم يخلقها، ولم يردها، ولم يشأها، وإن العباد هم فعلوها بإراداتهم ومشيئاتهم، وإن الله تعالى لم يكلف عباده إلا بما يطيقونه من الأعمال، وبما يقدرون عليه من الطاعات، وبما يمكنهم تركه من المعاصي.

✳️ وقالوا في الرد على أهل السنة:
1 -إن تكليف ما لا يطاق قبيح يجب تنزيه الله تعالى عنه، فالله تعالى غني ليست له حاجة إلى أن يكلف عباده بما لا يطيقونه ولا يدخل تحت قدراتهم، ثم يعذبهم في جهنم خالدين.
2 -قد سمى تعالى نفسه بأنه عدل حكيم، وتمدح تعالى بذلك، ولو كان الأمر كما يقوله أهل السنة لصار تمدحه بذلك خالياً عن أي مصداقية.
3 -تمدح تعالى بأنه لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، وأنزل في ذلك قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، ومفهوم الظلم معروف في لغة العرب، ولا ظلم أقسى من الخلود في عذاب جهنم بغير ذنب.
4 -تمدح سبحانه وتعالى بنفي تكليف ما لا يطاق فقال سبحانه: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [ البقرة:286 ]، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [ الطلاق:7 ].
5 -قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة:185 ]، ولا عسر أعسر من تكليف ما لا يطاق.
6 -وقال سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [ النساء:28 ]، وأي تخفيف مع تكليف ما لا يطاق، ثم الخلود في النار.
7 -أما إخبار الله تعالى عن قوم بأنهم لا يؤمنون فإن خبره تعالى بذلك لا يدل على أنهم لا يستطيعون الإيمان ولا يقدرون عليه، وإنما يدل خبره تعالى على أنهم متعنتون ومتكبرون، وعلى أنه قد بلغ بهم العناد إلى حد كبير لا يتوقع معه أن يؤمنوا؛ فأخبر الله تعالى لعلمه بمصائر الأمور وعواقبها عما يصير إليه أمرهم وعاقبتهم، وخبر الله تعالى عن ذلك ليس معناه أنه لا قدرة لهم على الإيمان.
8 -قال تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف:29 ]، وفي هذه الآية دليل واضح على أن للمكلفين مشيئة واختياراً واستطاعة لفعل الإيمان، وفعل الكفر.

🔰 الأشعرية: إن الله يأمر بما لا يريد لإمور.....

قال أهل السنة: إن الله سبحانه وتعالى يأمر بما لا يريد، وينهى عما يريد، وذلك لأمور:
1 -لأنه لو أراد الإيمان من الكافر لحصل الإيمان قطعاً.
2 -ولو أراد الإيمان ولم يحصل مراده لكان عاجزاً.
3 -للاتفاق على أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

🔰 العدلية: الله سبحانه لا يأمر إلا بما يريد لإمور.....

بأن الله سبحانه وتعالى لا يأمر إلا بما يريد، ولا ينهى إلا عما لا يريد، وذلك لأمور:
1 -لأن ذلك من مقتضيات العلم والحكمة، ولا شك أن الله تعالى عليم حكيم.
2 -إرادة الله تعالى لها معنيان
أولهما: إرادته تعالى لفعل نفسه، وهنا لا بد من حصول المراد إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 82 [ يس ].
وثانيهما: إرادته لأفعال عباده العبادية كالإيمان وهنا قد يحصل مراده وقد لا يحصل، وذلك أن الله تعالى قد جعل للمكلفين حرية الاختيار، وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف:29 ].
3 -لا يكون الله تعالى عاجزاً ولا مغلوباً إلا لو أنه تعالى أراد من عباده أن يطيعوه على أي حال طوعاً أو كرهاً، غير أنه
سبحانه وتعالى لم يرد منهم ذلك لقوله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ.
4 -لا ينبغي لجلال الله تعالى أن يريد القبائح؛ لأن إرادة القبائح ومشيئتها رذيلة ومنقصة قبيحة يجب تنزيه الله تعالى عن مثلها.
5 -قولهم: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن- هو قول صحيح غير أن معناه ليس كما يتوهمون، بل معناه الصحيح هو: أن ما يريده الله تعالى من خلق أو تكوين فإنه يكون لا محالة، وما لم يشأ من ذلك فإنه لا يحصل.
أما أفعال عباده فليست من مضمون تلك العبارة، ولم تدخل تحت مفهومها؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد بنى أمر تكليف العباد على اختيارهم فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ.

🔰الأشعرية: آيات تدل على مشيئة الله تعالى للكفر.....

1 -بقوله تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [ فاطر:8 ]، ونحوها من الآيات.
2 -وبقوله تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [ السجدة:13 ].
3 -وبقوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [ يونس:99 ]، ونحو ذلك من آيات القرآن.

🔰 العدلية: اشتبه على أهل السنة معاني هذه الآيات.....

1 -إنه اشتبه على أهل السنة معاني هذه الآيات، والمعنى الصحيح للآية الأولى ونحوها هو: أن الله سبحانه وتعالى يحكم بالضلال على من يشاء ويسميه ضالاً، ويحكم بالهدى على من يشاء ويسميه مهتدياً.
والدليل على صحة هذا التفسير: قوله تعالى في آية البقرة: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ 26 الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ... الآية.
ولو ذهبنا نفسر الآية على ما يتوهمه أهل السنة من أن الله تعالى هو الذي يدخل الكافرين في الضلال والكفر، ويدخل الفاسقين في الفسوق إدخالاً لا اختيار لهم فيه، ولا حيلة لهم في دفعه- لصاحت في وجوهنا أسماء الله الحسنى: الرحمن الرحيم الرؤوف البر الحكيم الغني الحميد المجيد، ولكنا بذلك قد عطلنا هذه الأسماء الحسنى عما تحمله من المعاني العظيمة، ولأخرجنا الباري عز وعلا من جلال الربوبية وسعة رحمتها إلى السمات الشيطانية وخستها؛ لأن الشيطان كما وصفه الله في القرآن هو الذي يريد أن يضل الناس ضلالاً بعيداً، وهو القائل كما حكى الله عنه: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ... الآية [ النساء:119 ].
2 -أما قوله تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [ السجدة:13 ]، فالمعنى الصحيح المتوافق مع عدل الله وسعة رحمته: أن الله سبحانه وتعالى لو شاء وأراد أن يدخل الناس جميعاً في الهدى إدخالاً ويرغمهم على ذلك إرغاماً لفعل ذلك، ولكانوا مهتدين جميعاً، غير أنه تعالى أراد أن يكونوا مطلقي الاختيار والإرادة، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف:29 ].
ولو أن الله جل جلاله سلب العباد حرية الاختيار والإرادة لارتفع التكليف، ولم يحسن حينئذ من الله أن يبعث الرسل، ولا أن ينزل الكتب، ولما كان هناك وجه ولا سبب للحساب والجزاء.

🔰 الأشعرية: لايقبح من الله قبيح ولاظلم

✳️ الله سبحانه وتعالى هو رب العالمين، ولا يقبح منه قبيح ولا ظلم ولا إثم، فهو الذي يخلق الكافر، ويخلق فيه الكفر ويقيده به، ثم يعذبه في نار جهنم، وذلك منه تعالى عدل حسن، وذلك لأنه رب يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ 23 [ الأنبياء ].
ومع ذلك فهو رحمن رحيم، عليم حكيم، رؤوف بالعباد، ولا حق للعبد أن يسأل أو يعترض على أفعال الله، فله أن يفعل ما
يشاء من غير حظر ولا حجر؛ لأنه لا رب فوقه يأمره وينهاه، وله أن يسمي نفسه بما يشاء.

🔰العدلية: تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به من المخازي.....

✳️ الإسلام هو دين الفطرة فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [ الروم:30 ]، ومن هنا خاطب الله أهل العقول واختصهم بالنداء، ووصف الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه بقوله: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [ الأعراف:157 ]، فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأت الناس إلا بما تعرفه فطر العقول، ولم ينههم إلا عما تنكره فطر العقول.
وحقاً فإن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ 23، ولم نزد نحن العدلية على الإيمان بما جاءنا من عند الله والسمع والطاعة، فسمينا الله تعالى بما سمى به نفسه، وأثبتنا له جل جلاله كل ما تحمله أسماؤه الحسنى من المعاني العظيمة، ونفينا عنه كل ما تحمله كلمة الظلم من المعاني، ونزهناه عما لا يليق به من المخازي، وفسرنا ما اشتبه علينا معناه من آيات القرآن تفسيراً لا يتناقض مع تلك الحقائق التي ذكرناها.

🔰الأشعرية: آيات وأحاديث تدل على أن أفعال العباد من الله سبحانه .....

قال أهل السنة: إن أفعال العباد من فعل الله تعالى؛ فهو الذي فعلها وخلقها، وأرادها وشاءها، الطاعات منها والمعاصي.
قال في شرح المقاصد بعد أن ذكر الأدلة العقلية على ذلك: ثم لا يخفى ما في الوجوه المذكورة من الضعف، والأولى التمسك بالكتاب والسنة .. إلخ.
وها هي الأدلة من الكتاب والسنة التي ذكروها:
1 -ما ورد في معرض التمدح بأنه الخالق وحده كقوله تعالى: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ 16 [ الرعد ]، وقوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ... الآية [ الأنعام:101 ]، وقوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ 49 [ القمر ].
2 -قوله تعالى: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ 95 وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ 96 [ الصافات ].
3 -قوله تعالى: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [ فاطر:3 ]، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا [ النحل:20 ]، وقوله تعالى: مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [ لقمان:11 ].
4 -قوله تعالى: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [ البقرة:128 ]، وقوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [ إبراهيم:40 ]، وقوله تعالى: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا 6 [ مريم ].
5 -نحو قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ 16 [ البروج ]، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ 27 [ إبراهيم ]، و يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ 1 [ المائدة ].
6 -ومنها: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء:78 ]، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل:53 ]، و إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 40 [ النحل ]، و كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ [ المجادلة:22 ]، وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى 43 [ النجم ]، و هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ يونس ]، مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ [ النحل:79 ].
ومن السنة: ما روي أنه احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده تلومني على أمر قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؛ فحج آدم موسى ... » أخرجه البخاري ومسلم.
وبحديث: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد ألا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره ... أخرجه مسلم وغيره.
وحديث: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أخرجه مسلم وغيره.
وحديث: إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته ذكره ابن كثير في تفسيره، وغيره.
وحديث: ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه رواه مسلم وغيره.
وحديث: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً ما يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك الترمذي.

🔰العدلية: تفسير الآيات بما يتناسب مع عدل الله وحكمته.....

1 -أما الدليل الأول فالآيات التي استدلوا بها عمومات مخصوصة بأفعال العباد؛ جمعاً بين الأدلة القرآنية.
2 -ودليلهم الثاني ((ما)) في الآية موصولة لا مصدرية، بقرينة أول الكلام وهو: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ 95 وهذا مع أنه لا يصح الاستدلال بما فيه احتمال.
3 -والدليل الثالث إن سلم العموم فمثل الدليل الثاني.
4 -وما ذكر في الدليل الرابع مبني على المجاز، والمراد التوفيق والألطاف.
5 -أما الدليل الخامس فليس فيه أي دلالة على ما يقولون.
6 -وما في الدليل السادس من قوله تعالى: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء:78 ]، يفسره ما بعده، وهو قوله تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ النساء:79 ]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا
أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 40} [ النحل ]، ليس فيها دلالة البتة، و أَضْحَكَ وَأَبْكَى 43 [ النجم ]، و يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ يونس ] معناه: أن الله تعالى هو الذي أنعم على عباده وتفضل عليهم بخلق وإيجاد أسباب ذلك.
و كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ [ المجادلة:22 ] مجاز بالاتفاق، ودلالته محتملة، ولا يصح الاحتجاج بالمحتمل، و مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ [ النحل:79 ] المراد: بما وفر للطائر من أسباب الطيران من الأجنحة والهواء.
أما الأحاديث فهي من حديث الآحاد، ولا تفيد إن صحت إلا الظن، والمطلوب العلم.
هذا، ولم يعول الرازي على الأدلة السمعية من الكتاب والسنة، واقتصر في الجواب على أنها متعارضة، واعتمد بدلاً عن ذلك على دليل الداعي، ودليل العلم الأزلي.

🔰العدلية: من الأدلة العقلية والسمعية على تنزيه الله سبحانه من أفعال العباد.....

1 -كل أحد يجد من نفسه الفرق الواضح بين الحركات الاضطرارية كالارتعاش من المرض أو البرد، والحركات الاختيارية كالمشي على الأرض، وليس الفرق إلا أن إحداهما صادرة عن إرادته واختياره، والأخرى صادرة بغير اختياره وإرادته.
2 -ويجد بالضرورة أن تصرفاته واقعة بحسب قصده وداعية نفسه.
3 -حسن مدح من أحسن إليك وذم من أساء، وما ذاك إلا لتعلق الفعل بفاعله وصدوره عنه، ومن هنا فإنه لا يحسن ذم البريء، ولا يتوجه مدح التارك للإحسان.
4 -نعلم بالضرورة أنه يتأتى المشي والقيام من الصحيح البنية دون الْمُقْعَد.
5 -لولا استقلال العبد بفعله لبطل المدح والذم، والثواب والعقاب، والوعد والوعيد، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ولما كان هناك فرق بين الكفر والإيمان، والإساءة والإحسان، والتسبيح والهذيان.
6 -لو كان الله تعالى وتقدس هو الذي خلق أفعال العباد لصح اتصافه بها فيقال: إنه تعالى وتقدس كافر وظالم وفاسق و ... إلخ.
7 -إن من أفعال العباد قبائح يقبح من الحكيم خلقها كالظلم والشرك والزنا و ... إلخ.
ومن السمع استدلوا بأدلة كثيرة، منها
1 -إسناد الأفعال إلى العباد وهو كثير مثل: يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، يَعْمَلُونَ، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [ فصلت:46 ]، وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ [ البقرة:197 ]، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا
تَصْنَعُونَ 45} [ العنكبوت ]، حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا 70 [ الكهف ]، وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا [ الحديد:27 ].
2 -آيات دالة أنه لا مانع من الإيمان مثل: فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 20 [ الانشقاق ]، لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [ آل عمران:71 ]، كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [ البقرة:28 ]، لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ آل عمران:99 ]، ونحو ذلك.
3 -آيات دالة على تعليق أفعال العباد بمشيئتهم مثل: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [ فصلت:40 ]، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف:29 ].

🔰هروب الأشاعرة من الجبر وتناقضاتهم.....

1 -نحن نقول إن أفعال العباد واقعة على حسب قصودهم ودواعيهم، وإنها متعلقة بهم ومنسوبة إليهم، وإنها مقدورة للعبد، ونسميها الأفعال الاختيارية، وهي واقعة بكسبه، والله تعالى هو الذي خلقها وأوجدها.
2 -خلق القبيح ليس بقبيح، وإنما القبيح فعل القبيح، وهذا إن سلمنا لكم الحسن والقبح العقليين، وعللوا ذلك بأن خلق القبيح ربما تكون له عاقبة حسنة.
3 -لا يصح أن يسمى الله تعالى كافراً وفاسقاً وظالماً و ... إلخ، وإن كان هو الذي خلق الكفر والفسوق والظلم، والذي يسمى بذلك هو الذي يتصف به.
4 -الآيات التي يستدل بها العدلية مثل: يَعْمَلُونَ، تَصْنَعُونَ و ... إلخ، نقول: إنها وما أشبهها مبنية على المجاز إما في الإسناد أو في المسند.
5 -الآيات التي في مشيئة العباد، مثل: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [ فصلت:40 ]، نقول: إن مشيئة العباد متوقفة على مشيئة الله بدليل قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ... [ التكوير:29 ].
وأخيراً قال بعض أئمة أهل السنة كما في شرح المقاصد: العبد مضطر في صورة مختار.
وقال بعضهم: إنه لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين، قالوا ذلك بعد أن تحيروا في هذه المسألة، وأعيتهم الأدلة المتعارضة، وفسروا الأمر بين الأمرين بالتوسط بين الإفراط والتفريط، وذلك هو القول بالكسب، قالوا ذلك بعد أن رأوا الأدلة من الجانبين متعارضة؛ فعملوا بأدلة أهل السنة، وعملوا بأدلة العدلية.
فقالوا: إن المكلف مختار في فعله غير مجبر، ثم قالوا: إن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق أفعال المكلفين.
وهذا المذهب -الذي هو مذهب التوسط بين الجبر والاختيار- هو مذهب الجم الغفير من أهل السنة والجماعة،
وأول من أخرجه للناس أبو الحسن الأشعري، وعليه استقرت مذاهب الأكثرية من أهل السنة والجماعة، وهو مذهب جمعوا فيه وخلطوا بين مذهب العدلية والجبرية فقالوا: العبد مختار يفعل ما يشاء، والله تعالى هو الذي خلق الفعل.
وأحياناً يقولون: إن الله تعالى هو الذي خلق أفعال العباد، وللعباد منها كسب.
كسب الأشعرية

🔰ما هو كسب الأشعري؟.....

لم يظهر إلى حد الآن ماهية الكسب، ولا مفهومه، ولا المعنى الذي يراد بكلمة الكسب، وقد تحيرت علماء الأشاعرة في تفسيره وحيروا أتباعهم، وعجزوا عن التعبير عن هذا الخيال، وهم في قرارة أنفسهم يعلمون أنهم في دائرة الإشكال.
ومن هنا اعترف التفتازاني وهو من أكبرهم في نصرة هذا المذهب بصعوبة إيضاح معنى الكسب.
وقال الغزالي: لا تُعْرَف مسألة الكسب لا في الدنيا ولا في الآخرة!!
وقال ابن عربي: مكثت ثلاثين سنة أبحث عنها ولم أعرفها!! ثم اعترف بمذهب الجبر ودان به، ثم قال: والذي أظنه أن الأشعري إنما قال بالكسب مع معرفته أنه ليس تحته مسمى تستراً عما يلزم القول بالجبر من اللوازم.
وأكثر ما يفسرون به الكسب هو أن العبد محل لما يجريه الله تعالى فيه من الأفعال، وحينئذ فيكون مذهب الأشعرية هو مذهب الجبرية بعينه، ومن هنا صرح الجويني في مقدمة كتابه البرهان بأن الكسب تمويه، بل لو سئلوا عن كل جزء من أجزاء الفعل وما يترتب عليه هل هو من الله أو من العبد، فإن قالوا: من الله؛ فهو مذهب الجبر، وإن قالوا: من العبد؛ فهو مذهب العدلية.
غير أن الأشعرية جميعاً يقولون: إن الله تعالى هو الذي خلق أفعال العبيد من المعاصي والطاعات، وأرادها وشاءها، ويعترفون ببطلان مذهب الجبر مع أن الجبر هو عين مذهبهم.

🔰 ابطال أهل السنة مذهب الجبر وتعليق العدلية عليهم.....

قال ابن القيم في سياق ذم من استدل بالقدر على الجبر: فهو أي الاستدلال بالقدر وحمل العبد ذنبه على ربه وتنزيه نفسه الجاهلة الظالمة الأمارة بالسوء، وجعل أرحم الراحمين وأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأغنى الأغنياء أضر على العباد من إبليس، ثم ذكر ابن القيم حكايات يشنع بها على المجبرة منها:
قيل لبعضهم: أترى الله كلف عباده ما لا يطيقون، ثم يعذبهم عليه؟
قال: والله قد فعل ذلك، ولكن لا نجسر أن نتكلم.
وقال بعضهم -وقد ذكر له من يخاف من إفساده؟ - فقال: لي خمس بنات لا أخاف على إفسادهن غير الله.
إلى أن قال: وسمعت ابن تيمية يقول: القدرية المذمومون في
السنة، وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاث: نفاته، وهم القدرية المجوسية المعارضون به للشريعة الذين قالوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [ الأنعام:148 ]، وهم القدرية المشركية، والمخاصمون به للرب سبحانه، وهم أعداء الله وخصومه، وهم القدرية الإبليسية وشيخهم إبليس، وهو أول من احتج على الله بالقدر فقال: بِمَا أَغْوَيْتَنِي [ الحجر:39 ] ... إلخ.
قلت: فأهل السنة والجماعة معترفون ببطلان مذهب المجبرة، ومتبرئون منه، ومشنعون على أهله، وحاكمون بضلالهم، ويسمونهم قدرية كما سمعت في كلام ابن تيمية، ومع ذلك فهم يدينون به ويعتقدونه.
وتوضيح ذلك: أنهم أبطلوا مذهب المجبرة الذين يقولون: إن معاصي العباد وطاعاتهم من خلق الله تعالى وفعله بإرادته ومشيئته، ثم أبطلوا مذهب العدلية الذين يقولون: إن المعاصي والطاعات من فعل الإنسان وصنعه بإرادته ومشيئته واختياره؛ فلما أبطلوا هذين المذهبين وحكموا بفسادهما وبطلانهما أخذوهما وجمعوهما وخلطوهما وجعلوهما مذهباً لهم، وقالوا إنه هو المذهب الحق؛ فقالوا: إن المعاصي والطاعات من فعل العبد يفعلها بإرادته واختياره، والله تعالى هو الذي خلقها بإرادته ومشيئته.
هكذا يقولون، فإذا ذهبت تستوضح مذهبهم هذا وجدتهم يذهبون إلى أن الله تعالى هو وحده الخالق للمعاصي والطاعات بإرادته ومشيئته وقضائه وقدره، لا شريك له في ذلك.
والعدلية يعلقون على ذلك ويقولون:
1 -إذا كان مذهب الجبر باطلاً ومذهب العدل باطلاً فكيف صح لكم يا معاشر أهل السنة أن تجمعوا بين شيئين باطلين، وتجعلوه حقاً فإن جمع الباطل إلى الباطل يكون باطلاً لا حقاً.
2 -إذا كان مذهب الجبر باطلاً بإقراركم واعترافكم، فإنه يجب أن يكون مذهب العدلية حقاً، وذلك أنه لا يمكن أن تضل الأمة جميعاً عن الحق.

🔰الأشعرية: السواد الأعظم يدينون بما نقول.....

✳️إنهم السواد الأعظم والجم الغفير، ومذهبهم هو المذهب المنتشر في جميع بلدان المسلمين، وبه دان السلف والخلف، ومضت عليه الأمة قرناً بعد قرن، وبذلك يكون مذهبهم هو المذهب الحق في كل ما ذهبوا إليه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من ناواهم حتى تقوم الساعة.
وهذا في حين أن مذاهب الشيعة والمعتزلة وغيرهم من سائر المذاهب كلها مذاهب غير ظاهرة، وأهلها أقليات متضائلة لم تدن بها جماهير المسلمين من الأسلاف والأخلاف على ممر الزمان
وتتابع القرون، ولم يثبت لها أي وجود معتبر على الساحة منذ فجر التأريخ الإسلامي.
وقد جاء في الحديث: خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... .

🔰العدلية:الأكثرية ليست معيار للحق.....

1 -أن الأكثرية ليست دليلاً على الحق، وبذلك جاءت النصوص القرآنية نحو قوله تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ 103 [ يوسف ]، وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ 102 [ الأعراف ]، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ [ ص:24 ]، وأمثال ذلك في القرآن كثير.
ولو استقام الاستدلال بالأكثرية لصح أن يستدل على إبطال نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم جاء بالرسالة بكثرة المشركين وغلبتهم، ولا يستدل بمثل ذلك إلا مغفل شديد الغفلة.
2 -الأركان التي يقوم عليها مصداقية المذهب هي الأدلة والحجج والبراهين القطعية، وقد شهدت على مذهب الجبر والكسب بالبطلان.
3 -حديث: لا تزال طائفة من أمتي ... إلخ - حديث صحيح غير أن معنى الحديث ليس كما توهموا حيث فسروا الظهور بالكثرة والغلبة، بل معناه الظهور بالحجة والأدلة
والبراهين بدليل ما ذكرنا من الآيات المتقدمة في هذه المسألة، وبدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا قهر أهل الباطل أهل الحق أو كما قال.
وتواريخ الصالحين في الأمم السابقة واللاحقة تشهد لذلك فطالما عاشوا في الدنيا معذبين ومقهورين، كانوا ينشرون بالمناشير، ويحرقون في الأخاديد بالنار.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بما سيأتي من بعده من سيطرة الظالمين وغلبتهم، وأنهم يصلون الصلاة في غير وقتها؛ فأرشدهم صلى الله عليه وآله وسلم بما هو مذكور في كتب الحديث إذا حدث ما أخبرهم به.
4 -حديث: خير القرون قرني ... إلخ حديث آحادي لا يفيد عند صحته إلا الظن، والمطلوب فيما نحن فيه القطع واليقين.
يستدل أهل السنة والجماعة على بطلان مذاهب خصومهم بما يلي:
1 -في الحديث المشهور: القدرية مجوس هذه الأمة وقد اشتهر في سلف الأمة وخلفها أن القدرية هم المعتزلة والشيعة؛ لأنهم يقولون: إن المعاصي ليست بقدر.
2 -اشتهر عند السلف والخلف ذم الروافض وضلالهم، والروافض هم الشيعة عند السلف والخلف.
وأجيب: بأن حديث القدرية مجوس هذه الأمة حديث مشهور، غير أن أهل السنة أخطئوا في رميهم للشيعة والمعتزلة بهذا الاسم الذميم، وفي الحقيقة والواقع أنهم أهل هذا الاسم دون غيرهم لإثباتهم القدر، وكثرة لهجهم به، والشهرة بين أهل السنة سلفهم وخلفهم على تسمية العدلية بالقدرية ليست دليلاً، ومن المعلوم أن قول الخصم في خصمه غير مقبول، والعبرة في هذا الباب بالبراهين والبينات لا مجرد الدعوى، وهكذا يقال في تسميتهم لخصومهم بالروافض.
والحق أن الذي يستحق اسم الرفض هو الذي يرفض الحق، ويتأبى من قبوله.

🔰الأشعرية: قال تعالى فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ.....

✳️يدل على ما ذهبنا إليه أيضاً قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [ الأنفال:17 ].

🔰 العدلية: المعنى: أن الله سبحانه وتعالى القى في قلوبهم الرعب.....

✳️ بأن المعنى: أن الله سبحانه وتعالى ألقى في قلوبهم الرعب، وأدخل فيها الفشل مما أدى إلى تخاذلهم، وسيطرة المسلمين عليهم حتى قتلوا فريقاً وأسروا فريقاً، أو أن الله سبحانه وتعالى قتلهم بجنود الملائكة وسيوفهم، وليس المعنى ما تذهب إليه أهل السنة من أن الله تعالى هو الذي خلق أفعال عباده؛ لما سبق من الأدلة.

🔰الأشعرية: آيات تدل على أن الله سبحانه هو خالق المعاصي.....

قوله تعالى: وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ 70 [ يس ].
وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ 118 إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [ هود ].
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 7 [ يس ].
وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [ السجدة:13 ].
إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [ آل عمران:178 ].
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا [ الأنعام:123 ].
وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [ الأنعام:25 ].
قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [ التوبة:51 ]، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ 55 [التوبة].
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [الرعد:15].
كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ 12 لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ [الحجر].
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ 35 [إبراهيم].
وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا [الكهف:28].
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان:31].
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ [فصلت:25].
إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:34].
قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154].
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة:7].
وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الأنعام:25].
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا [البقرة:10].
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [البقرة:253].
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 39 [الأنعام].
وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا [الأنعام:53].
فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ [الأعراف:30].
يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [فاطر:8].
وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ 29 [التكوير].
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف:179].
وفي القرآن شيء كثير من أمثال هذه الآيات، وكلها يدل على أن الله تعالى هو الذي يخلق معاصي العباد وأفعالهم، ويريدها ويشاؤها، ويقضي بها ويقدرها.

🔰العدلية: نقابل احتجاجكم بأضعاف مضاعفة.....

بإمكاننا نحن العدلية أن نقابل ما يحتج به أهل السنة بأضعاف مضاعفة، وكم في القرآن من مثل: تَعْمَلُونَ، تَصْنَعُونَ، جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 14 [الأحقاف].
وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا [الكهف:49].
فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ 31 [الجاثية].
وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ 63 [المؤمنون].
وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا [العنكبوت:17].
لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [الشورى:15].
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ 111 [هود].
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا 112 [طه].
وفي القرآن الكثير من أوله إلى آخره من مثل ما ذكرنا.
هذا، واعلم أن القرآن قد اشتمل على آيات محكمات وآيات متشابهات كما قال سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ
مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ 7} [آل عمران].
لذلك فنقول:
إن الآيات التي يستدل بها أهل السنة والجماعة من المتشابه التي حذر الله تعالى من اتباعها.
والذي يدل على ذلك هو: أن الآيات التي يستدلون بها كل آية منها تحتمل عدة معانٍ، يشتبه على الناظر فيها المعنى المراد، ويتردد ذهنه في المقصود من معانيها، فبعض الناظرين يذهب إلى معنى، وبعضهم يذهب إلى المعنى الآخر.
وإليك بعض الأمثلة من تلك الآيات
1- يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [فاطر:8]، يمكن أن تفسر على عدة معان هي:
2 -أن الله تعالى يدخل في الضلال من يشاء، ويدخل في الهدى من يشاء بأن يخلق في ذلك الضلال، وفي هذا الهدى.
3 -الحكم والتسمية من الله تعالى على ذلك بالضلال، والحكم والتسمية على هذا بالهدى، مثل قول الشاعر العربي في علي عليه السلام :
ما زال يهدي قومه ويضلنا ... جهلاً وينسبنا إلى الفجار
أراد هذا الشاعر وهو شاعر الخوارج أن علياً عليه السلام يحكم لقومه وأصحابه بالهدى ويسميهم مهتدين، ويحكم علينا بالضلال ويسمينا ضُلّالاً.
4 -الهدى قد يكون بمعنى الدلالة والدعوة إلى طريق الهدى مثل قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:17].
5- قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [البقرة:7]، يمكن أن تفسر هذه الآية على:
1 -أن الله تعالى غطّى على قلوبهم تغطية فلا يجد الهدى سبيلاً إلى دخولها، وسد عنها المنافذ لئلا تفقه الحق والرشاد ولا تقبله.
2 -ليس هناك تغطية ولا ختم ولا طبع على الحقيقة، وإنما هذا التعبير من الله تعالى يراد به تصوير عنادهم للحق وعداوتهم له، وأنهم قد بلغوا فيه غاية بحيث لا تؤثر فيهم الآيات، ولا تنفعهم المواعظ، وأنه لا يرجى منهم الإيمان ولا يتوقع، وأن مثلهم كمثل الأنعام التي هي في الحقيقة مطبوع على قلوبها.
فالتعبير القرآني يراد به أن هؤلاء كالأنعام سواء في أن قلوبهم كقلوبها بالنسبة إلى سماع الآيات والنذر.
ويشهد لهذا التفسير أن الله تعالى قال في موضع آخر: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ 171 [البقرة]، ولم يكونوا صماً ولا بكماً ولا عمياً على الحقيقة، وإنما أراد الله تعالى أنهم يشبهون من كان كذلك.
والعرب إذا أرادت أن تقنع خصمها قالت: لا أدري ما تقول،
أو لا أسمع ما تقول، ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن بعض المشركين حين دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام وأرادوا أن يقنعوه بعدم قبولهم، قالوا له كما في سورة فصلت: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ 5، لم يرد المشركون أن قلوبهم مغطاة، ولا أن في آذانهم صمماً، ولا أن ثَمّ حجاباً، وإنما أرادوا أن يقنعوه بعدم جدوى مواعظه وآياته.
6- قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ 29 [التكوير]، يحتمل تفسيرين:
1 -تفسير أهل السنة والجماعة.
2 -أنه لا يمكن التوصل إلى الهدى بأي حيلة من الحيل إلا أن يوفر الله تعالى لكم أسباب الهدى وهي:
أ- إرسال الرسل وإنزال الكتب التي فيها بيان الهدى، وتوضيح سبله.
ب- أن ينعم عليكم بنعمة الأسماع والأبصار والعقول.
وحقاً فإنه لا يمكن لأحد أن يهتدي إلى الحق والرشاد إلا إذا شاء الله ذلك بأن يوفر للعبد أسباب الهدى التي هي ما ذكرنا.
7- قوله تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ 118 إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود]، تفسر على تفسيرين:
1 -ولذلك خلقهم، أي: للرحمة خلقهم. وهذا تفسير العدلية.
2 -ولذلك خلقهم، أي: للاختلاف. وهذا تفسير أهل السنة؛ فمن هنا حصل الاشتباه بين المعنيين على الناظر.
8- قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف:179]، تفسر على تفسيرين هما:
1 -تفسير أهل السنة أن الله سبحانه وتعالى خلق كثيراً من الخلق حين خلقهم وهم في بطون أمهاتهم- من أجل أن يعذبهم بعذاب جهنم.
2 -تفسير العدلية: أن الله تعالى ذرأ في القبور كثيراً لعذاب جهنم، ففسروا الذرء هنا بذرء الأموات في القبور، وهو تفسير موافق لقوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ 56 [الذاريات]، دون تفسير أهل السنة فإن فيه مخالفة ومعارضة.
9- قوله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا [الكهف:28]، يفسر بتفسيرين هما:
1 -تفسير أهل السنة، وهو: أن الله تعالى هو الذي جعل قلب ذلك الرجل غافلاً، وخلق فيه الغفلة.
2 -تفسير العدلية: أن الله تعالى لم يجعل قلبه غافلاً، ولم يخلق فيه الغفلة، وإنما يريد الله تعالى بذلك التعبير أن
يصور لنا مدى الغفلة وشدة استحكامها في قلب ذلك الرجل، وأنها في ذلك بمنزلة من خلقه الله غافلاً، وخلق فيه الغفلة.
10- قوله تعالى: وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ 70 [يس].
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 7 [يس].
وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [السجدة:13].
لا دلالة في هذه الآيات على ما تذهب إليه أهل السنة، ومعناها ظاهر في غير ما تقول، والقول المراد به الوعيد الذي حكم به رب العالمين بالنار لمن أشرك به وعصاه، ووعده ووعيده حق لا بد من أن يحق ويحصل على الكافرين.
11- قوله تعالى: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران:178]:
تفسير أهل السنة: أن الله تعالى يمهل الكافرين ويمد في أعمارهم من أجل أن يعصوه بارتكاب المآثم والعظائم ليزدادوا إثماً، ثم يدخلهم النار، وبذلك نعلم أن الله تعالى يريد المعاصي والمآثم والشرك والكفر.
تفسير العدلية: أن الله تعالى يمهل الكافرين ويمد في أعمارهم من أجل أن يتذكروا ويتقوا، غير أنهم لما بدلوا التذكر والتقوى بارتكاب المآثم والتوغل في العظائم حتى كأنهم خلقوا لذلك وأمهلوا من أجله؛ فجيء باللام إشعاراً بهذا المعنى،
وتسمى هذه اللام عند بعض أهل اللغة ((لام العاقبة))، ومثل هذه اللام اللام التي في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8]، والمعلوم أنهم لم يلتقطوه من أجل هذا الغرض، وإنما التقطوه لما حكاه الله في قوله: وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ 9 [القصص].
غير أنه لما صار موسى في الأخير عدواً وحزناً لآل فرعون جيء بهذه اللام التي تسمى لام العاقبة.
12- قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا [الأنعام:123].
13- وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان:31].
14- وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [فصلت:25].
تفسير أهل السنة: أن الله سبحانه وتعالى قد أراد وشاء خلق الإجرام والكفر والتكذيب في المجرمين وأنه يريد منهم فعل ذلك ضد الأنبياء والصالحين.
تفسير العدلية: أن الله تعالى حين كلف عباده قد وكلهم في حسن اختيارهم إلى أنفسهم فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، وخلى سبحانه وتعالى بينهم وبين ما أرادوا
فعله من طاعة أو عصيان؛ لذلك سمى الله تعالى ذلك التفويض وتلك التخلية جعلاً، وهذا من المجازات القرآنية وهو كثير في لغة العرب، وهو من أبواب البلاغة والفصاحة.
15- قوله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا 28 [الكهف:28]:
تفسير أهل السنة: أن الله تعالى هو الذي خلق الغفلة في قلب الكافر، وخلق الكفر فيه وأراده وشاءه وقضاه وقدره.
تفسير العدلية: أن الله تعالى يسلب الألطاف الزائدة عن المعرضين عن ذكره بخلاف المؤمنين فإنه تعالى يمدهم بالألطاف والتنوير والفرقان وزيادة البصيرة و ... إلخ كما قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ 17 [محمد]، إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا [الحديد:28]، ونحو ذلك من الآيات.
فسمى الله حرمانه ذلك عن المعرضين إغفالاً، وهذا معنى ظاهر مكشوف متناسب مع عدل الله وحكمته وسعة رحمته، إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ 44 [يونس]، إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا 40 [النساء].
16- قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا [البقرة:10]:
تفسير أهل السنة: في قلوب المنافقين كفر ونفاق فزادهم الله على ذلك كفراً ونفاقاً، مما يدل على أن الله تعالى هو الذي خلق الكفر والنفاق وأراده وشاءه.
تفسير العدلية: في قلوب المنافقين كفر ونفاق، وكلما أنزل الله سورة أو آيات شكّوا فيها وكفروا بها في قلوبهم؛ فازدادوا بسبب ذلك كفراً إلى كفرهم، ونفاقاً إلى نفاقهم.
غير أن الله سبحانه وتعالى لما كان هو الذي أنزل القرآن والآيات التي هي السبب في حدوث الكفر والنفاق أسند تعالى زيادة الكفر والنفاق إليه على سبيل التوسع والمجاز، وهذا المجاز من المجازات الواسعة في اللغة.
17- قوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [البقرة:253]:
تفسير أهل السنة، قالوا: إن الله تعالى قد أراد وشاء أن يقتتل المختلفون، وأن يحصل بينهم التظالم، وسفك الدماء المحرمة، وإزهاق الأرواح، وما يحصل في ذلك من البغي والعدوان.
تفسير العدلية: أن الله لو شاء أن يجبرهم على ترك المقاتلة، ويقسرهم على تركها قسراً لفعل، غير أنه تعالى قد شاء أن يكونوا مختارين؛ لذلك حصل ما حصل من القتل والبغي والعدوان.
18- قوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [الرعد:15]:
تفسير أهل السنة: أن الله تعالى يخبر في هذه الآية أنه هو الذي يجبر عباده على السجود، وذلك بخلقه فيهم بغير إرادتهم ومشيئتهم، بل بإرادته تعالى ومشيئته.
تفسير العدلية: أن السجود في هذه الآية هو انقياد الكائنات التي كونها الله تعالى من الحيوان والنبات والجماد؛ فإذا أراد سبحانه وتعالى أن يكون من ذلك شيئاً كان وحصل وحدث من دون ممانعة ولا تأبٍّ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 82 [يس]، اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ 11 فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ .... [فصلت].
19- قوله تعالى: فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... [الأعراف:30]:
تفسير أهل السنة: أن الضلالة قد وجبت على فريق لا يستطيعون الخروج منها، وفي ذلك دلالة على أن الضلالة بمشيئة الله وإرادته.
تفسير العدلية: أن المعنى المراد هو أن الله تعالى قد حكم لفريق باسم الهدى، وحكم على فريق باسم الضلال، وقد بين الله تعالى في آخر الآية العلة في ذلك فقال: من أجل أنهم اتخذوا .... إلخ؛ لذلك السبب ولتلك العلة سماهم الله ضلالاً، واستحقوا أن يحكم الله عليهم بمضمون ذلك الاسم.
20- قوله تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51]:
تفسير أهل السنة، قالوا: إن مضمون هذه الآية أن كل ما فعله الإنسان من معاصي وطاعات فإنه بإرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره.
تفسير العدلية، قالوا: لا تدل الآية على ما يقوله أهل السنة؛ لأن معناها: أن ما يصيب الإنسان من فقر أو مرض أو موت أو نقص في الأرزاق أو مخاوف أو مهالك شيء مكتوب لا مهرب منه ولا مفر، وليس في الآية ذكر لما يفعله الإنسان، ولو كان ذلك هو المراد لقال الله: قل لن نُصِيْبَ إلا ما كتب الله ...
21- قوله تعالى: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ 35 [إبراهيم]:
تفسير أهل السنة، قالوا: إن من مضمون هذه الآية أن الله تعالى هو الذي يجعل الإنسان مطيعاً أو عاصياً بإرادته ومشيئته.
تفسير العدلية، قالوا: إن المعنى لدعاء إبراهيم عليه السلام هو: وفِّر لنا يا ربنا أسباب الهدى، وزدنا تنويراً وألطافاً وتوفيقاً.
22- قوله تعالى: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154]:
قال أهل السنة: إن مضمون هذه الآية دليل على أنه لا إرادة للعبد ولا مشيئة في حصول ما يحصل من المعاصي والطاعات، وأن ذلك إنما يحصل بإرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره.
و قالت العدلية: ليس مضمون الآية ما ذكرتم، بل مضمون الآية هو الشهادة من الله تعالى للشهداء بصدق العزيمة، وخلوص النية في المضي في طلب الشهادة، وأن المنافقين وإن تخلفوا في دورهم وبين أهليهم فإن هؤلاء المخلصين ماضون إلى محبوبهم من الشهادة.
وليس في الآية أن الله تعالى هو الذي خلق مضيهم، وخلق قتلهم وأراده؛ لا إرادة لهم في ذلك ولا مشيئة، والتعبير بلفظ: ((كتب)) إنما هو تصوير لهذا المعنى وتوكيد له.
23- قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ 55 [التوبة]:
قال أهل السنة: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يريد الكفر ويشاؤه.
قالت العدلية: ليس في الآية دليل على أن الله تعالى هو الذي خلق الكفر والمعاصي، والذي في الآية أنه سبحانه وتعالى حين علم من المنافقين التمرد في النفاق والتوغل في الكفر والفساد أمدهم بكثرة الأموال، ويسر لهم أسباب الثروة التي من شأنها حصول الطغيان كما في قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى 6 أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى 7 [العلق]، فأعطاهم الله ذلك عقوبة لهم وفتنة يصدرون منها إلى النار بسوء اختيارهم وتمردهم من غير أن يكون لله تعالى في كفرهم إرادة ولا مشيئة، وهكذا سنة الله تعالى
في عباده، ألا تسمع إلى قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ 44 [الأنعام].
24- قوله تعالى: كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ 12 لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ [الحجر]:
قال أهل السنة: في هذه الآية دليل على ما نقول به من أن المعاصي من فعل الله تعالى لا من فعل العبد.
قالت العدلية: إن معنى الآية أن الله تعالى يدخل القرآن في قلوب المجرمين كما يدخله في قلوب المؤمنين فيؤمن به هؤلاء، ويكفر به أولئك، ولا تدل الآية على أكثر من هذا.
25- قوله تعالى: وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:34]:
قال أهل السنة: إن الله تعالى قد دل بهذه الآية على أنه سبحانه وتعالى يريد غواية عبيده وضلالهم كما نقوله نحن معاشر أهل السنة.
قالت العدلية: إن الله تعالى لا يريد غواية عبيده بالمعنى الذي ذهبوا إليه، ولكنه سبحانه قد يريد غواية بعضهم بمعنى آخر هو عذابهم، وهذا هو أحد معاني الغواية، ومن هذا المعنى قوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا 59 [مريم]، أي: عذاباً.
26- قوله تعالى: كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 122 [الأنعام]، زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [الأنعام:108]:
قال أهل السنة: في ذلك دليل على أن الله تعالى يريد الكفر ويشاؤه، وإلا لما زينه في قلوب الكافرين.
قالت العدلية: ليس في الآية الأولى دليل على أن الله تعالى هو الذي زين للكافرين أعمالهم؛ لأن الفعل فيها مبني للمفعول، وقد ذكر الله تعالى في آية أخرى أن الشيطان هو المزين لهم أعمالهم، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 43 [الأنعام]، الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ 25 [محمد]، وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ [الأنعام:137].
أما الآية الثانية وهي: زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ فمعناها أن الله تعالى زين لكل أمة على ألسنة رسلها أعمال البر والهدى والإيمان والعمل الصالح، أما المعاصي فقد نهى عنها على ألسنة الرسل وحذر منها وقبحها ومقتها و .. إلخ.
لم يعتمد الفخر الرازي في الرد على العدلية وعلى إثبات مذهب أهل السنة بالأدلة القرآنية بل اقتصر في الجواب على أن الأدلة السمعية متعارضة، وعمدته في ذلك دليل الداعي الموجب، ودليل العلم الأزلي، ولذا نقل عن بعض أذكياء المعتزلة أنه كان يقول: ((هما العدوان للاعتزال، وإلا فقد تم الدست)) .

🔰 التوحيد

🔰الأشاعرة: ومذهبهم في التوحيد.....

الأشعرية: وهم من أكبر طوائف أهل السنة والجماعة ينزهون الله تعالى عن الحلول في مكان، وعن الحلول في الجهات، وعن الاستقرار فوق العرش والكرسي أو في السماء.
وينزهونه عن الصعود والهبوط والمشي والضحك، وعن الوجه واليدين والقدمين والجنب والعينين والقبضة.
وعلى الجملة ينزهونه تعالى عن الجسمية وصفاتها وعوارضها وكيفياتها، وتماماً كما يقوله الزيدية وسائر العدلية.

🔰الحنابلة: ومذهبهم في التوحيد.....

الحنابلة: فرقة من فرق أهل السنة، وهم أهل الحديث ومن تبعهم، ويسمون اليوم بالوهابية يقولون: إن الله تعالى في الجهة العلوية على العرش والكرسي، يصعد ويهبط، ويهرول ويضحك، وله وجه ويدان، وأعين وقدمان، وجنب وقبضة.
ويتشددون في إثبات ذلك، ويسمون من ينزه الله تعالى عنه- معطلاً، بمعنى أنه معطل لله تعالى عن صفاته التي أثبتها لنفسه.

🔰الحنابلة: آيات يستدلون بها على التشبيه:.....

1 -وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22]، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ [البقرة:210].
2 -الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى 5 [طه].
3 -إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:10].
4 -وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:27].
5 -يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10].
6 -وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي 39 [طه].
7 -خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75].
8 -وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67].
9 -يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر:56].
10 -حديث سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة رواه مسلم وغيره.
11 -حديث: إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا ... ، البخاري ومسلم وغيرهما.
12 -حديث: إن الله تعالى خلق آدم على صورته. أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
13 -إن الجبار يضع قدمه في النار فتقول: قط قط ... . أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
14 -إنه تعالى يضحك إلى أوليائه حتى تبدو نواجذه. أخرجه أحمد في المسند.
15 -حديث: إن الصدقة تقع في كف الرحمن ... . رواه مسلم وغيره.
16 -حديث يروونه عند تفسير قوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، إلى غير ذلك من الأحاديث وهي كثيرة، وقد جئنا هنا بنماذج من أدلتهم.

🔰العدلية: تفسير الآيات بم يتناسب مع تنزيه الله وعظمته.....

✳️ من أول من أجاب عليهم ورد شبهاتهم- إخوانهم من أهل السنة والجماعة ((الأشعرية)) وخطَّئوهم ونسبوهم إلى البلاهة وشدة البلادة، وأجاب عليهم أيضاً المعتزلة والزيدية والإمامية وغيرهم.
وسنأخذ مما قالوا ما يتبين به المقصود فنقول:
1 -قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22]، وما أشبهها من الآيات، إن المعنى: وجاء ربك بوعده ووعيده وحسابه و ... إلخ، أما مجيء الله تعالى بذاته فإنه مستحيل غير ممكن، وذلك أن المجيء من صفات الأجسام وخصائصها، وقد نفى الله تعالى عن نفسه كل ذلك فقال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].
ويدل على صحة هذا التفسير قوله تعالى: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الحشر:2]، والمعلوم أنه لم يأت إلا وعيده وتعالى بالجلاء والتخريب والذلة.
وقوله تعالى: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ
السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل:26]، والمعلوم أن الذي أتاهم إنما هو عذابه وعقابه.
وبعد، فإنه لا يحتاج إلى المجيء والنزول ونحو ذلك إلا الأجسام أما الباري عز وجل فلا يحتاج إلى ذلك إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 82 [يس].
2 -قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى 5 [طه]، هذه الآية تمدح الله تعالى بها فقال: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَا 4 الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى 5 لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى 6 وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى 7 اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى 8 [طه]، فإذا فسرناها بأنه جل وعز استقر على السرير وجلس عليه لم يكن فيها أي مدح ولا ثناء على الله تعالى، وهذا بالإضافة إلى أن الاستقرار في مكان من صفات المحدثات، والله تعالى ليس بمحدث.
والمعنى الصحيح للآية أن الله تعالى استولى على الملك كله، وسيطر بسلطانه على جميع مخلوقاته، وأحاطت قدرته بكل ذلك.
وبعد، فمثل هذا التعبير شائع في لغة العرب، وما زلنا إلى اليوم نسمع ما يشاكله؛ فمن ذلك ما نسمع في تهاني الملوك: نهنئكم باستوائكم على عرش المملكة الفلانية، أو نحو تلك العبارة.
3 -قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]:
استدل بها الحنابلة على أن الله تعالى حال في الجهة العلوية، وهذا استدلال خاطئ خارج عما تحمله هذه الجملة من المعاني المقصودة، وذلك أن مثل هذا التعبير في لغة العرب يطلق ويراد به تعظيم صاحبه، وما زال الناس يستعملون ذلك الأسلوب الأدبي، فكثيراً ما نسمعهم يقولون: أرفع إلى الرئيس شكوى كذا وكذا، أو نرفع إليكم شكوى كذا وكذا، وقضية كذا وكذا، وليس هناك رفع من أسفل إلى أعلى، ولا صعود من تحت إلى فوق، غير أن الأدب يحتم مثل هذا الاستعمال للإشعار بتعظيم الرئيس أو المسؤول، وعلى هذا الأسلوب جاء القرآن الكريم.
يوضح ما ذكر: أن الله تعالى مدح نفسه وسماها بالعلي والأعلى، ولو أخذنا نفسر ذلك بالعلو الحسي لما كان في هذين الاسمين أي مدح ولا تعظيم، وذلك أن مجرد الارتفاع لا صلة له بالمدح والعظمة، وكذلك صفة الانحطاط لا تفيد الذم والخسة.
مثال ذلك: أن الجوهرة ونفيس الدر وسبائك الذهب والفضة لا تنقص قيمتها بأن تكون في أسفل مكان في الأرض، وكذلك لا تزيد قيمتها بأن ترفعها على رأس أرفع قمة في
الأرض أو تطير بها فوق السحاب أو في الفضاء الخارجي.
4 -قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ 27 [الرحمن]، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى 20 [الليل]، وما أشبه ذلك مما ذكر فيه الوجه، يستدل بذلك الحنابلة على أن لله تعالى وتقدس وجهاً.

🔰 العدلية: فهم المشبهة من الأيات غير ما أراد الله سبحانه.....

✳️ بأنهم فهموا من ذلك غير ما يريد الله تعالى، جهلاً منهم بأساليب العرب في لغتها، وذلك أن العرب يذكرون اسم الوجه من غير أن يقصدوا به العضو المخصوص كما في قولهم: هذا وجه الرأي، يريدون: هذا هو الرأي، وفي القرآن الكريم: وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [آل عمران:72]، وليس للنهار وجه، وقال سبحانه: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144]، والمراد بدنك كله لا وجهك فقط.
وحينئذ فمعنى الآية: أن كل شيء موجود سيفنى وينتهي تماماً إلا الله تعالى فإنه سيبقى ولا يفنى، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ [الحديد:3].
ولو كان المراد بالآية المعنى الحقيقي للوجه لكان المعنى أن البقاء للوجه فقط، أما ما سوى الوجه فإنه سيفنى.
وبعد، فإن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بصفات الأجسام المحدثة، فلا يصح وصفه بكلية ولا جزئية، ولا أعضاء ولا جوارح، ولا .. ولا .. إلخ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 11 [الشورى].

🔰المشبهة: لنا على اثبات اليدين لله سبحانه

5 -قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : وكلتا يدي ربي يمين، وما أشبه ذلك مما ذكر فيه اليدان.
يستدل بذلك الحنابلة على أن لله تعالى يدين اثنتين، وكلتا يديه يمين، ويزيدون فيقولون: تليق بجلاله، ويقولون: إن الإيمان بذلك من حقائق التوحيد، ويصفون من نفى ذلك عن الله ونزهه عن الأعضاء والجوارح بأنه معطل.

🔰العدلية: التفسير الصحيح هو.......

✳️ بأنهم إنما قالوا ذلك لقلة معرفتهم بأساليب اللغة العربية، وبعدهم عن معرفة كلام العرب، ومن هنا فسروا تلك الآيات وما شاكلها على غير ما يراد من معانيها.
والتفسير الصحيح لما تقدم:
أما قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، فالمعنى المراد: هو أن قوة الله تعالى فوق قوتهم، ومن ذلك قوله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات:47]، أي بقوة، واليد واليدان يفسر في لغة العرب بالقوة، ومنه قولهم: ليس لي به يدان، أي: ليس لي به قوة ولا طاقة.
وأما قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، فقد أراد سبحانه بذلك الرد على اليهود حين اتهموا ربهم بالبخل والإمساك: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64]، فعبر سبحانه وتعالى ببسط اليدين عن كثرة الإنفاق والإعطاء، وهذا الأسلوب شائع في لغة العرب كثير الاستعمال، ومنه قوله تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا 29 [الإسراء].
يزيد ذلك وضوحاً: أن الله تعالى تمدح ببسط اليدين، ولو كان المراد بهما بسط اليدين على الحقيقة لما كان ذلك مدحاً.
وقوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أراد سبحانه وتعالى توبيخ إبليس على تركه السجود، وتكبره عن السجود لآدم، وما كان ينبغي له ذلك، كيف والله سبحانه وتعالى هو الذي خلق آدم وصنعه بنفسه؟ فعبر تعالى بذكر اليدين ليبين لإبليس كرامة آدم على الله، واستحقاقه للسجود.
وحديث: كلتا يدي ربي يمين - حديث آحادي، وإن صح فمعناه: أن الله تعالى يقبل الصدقة، ويجازي عليها، وذكرت اليمين لما تعرفه العرب في عاداتها من أن الأخذ باليمين يدل على حسن القبول، والأخذ بالشمال يدل على خلاف ذلك.

🔰المشبهة: نستدل على اثبات العينين لله سبحانه ب.......

قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي 39 [طه]، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14]، سَمِيعٌ بَصِيرٌ 1 [المجادلة]، يستدل بذلك الحنابلة وبما أشبهه على أن لله تعالى عينين، وأن له سمعاً وبصراً يليق بجلاله.

🔰 العدلية: لا يصح تفسير العين هنا بالمبصرة.....

✳️ بأن ذكر العين في ذلك يراد به الحفظ، ولا يصح تفسيره بالعين المبصرة، وذلك أن موسى لم يرب فوق عين الله، ولم تجر سفينة نوح في أعين الله، ولا نظن أن أحداً سيقول ذلك.
وقوله تعالى: سَمِيعٌ بَصِيرٌ المعني بهذين الاسمين: أن الله جل جلاله يسمع جميع الأصوات ويعلمها، ويرى جميع المرئيات ويعلمها من غير أن يكون له آلة سمع، ولا آلة بصر، ولا يجوز قياسه على المخلوق الضعيف الذي لا يبصر ولا يسمع إلا بواسطة آلات البصر والسمع.

🔰التفسير الصحيح لما استدلو به على القبضة والجنب.....

7 -قوله تعالى: وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، هو عبارة عن إحاطة قدرة الله تعالى بالسماوات وما فيهما، وكذلك قوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ [الزمر:67]، هو عبارة عما ذكرنا، وليس هناك قبضة ولا يمين، وإنما هو عبارة عن استيلاء قدرة الله بالسماوات والأرض، فصور لنا الله تعالى ذلك بصورة محسوسة مكشوفة ليوضح لنا
استحكام قدرته واستيلائها على السماوات والأرض ...
8 -قوله تعالى: يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر:56]، المراد: في طاعة الله.
ودليل ذلك: أن التفريط من المفرطين لا يكون إلا بالإخلال بطاعة الله تعالى.
وبعد، فإن الجنب بمعناه الحقيقي من صفات المخلوق الضعيف والله تعالى لا يشبه شيئاً من خلقه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

🔰المشبهة: أحاديث تدل على اثبات المكان والنزول والصعود لله سبحانه.....

9 -حديث: قالت: في السماء- حديث آحادي، والأحاديث الآحادية إذا صحت لا تفيد إلا الظن، والمطلوب العلم القاطع.
وبعد، فالله تعالى غني عن المكان؛ فليس في السماء ولا في الأرض، تعالى عن الحلول والتمكن؛ فإنه سبحانه وتعالى هو الذي خلق السماوات والأرض، وخلق جميع الأمكنة والأزمنة، كان الله ولا مكان ولا زمان .... .
10 -حديث: إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا في آخر ساعة تبقى من الليل ... يستدل بهذا الحديث الحنابلة على أن الله تعالى ينزل ويصعد.

🔰العدلية: الله أعظم وأجل من أن ينزل ويصعد....

✳️ بأن الله تعالى أعظم وأجل من أن ينزل ويصعد؛ لأنه تعالى ليس بجسم، والنزول والصعود من خصائص الأجسام.
والمعنى المراد بنزول الله تبارك وتعالى نزول رحمته، وفتح باب إجابته، وقد جاء نحو هذا التفسير مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في روايات الزيدية.
وبعد، فتفسير الحنابلة للحديث يهدم عليهم عقائدهم، وذلك أن الليل يدور على الكرة الأرضية باستمرار، وحينئذٍ فالسحَر وآخر ساعة من الليل لا يزالان يدوران على الكرة الأرضية.
وعلى حسب تفسير الحنابلة لا يزال الله تعالى وتقدس نازلاً في سماء الدنيا غير منفك عنها، يُتابع الأسحار المتعاقبة على بلدان الأرض، فما إن ينتهي السَّحَر في الصين ويطلع فيها الفجر حتى يبدأ السحر في الهند، وما إن ينتهي فيها حتى يبدأ السحر في الباكستان وينتهي، ثم يبدأ السحر في إيران وينتهي، ثم يجيء السحر في بلاد الشام وينتهي، ثم يبدأ السحر في مصر وينتهي ... ثم ... ثم ... إلخ، وحينئذ يهدم عليهم العرش والكرسي والاستقرار عليهما!!

🔰المشبهة: بعض الأحاديث التي تدل على الأعضاء....

-حديث: إن الله خلق آدم على صورته ... :
أجيب عليهم بأن الحديث من أحاديث الآحاد، ولا تفيد إن صحت إلا الظن، والظن لا يجوز الاعتماد عليه في المعارف الإلهية وما يلحق بها، وهذا مع ما في ظاهر هذا الحديث من التصريح بحقيقة التشبيه لله تعالى بخلقه، والله تعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].
-حديث: إن الله تعالى يضع قدمه في النار فتقول: قط قط ... ، يستدل الحنابلة بهذا الحديث على مذهبهم من أن لله تعالى أعضاء وجوارح.
وأجيب عليهم: بأن الحديث حديث آحادي لا يجوز الاعتماد عليه كما قدمنا، بالإضافة إلى ما في الحديث من المعارضة والمناقضة لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].
-حديث: إن الله تعالى يضحك إلى أوليائه حتى تبدو نواجذه يستدل بهذا الحديث وأمثاله الحنابلة على ما يذهبون إليه من حقيقة الأعضاء والجوارح التي يجعلونها من صفات الله تعالى.

🔰العدلية: الأعضاء والجوارح من صفات المخلوقات المحدثة.....

✳️أن الأعضاء والجوارح من صفات الحيوانات المحدثة، والله تعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وأيضاً الحنابلة مجمعون مع غيرهم من علماء المسلمين على أن الله تعالى ليس له شبيه ولا مثيل، وعلى أن من شبه الله تعالى بخلقه فقد كفر.
وحينئذ فيقال لهم: إنكم أيها الحنابلة قد أفرطتم في تشبيه الله تعالى بخلقه حيث جعلتم له يدين وقدمين، وجنباً ووجهاً وعينين، وفماً وشفتين، يضحك حتى تبدوا نواجذه، وقلتم إنه مستقر على سرير، ذو مكان في السماء، يصعد وينزل ويمشي
ويهرول، حتى قلتم ورويتم أن الله تعالى خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً، وإذا لم يكن هذا تشبيهاً؛ فما هو التشبيه؟
وأخبرونا ما هو التشبيه الذي تنزهون الله تعالى عنه؟

🔰احتجاجهم بظواهر الآيات على التشبيه....

قالت الحنابلة في الاحتجاج على ما ذهبت إليه فيما تقدم -كما في كتاب ((عقيدة التوحيد)) لصالح الفوزان-:
1 -إن الله تعالى أثبت لنفسه ما تقدم، وحينئذ فنفيها عن الله، أو نفي بعضها يعتبر محادة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم .
2 -أنه لا يلزم من وجود تلك الصفات في المخلوقين المشابهة بين الله وخلقه، فإن صفات الله لا تشبه صفات المخلوقين، والاشتراك في الاسم والمعنى لا يوجب الاشتراك في الحقيقة، فالمعلوم أن أسماء الله وصفاته تخصه وتليق به، وأسماء المخلوقين وصفاتهم تخصهم وتليق بهم.
3 -أن الذي ليس له صفات كمال لا يصلح أن يكون إلهاً، لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ [مريم:42]، أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا [الأعراف:148].
4 -أن إثبات الصفات كمال، ونفيها نقص، فالذي ليس له صفات، إما معدوم وإما ناقص، والله تعالى منزه عن ذلك.
5 -أن تأويل الصفات عن ظاهرها لا دليل عليه، فهو باطل، وتفويض معناه إلى الله يلزم منه أن الله تعالى خاطبنا في القرآن بما لا نفهم معناه.
ثم قال في الكتاب المذكور: فتبين من هذا أنه لا بد من إثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق بالله، مع نفي مشابهة المخلوقين كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 11 [الشورى]، فنفى عن نفسه مماثلة الأشياء، وأثبت له السمع والبصر فدل على أن إثبات الصفات لا يلزم منه التشبيه، وعلى وجوب إثبات الصفات مع نفي المشابهة، وهذا هو معنى قول أهل السنة والجماعة في النفي والإثبات في الأسماء والصفات: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل ... انتهى من صفحة 68 وما قبلها.

🔰الجواب عليهم فيما ذكروه:.....

1 -الواجب إثبات ما أثبت لنفسه من الأسماء والصفات، ومع ذلك فيجب أن ننفي عن الله تعالى ما نفاه عن نفسه؛ فإنه تعالى قد نفى عن نفسه أي مشابهة أو مماثلة بينه وبين مخلوقاته فقال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 11 [الشورى]، وقال سبحانه: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ 4 [الإخلاص]، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا 65 [مريم]، وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا 110 [طه].
ونحن إذا أثبتنا لله تعالى صفة الحلول في الأمكنة والصعود والهبوط، وصفة العينين والأذنين والشفتين، والأسنان واللسان واللهوات، والضحك والكلام، واليدين والقدمين والجنب، وأنه على صورة آدم طوله ستون ذراعاً- نكون بذلك قد ساوينا بينه وبين خلقه، وشابهنا بينهما، وكنا حينئذٍ قد ألحقنا بالباري صفات النقص، ووسمناه بها، وكان مقتضى قولنا وفحواه: أن الله تعالى محدث مخلوق، وذلك حين وصفناه بالصفات التي يستدل بها على إبداع الصنعة، وإتقان التركيب والتقدير.
فمن هنا أجمع علماء المسلمين من أهل السنة والشيعة غير الحنابلة على أن الله تعالى منزه عن مثل تلك الصفات المحدثة، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
2 -الجواب على قولهم في الرقم الثاني: إنه لا يلزم من وجود تلك الصفات في المخلوقين المشابهة- ي قال: إن الاشتراك في أي صفة يوجب المشابهة، ونعني بذلك الاشتراك في المعنى والاسم دون الاشتراك في الاسم فقط.
وقول الحنابلة: إن لله صفات تليق به، وللمخلوق صفات تليق به، قالوا هذا القول جواباً على من ألزمهم المشابهة، وفي الواقع أنه جواب لا يرفع لزوم المشابهة، فهم وإن قالوا ذلك القول مشبهون لله تعالى بخلقه.
توضيح ذلك: هو أن يقال: إن للنملة عينين تختص بهما وتليقان بها، ولها أذنين تسمع بهما تليقان بها، ولها يدين ورجلين تليقان بها.
ثم يقال: إن للجمل عينين وأذنين ويدين ورجلين تليق به وتختص به.
ونحن إذا قلنا هذا القول فإنا قد شابهنا بين النملة والجمل في صفات محدودة، وذلك في أن لكل من النملة والجمل آلة بصر وآلة سمع وآلة مشي، ولا شك أنهما من هذه الناحية متشابهان ومتساويان لا فرق بينهما في ذلك، أعني في أن لهذا آلة سمع وآلة بصر، ولهذا آلة سمع وآلة بصر و .. إلخ.
فإن قالوا: لا مشابهة بينهما؛ لأن عين النملة صغيرة، وكذلك أذنها ويداها ورجلاها كل ذلك صغير في مقداره، وعين الجمل وأذنه ويداه ورجلاه كل ذلك كبير وعظيم.
فيجاب: بأن المشابهة بينهما إنما هي في أن كل واحد منهما له آلة سمع، وآلة بصر، وآلة مشي، ووجود المفارقات بينهما من جهة الكبر والصغر والشكل والهيئة لا يعني أنه لا تشابه بينهما من تلك الجهة التي ذكرنا، ولا شك عند العقلاء أن المشابهة بين الشيئين تصح من وجه دون وجه، ويفترقان من وجه دون وجه.
وبناءً على ذلك فقول الحنابلة: إن لله تعالى يدين تليقان به وتختصان به- يحتم المشابهة بينه تعالى وبين خلقه، وأن وجود فوارق أخرى لا ترفع هذا التشابه المخصوص.
3 -نحن نوافق الحنابلة في أن الذي لا يتصف بصفات الكمال لا يكون إلهاً، غير أن ذلك لا يعني أن لله تعالى يدين وقدمين، وعينين وأذنين؛ لأن ذلك ليس من صفات الكمال، بل الواقع أن ذلك من صفات النقص التي لا تكون إلا للمحدثات الضعيفة؛ لأنه هو الذي يحتاج إلى آلات القبض والبسط، والمشي والإدراك.
أما الله تعالى فإنه غني عن الحاجة إلى الآلات، يسمع ويبصر من غير آلة للسمع والبصر، ويخلق ويصنع من غير آلة يدين يحركهما ويسكنهما: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 82 [يس].
4 -الواجب هو إثبات صفات الكمال لله تعالى ونفي صفات النقص عنه تعالى، والنزاع بين الحنابلة وغيرهم هو في صفات المخلوقين من اليدين والرجلين والعينين والأذنين و ... إلخ؛ فالحنابلة أثبتوها لله تعالى، وغيرهم نفاها عن الله تعالى.
5 -نحن نوافق الحنابلة في أنه لا يجوز تأويل أسماء الله وصفاته عن ظاهر معناها من غير دليل، وأن الواجب إجراؤها على ظاهرها من غير تأويل، غير أن هناك أدلة قاطعة وبراهين
ساطعة تحتم تأويل ما وقع فيه النزاع والخلاف بين الحنابلة وغيرهم، وقد قدمنا في هذا الباب تفاصيل الأدلة التي حتمت التأويل في أول هذا الباب فارجع إليه.
هذا، ولقد بالغ الحنابلة في إثبات صفة اليدين والرجلين والعينين والأذنين، وتشددوا وتعصبوا حتى قالوا: إن من لم يقل بذلك فهو معطل مشرك، حتى عقد ابن القيم في نونيته فصلاً بعنوان: ((فصل: في أن المعطل مشرك)) وذكر في شرحها أن المعطلة هم الأشعرية والمعتزلة و ... إلخ.
ومن قبله شيخه ابن تيمية فقد بالغ في ذم الأشعرية والمعتزلة والشيعة؛ لذلك ذمه علماء الأشعرية وكفروه، وما زال هذا الترامي بالكفر والتكفير بين الحنابلة والأشعرية إلى اليوم.
الحنابلة منذ عصر ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وإلى زمننا هذا اشتهروا بمذاهب غير ما تقدم.

🔰مسألة الرؤية

ذهبت طوائف أهل السنة إلى أن الله تعالى سوف يُرى في الآخرة، فالأشعرية منهم يقولون كما في شرح المقاصد: ((إن المؤمنين يرونه تعالى منزهاً عن المقابلة والجهة والمكان)).
ومن أهل السنة من يقول: إنه تعالى يرى بلا كيف، أو يقول: الرؤية معلومة والكيف مجهول.
وذهبت العدلية إلى أن الله تعالى لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة.

🔰الأدلة التي يستدلون بها على الرؤية.....

استدل أهل السنة على إمكان الرؤية لله تعالى بعدة أدلة هي:
1 -قوله تعالى حكاية عن موسى صلوات الله عليه: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ 143 [الأعراف]، وذلك أن موسى طلب الرؤية ولم يكن عابثاً ولا جاهلاً، وقد علقها الله تعالى على استقرار الجبل وهو ممكن في نفسه.
2 -أن العلة في صحة رؤية المرئيات هي: إما الوجود أو الحدوث، والحدوث أمر عدمي لا يصلح للتعليل. قال في شرح المقاصد وهو يبين ذلك: إنه أمر اعتباري، والأمر الاعتباري عدم، أو أن يكون معناه الوجود بعد العدم، وما جزؤه عدمي فهو
عدمي، وحينئذ فيكون المصحح لرؤية المرئيات هو الوجود، والوجود علة يشترك فيها القديم والمحدث، فمن هنا قالوا بجواز رؤية الله تعالى، وهذا دليل عقلي.
3 -إجماع الأمة قبل حدوث المخالف؛ فإنهم أجمعوا على حمل أدلة الرؤية على ظواهرها من دون أي خلاف.
4 -قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ 22 إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ 23 [القيامة]، فقالوا: النظر وإن كان من الألفاظ المشتركة التي تحمل عدة معان مختلفة إلا أنه هنا بمعنى الرؤية لا غير، وذلك لاقترانه بـ ((إلى)) فإنه إذا اقترن بها لا يكون إلا بمعنى الرؤية.
5 -قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ 15 [المطففين]، قال في شرح المقاصد: حقر شأن الكفار، وخصهم بكونهم محجوبين؛ فكان المؤمنين غير محجوبين، وهو معنى الرؤية. انتهى
6 -النص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله في الحديث الصحيح: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته روي في الصحاح، وفيما روي عن صهيب أنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، فقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار- نادى منادٍ أهل الجنة: إن لكم عند الله موعداً يشتهي أن ينجزكموه، قالوا: ما هذا الموعد؟
ألم يثقل موازيننا، وينضر وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويخرجنا من النار؟ قال: فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله تعالى، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر» رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما.
وفي حديث آخر: ... وأكرمهم على الله تعالى من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ 22 إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ 23 [القيامة].

🔰 العدلية: الجواب التفصيل لما استدلوا به ....

✳️أجابت العدلية على ما استدل به أهل السنة فيما تقدم، وها هي الجوابات مرتبة على ترتيب أدلتهم:
1 -قوله تعالى حكاية عن موسى صلوات الله عليه: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ، نقول:
إن هذه الحكاية القرآنية لا تدل على ما يقوله أهل السنة لا من قريب ولا من بعيد، بل الأمر على العكس، فإنها تدل على ما نذهب إليه نحن العدلية من أن الله تعالى لا يُرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك من عدة وجوه:
1 -قوله لَنْ تَرَانِي وهذا نفي مطلق فيشمل جميع الأوقات المستقبلة في الدنيا والآخرة.
2 -دكدكة الجبل تدل على ما نقول؛ لأن الله تعالى قد جعله آية على عدم رؤيته.
3 -صعق موسى عليه السلام هو وأصحابه، ولا يكون ذلك إلا عن ذنب عظيم بدليل قوله تعالى: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ... [النساء:153].
4 -قول موسى عليه السلام بعد الإفاقة: سُبْحَانَكَ يدل على تنزيه الله تعالى عن الرؤية وتعاليه عنها.
5 -قوله عليه السلام أيضاً: تُبْتُ إِلَيْكَ يدل على ما ذكرنا؛ لأن التوبة لا تكون إلا عن ذنب؛ فمن هنا قلنا إن الآية دليل لنا نحن العدلية، وليس لأهل السنة فيها حجة ولا دليل.
2 -وما احتجوا به ثانياً من أن العلة المصححة للرؤية هي الوجود؛ فنقول:
هناك أمور موجودة ولا يصح رؤيتها كالأصوات والروائح، وبهذا ينتقض قولهم: إن الوجود علة مصححة للرؤية، ولضعف هذه الحجة قال في شرح المقاصد:والإنصاف أن ضعف هذا الدليل جلي
.
3 -وأما احتجاجهم بالإجماع قبل حدوث الخلاف؛ فنقول:
دعواكم الإجماع دعوى خالية عن الصحة، ولا يجوز قبول مثل هذه الدعوى الخالية عما يدعهما من البرهان، ونقول: بإمكاننا نحن أن نقول: إن الصحابة أجمعوا على أن الله تعالى لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة.
4 -قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ 22 إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ 23:
كلامنا نحن العدلية في هذه الآية: أن معناها أن الوجوه المستبشرة تنظر إلى رحمة ربها، أو تنتظر وتتوقع النعيم والعطاء العظيم من ربهم، وإنما قلنا ذلك لوجوه من الأدلة:
1 -لأن الله تعالى ليس بجسم ولا عرض لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، والرؤية لا تقع إلا على ما كان كذلك.
2 -لقوله تعالى متمدحاً: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام:103].
3 -لما تقدم في حكاية قول موسى عليه السلام .
أما استدلالهم على أن النظر في هذه الآية بمعنى الرؤية لا غير لاقترانه بحرف الجر ((إلى))؛ فنقول:
استدلالكم هذا غير صحيح فالنظر قد يقترن بـ ((إلى)) وليس معناه رؤية العين، وذلك في قوله تعالى: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ ... [آل عمران:77]، وليس معناها هنا الرؤية بل معناها هنا: نظر الرحمة.
وقال سبحانه وتعالى: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ 17 [الغاشية]، وما أشبهها في القرآن وهو أكثر من أن يحصى؛ فإن النظر في ذلك قد اقترن بـ ((إلى)) وليس معناه نظر العين الذي هو الرؤية، بل هو بمعنى نظر القلب الذي هو التفكر، وليس ذلك من الرؤية في شيء، وبهذا يبطل استدلالهم بالآية.
ولذلك قال في شرح المقاصد: وتمام الكلام في الإشكالات الموردة من قبل المعتزلة عن الاحتجاج بالآية والتفصي عنها من قبل أهل الحق مذكور في نهاية العقول للإمام الرازي، لكن الإنصاف أنه لا يفيد القطع، ولا ينفي الاحتمال.
5 -قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ 15 [المطففين]، فنقول:
ليس في ذلك دليل على ما يذهبون إليه، واحتجاجهم بهذه الآية أبعد في الحجية من الاستدلال بالآية السابقة، وقد عرفت ما قاله صاحب شرح المقاصد فيما سبق.
والمعنى هنا: أن الفجار في يوم القيامة محجوبون عن رحمة الله وثوابه ليس لهم في شيء من ذلك حظ ولا نصيب، وإنما لهم صلي الجحيم وعذاب الخلد- جزاءً على تكذيبهم بالله ورسله وآياته.
6 -أما احتجاجهم بالأحاديث فنقول: الأحاديث آحادية لا تفيد إن صحت إلا الظن، والمطلوب هنا القطع واليقين.

🔰 المقاولات بين الفريقين في مسألة الرؤية

وإليك هذه المقاولات بين الفريقين:
⁉️أهل السنة: الأحاديث مروية في الصحاح لا غبار على صحتها.
✅العدلية: لا تفيد إلا الظن إذا صحت، والمطلوب اليقين.
⁉️أهل السنة: أجمع أهل السنة خلفاً بعد سلف على صحة رؤية الله تعالى يوم القيامة يراه المؤمنون، وتيقنوا ذلك وقطعوا به، وهم الغالبية والسواد الأعظم.
✅العدلية: إجماعهم ليس بحجة، وإنما الحجة إجماع الأمة جميعاً، وكثرتهم لا تدل على الحق؛ لما قدمنا من الأدلة على ذم الكثرة ومدح القلة.
⁉️أهل السنة: إن الله تعالى سوف يرى يوم القيامة في غير مكان، وفي غير جهة، ومنفياً عنه المقابلة.
✅العدلية: الرؤية للشيء وهو في غير مكان وفي غير جهة وليس مقابلاً للرائي- كل واحد من ذلك محال؛ فرؤية العين لا تقع إلا على شيء يكون أمام الرائي، وهذه حقيقة مقطوع بها عند العقل.
وكذلك لا ترى العين إلا ما كان في جهة من الجهات، والعقول تحيل أشد ما يكون من الإحالة رؤية شيء بالعين في حال أن المرئي ليس في جهة من الجهات، وفطر العقول أيضاً تقطع بعدم إمكان رؤية شيء ليس في مكان.
⁉️قال بعض أهل السنة: إنه تعالى يرى يوم القيامة بلا كيف.
✅قالت العدلية: الرؤية بلا كيف غير مقبولة عند فطرة العقل، وكيف يصدق عاقل بصحة رؤية شيء لا يتصف بشيء من الصفات أصلاً؛ فلا يمكن أن يقبل العاقل رؤية شيء لا هو -في حال رؤيته- متحرك ولا ساكن، ولا طويل ولا عريض ولا قصير، ولا هو أمامك ولا خلفك ولا فوقك، ولا عن يمين أو عن يسار، ولا ... ولا ... إلخ.
✅قالت العدلية: تمدح الله تعالى بنفي الرؤية عن نفسه على الإطلاق والتعميم، فقال سبحانه: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ 103 [الأنعام:103].
⁉️قال أهل السنة: الآية لم تنف الرؤية، وإنما نفت الإحاطة، ونحن نقول إن الله لا تحيط به الأبصار، وذلك أن الإدراك يفسر بالإحاطة كما في قوله تعالى: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ [يونس:90]، أي أحاط به.
✅قالت العدلية: الإدراك يمكن أن يفسر بالإحاطة غير أنه إذا اقترن بالبصر كما في الآية لا يكون إلا بمعنى رؤية العين، هكذا ذكره أهل اللغة.
⁉️قال أهل السنة: آية لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ آية عامة لجميع الأوقات، وآية: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ 23 آية خاصة، فيمكن الجمع
بين الآيتين بحمل العام على الخاص، فنقول: لا يرى في الدنيا ويرى في الآخرة، وندعم ذلك التخصيص بالأحاديث التي رويت في هذا الباب.
✅ قالت العدلية: لو حملت الآية: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ على ما ذكرتم لخليت عن التمدح الذي ما سيقت إلا من أجله، وذلك أنه لا شيء من المدح فيمن يُرى في وقت ولا يُرى في وقت آخر، ومعلوم أن من تمدح بذلك يكون مدحه لغواً، ويذهب باطلاً.
وبعد، فالذي يظهر أنه لا يجوز التخصيص في مثل ذلك إلا بالمخصص المتصل لئلا يعتقد السامع الخطأ والضلال.
ثم إن آية: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ 23 من الآيات المتشابهة التي تحمل عدة معانٍ، ومن هنا قال صاحب شرح المقاصد: ((لكن الإنصاف أنه لا يفيد القطع، ولا ينفي الاحتمال)) قال ذلك في سياق الاحتجاج بالآية.
⁉️قال أهل السنة: معنى الآية: لا تدركه كل الأبصار، وهذا يفيد أن بعض الأبصار تدركه.
✅ قالت العدلية: إذاً لخليت الآية عن التمدح كما تقدم، مع أن مثل ذلك الاستعمال يجيء في عموم السلب كقوله تعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ 31 [غافر]، وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1]، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ 23 [الحديد].
قالت العدلية: لو رؤي الباري تعالى لكان حال رؤيته مقابلاً للرائي، وفي جهة ومكان، ولكان جسماً أو عرضاً.
⁉️قال أهل السنة: رؤية الله تعالى يوم القيامة ليست كالرؤية في الدنيا، فالرؤيتان مختلفتان إما بالماهية وإما بالهوية، ومع الاختلاف فلا تقاس إحداهما على الأخرى لجواز اختلاف الشروط واللوازم، أفاد هذا في شرح المقاصد.
✅قالت العدلية: النزاع فيما نعرفه اليوم من معنى الرؤية، لا في رؤية مخالفة لها بالحقيقة؛ فإن كنتم تقصدون برؤية الله تعالى يوم القيامة- الانكشاف التام من معرفة الله، وبعبارة أخرى: العلم الضروري بالله تعالى بحيث لا يبقى في العلم به أي شك ولا شبهة- فلا نزاع ولا خلاف بيننا وبينكم إلا في العبارة.
استدلت العدلية فقالت: إن الله تعالى حيثما ذكر سؤال الرؤية في كتابه استعظمه استعظاماً شديداً، واستنكره استنكاراً بليغاً، حتى سماه ظلماً وعلواً في قوله تعالى: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا 21 [الفرقان].
وعذب بعذاب الصواعق الذي يعذب به المشركين والمكذبين في قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ 55 [البقرة]،
وقوله تعالى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [النساء:153].
⁉️قال أهل السنة: إن ذلك الاستعظام وإنزال الصاعقة إنما كان لتعنتهم وعنادهم على ما يُشْعِر به مساق الكلام، ولو سُلِّم فلطلبهم الرؤية في الدنيا على حسب ما يعرفون من معنى الرؤية التي لا تكون إلا للأجسام والأعراض، ونحن نقول: إن رؤية الله في الآخرة هي رؤية أخرى مخالفة في حقيقتها للرؤية في الدنيا.
✅ قالت العدلية: الفاء تدل على أن نزول الصاعقة بسبب طلب الرؤية ومترتب عليه: فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ... [النساء:153]، لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ... [البقرة:55].
⁉️قال أهل السنة: طلب موسى للرؤية دليل على أن الرؤية جائزة في الجملة؛ لأن طلب المستحيل من الأنبياء صلوات الله عليهم محال، ولا سيما ما يقتضي الجهل بالله تعالى، ولذلك أجيب بـ لَنْ تَرَانِي دون: ((لن أُرى)) أو: ((لن تنظر إلي)).
✅قالت العدلية: إنما طلب موسى الرؤية لإقناع قومه الذين قالوا أرنا الله جهرة: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
فأراد موسى سلام الله عليه أن يقنعهم غاية الإقناع بجواب من عند الله حاسم مع علمه بأن الله تعالى لا يرى.
وإنما قلنا ذلك بدليل قوله تعالى: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء:153]، أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا [الأعراف:155].
أما التعبير بـ لَنْ تَرَانِي دون ((لن أرى)) أو ((لن تنظر إلي)) فلا حجة لهم فيه، فقد جاء الجواب من الله على حسب السؤال.
⁉️قال أهل السنة: لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب على موسى أن يزيح شبهة قومه، وأن يوضح لهم الخطأ كما فعل حين قالوا: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا [الأعراف:138].
✅قالت العدلية: شبهة الرؤية أعظم من شبهة عبادة الأصنام فإلاهية الأصنام يكفي لهدم شبهتها أدنى بيان، أما شبهة الرؤية فإنها شبهة مستحكمة، فيها غموض وخفاء، لذلك أراد موسى عليه السلام أن يسمع قومه الجواب الحاسم الذي يقطع عن قلوبهم الشكوك والشبهات.

🔰 القبــــر

✳️ سؤال القبر وعذابه حق لقوله تعالى في آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ 46 [غافر]، ولقوله تعالى في الشهداء: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ 169 فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ 170 [آل عمران].
والأحاديث في هذا الباب كثيرة متواترة المعنى، منها:
حديث: القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران.
وحديث: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله.
وحديث: استعاذة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عذاب القبر، وهذا الحديث بانفراده يقرب أن يكون متواتراً، فقد رواه البخاري في صحيحه في أكثر من أربعة عشر موضعاً بطرق وأسانيد متعددة، ورواه مسلم في أكثر من أحد عشر موضعاً كذلك، ورواه النسائي في أكثر من خمسة وعشرين موضعاً من سننه، وأخرجه سائر أهل
الصحاح والمسانيد منهم أحمد في مسنده في أكثر من خمسة وأربعين موضعاً من مسنده، وكل ذلك بطرق وأسانيد متعددة.
وعلى الجملة فالأحاديث في عذاب القبر ونعيمه كثيرة، روتها طوائف المسلمين من أهل السنة ومن الشيعة، وقد أجمع علماء المسلمين على ذلك.
والذي خالف في عذاب القبر هو ضرار بن عمرو وأتباعه، وقد نسب ضرار بن عمرو إلى المعتزلة وهم برءاؤ منه، حكى ذلك القاضي عبدالجبار المعتزلي في شرح الأصول.
واستدلوا لنفيهم عذاب القبر بقوله تعالى: رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ... [غافر:11]، فقالوا: لو كان في القبر إحياء لكانت الإحياءات ثلاثة: في الدنيا، وفي القبر، وفي الحشر.
وقالوا أيضاً: إنا نرى المصلوب يبقى مدة من غير تكلم ولا تحرك، ولا يظهر عليه أي أثر للتألم أو التلذذ، وربما كان الميت في لحد ضيق أو صندوق لا يتسع لأن يجلس فيه الميت.
وأجيب على ضرار وأصحابه المنكرين لعذاب القبر ونعيمه بجوابات متعددة؛ منها:
أن عذاب القبر ونعيمه إنما هو للروح دون الجسد، أما الجسد فقد مات وصار جماداً خالياً عن أي إحساس، وحينئذ فقوله تعالى: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ يراد به حياة الدنيا وحياة
المحشر اللتين يحصل فيهما حياة الجسد والروح، أما حياة القبر فليست كذلك، إنما هي حياة الروح فقط، وعذاب القبر أو نعيمه على هذا ليس فيه إحساس ولا وجدان ألم أو لذة مطعم أو مشرب أو منكح؛ لأن ذلك إنما هو من شأن الأجساد.
أما الروح فإنما تعذب في القبر بالأهوال والمخاوف وتعرض عليها النيران ومقامع الحديد، و ... إلخ.
وتوضيح ذلك على جهة التقريب أن عذاب القبر من جنس ما يجده النائم في بعض أحلامه من الأهوال والشدائد والمضائق والهموم والغموم والأحزان، ومن هنا يقول الله تعالى في صفة عذاب أرواح آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ 46 [غافر].
فأخبر تعالى عن ذلك بأن آل فرعون يعرضون على النار ليروا ما أعد الله لهم فيها من الأهوال وشديد العذاب من غير أن يدخلوها، أما دخولها فإنما هو يوم القيامة حين تبعث أجسادهم من مراقدها.
وعلى هذا النحو يكون نعيم أرواح المؤمنين؛ فإنها تحيا حياة السرور والنعيم، وحياة الغبطة والفرح، بما يعرض عليها وتراه من الثواب الذي أعده الله تعالى لهم في جنات النعيم، وبما يجدونه من البشرى بالسلامة من العذاب الأليم، وبرضا ربهم عنهم، ومغفرته لهم.
هذا، وعندي أن الذين أنكروا عذاب القبر ونعيمه إنما أنكروا واستبعدوا حياة الجسد والروح معاً، ونحن لا ننازعهم في ذلك.
أما حياة الروح بدون الجسد فلا وجه للإنكار فيه ولا للاستبعاد، ولعلهم لو عرفوا ما يراد بحياة البرزخ لم ينكروا، ولم يستبعدوا.
أطفال الكفار الذين يموتون قبل التكليف...

🔰 أهل السنة: كما في شرح المقاصد فريقان.....

✳️ ففريق منهم وهو الأكثر يقول: إن حكمهم يوم القيامة حكم آبائهم فيخلدون في النار.
وقال الفريق الأقل منهم: إن من علم الله تعالى منهم أنه لو عاش لآمن وأطاع فإن الله سيدخله الجنة، ومن لا فيدخله النار.
واستدلوا على ذلك بدخولهم في عموم الوعيد الوارد في القرآن، وبأحاديث رووها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها: أن خديجة رضى الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أطفالها الذين ماتوا في الجاهلية، فقال: هم في النار.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار وغير ذلك من الأحاديث.
وأجابت العدلية -الذين هم الزيدية والمعتزلة وبعض الإمامية-:
1 -تعذيب من لا جرم له ظلم، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا 49 [الكهف].
2 -جاء النص من الله تعالى بخلاف ما يقوله أهل السنة فقال سبحانه: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر:18]، أي لا تحمل نفس ذنب نفس أخرى.
3 -ثبت بالاتفاق أن القلم مرفوع عن الصبي حتى يبلغ، ومعنى رفع القلم أنه غير مؤاخذ، وأنه في حل مما يفعل، ولو كان الأمر كما يقوله أهل السنة لكان القلم غير مرفوع عنه بسبب أنه يكتب عليه من حين خروجه من بطن أمه ذنوب أبويه من الشرك والكفر و ... إلخ.
قال أهل السنة: إن الله سبحانه وتعالى لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الأنبياء:23]، فله أن يعذب الأطفال من غير جرم، ويكون ذلك منه عدل وإحسان، والله تعالى لا يقبح منه قبيح، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ 18 [الحج]، و يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ 1 [المائدة].

🔰 العدلية: تعذيب الأطفال بذنب آبآئهم ظلم......

✳️ أن الله تعالى قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40]، وغير ذلك مما تمدح فيه بنفي الظلم عن نفسه، ولا شك أن لكلمة الظلم معنى مفهوماً في لغة العرب، والله سبحانه وتعالى أنزل القرآن بلغتهم: قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر:28].
وحينئذٍ فلا شك أن إحراق الأطفال الرضع وتحريقهم بالنار من أصدق مفاهيم كلمة الظلم الذي تمدح الله بنفيه عن نفسه.

🔰 الخلود في النار

🔰أهل السنة: آيات وأحاديث تدل على الخروج من النار.....

أجمع المسلمون على خلود أهل الجنة في الجنة، وخلود أهل النار في النار، واختلفوا فيمن ارتكب معصية كبيرة من المؤمنين ومات قبل أن يتوب.
فذهب أهل السنة والجماعة إلى: احتمال العفو، واحتمال العقاب، كلاهما في مشيئة الله تعالى من غير قطع بأيهما، غير أنه إذا عذب فإنه لا يخلد في النار، بل يخرج منها بعد دخولها.
الأدلة التي أستدلو بها على الخروج من النار
1 -قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ 7 [الزلزلة].
وقوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [النساء:124].
فقالوا: إن مرتكب الكبيرة داخل في عموم هاتين الآيتين، فهو وإن دخل النار ومكث فيها وقتاً فإنه سيخرج إلى الجنة ليرى مثاقيل الخير التي كان يعملها، ويرى جزاء الأعمال الصالحة التي كان يعملها.
2 -حديث: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، وحديث: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة وإن زنى وإن سرق. أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم وغيرهما، وأخرجا أيضاً حديث: «يخرج من النار قوم
بعدما امتحشوا وصاروا فحماً وحمماً فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل» وغير ذلك من الأحاديث.
3 -قوله تعالى: النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأنعام:128]، فقالوا: إن الاستثناء يشعر بالخروج من النار، والكفار محكوم عليهم بالخلود باتفاق فيكون الخروج حينئذ محكوم به لمرتكب الكبائر غير التائب من المسلمين.
4 -قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، فقالوا: إن في هذه الآية إشعار بالخروج من النار.
5 - وقالوا: إن المعصية متناهية في قدرها وزمانها فيجب أن يكون جزاؤها متناهياً في قدره وزمانه تحقيقاً للعدل.
هكذا يقول أهل السنة ويحتجون لمذهبهم.

🔰 مذهب العدلية وأدلتهم.....

أما العدلية فذهبوا في هذه المسألة إلى أن من ارتكب المعصية الكبيرة ومات مصراً عليها غير تائب- فإنه خالد في النار ومعذب فيها أبد الآبدين، لا يخرج منها.
واستدلوا على الخلود في النار بأدلة:
1 -قوله تعالى في آخر آية المواريث من سورة النساء بعد أن فصل تعالى حدود المواريث ووزعها على أهلها:
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .... [النساء:13]، إلى قوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا [النساء:14]، هذه الآية ختم الله تعالى بها وصيته للمؤمنين حين أوصاهم في المواريث فقال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ... إلى آخره [النساء:11].
وقريب من هذه الآية قوله تعالى في سورة الجن: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا 23.
2 -قوله تعالى في الرد على دعوى اليهود حين ادعوا وقالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً فقال تعالى في رد مزاعمهم: قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ 80 بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 81 [البقرة]، فحكم الله تعالى حكماً جازماً وحسم أطماع الطامعين وأماني المتمنين بالخلود الدائم في نار جهنم لمرتكب السيئة.
3 -حكم الله تعالى على قاتل المؤمن عمداً بالخلود في النار، وهذا حكم خاص فقال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا 93 [النساء].
4 -وقال تعالى في العائد في الربا: وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 275 [البقرة]، وهذه آية خاصة.
5 -وقال سبحانه وتعالى: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ 14 يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ 15 وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ 16 [الانفطار].
6 -في البخاري وغيره من كتب أهل السنة حديث: من قتل نفسه بحديدة فهو يجأ نفسه بحديدته في نار جهنم خالداً فيها مخلداً ... الحديث، أو كما قال.

🔰 المقاولات بين الفريقين في مسألة الخلود في النار

إذا عرفت ما يستدل به كل من الفريقين، فإليك شيء مما يجري من المقاولات بين الفريقين:
🔰 العدلية: مشابهة قولكم قول اليهود....
✳️ أشبهتم معاشر أهل السنة اليهود حين قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً.
🔰 أهل السنة: هناك فرق لأننا على بينة من الله سبحانه
✳️ هناك فرق؛ فاليهود قالوا ذلك من غير بينة ولا عهد من الله، وإنما قالوه بغير علم، فاستحقوا ما استحقوا من غضب الله ومقته.
أما نحن معاشر أهل السنة فلم نقل ذلك إلا حين سمعنا عهد الله وبيناته في كتابه وعلى لسان رسوله بخروج الفساق من النار ودخولهم الجنة.
🔰 العدلية: بينة الله وعهده على خلاف ما تقولون....
✳️ عهد الله تعالى وبيناته في القرآن والسنة غير واضحة ولا مستبينة، بل لا عهد ولا بينة على الإطلاق، والنصوص والبينات الواضحة هي مع خصومكم.
🔰 أهل السنة: ما يستدل به العدلية متأول....
✳️ النصوص التي تستدل بها العدلية هي إما عامة تخصصها الأدلة التي نحتج بها من الكتاب والسنة، وإما خاصة نتأولها للجمع بين الأدلة، فآية القاتل يراد بالخلود الوارد فيها من يتعمد ذلك مستحلاً- وذلك للجمع بين الأدلة.
🔰 العدلية: ما تمسكتم به ضعيف وغير صحيح....
✳️ متمسكاتكم ضعيفة وغير صريحة لوضوح تفسيرها بغير ما تقولون كقوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ [آل عمران:185]، فإن ذلك واضح يراد به الزحزحة بترك الأعمال الموجبة لدخول النار، واستبدالها بالأعمال الصالحة المتسببة لدخول الجنة، ولهذا الغرض جاء بها الله تعالى في القرآن حاثاً لعباده ومرغباً لهم في سلوك طريق السلامة، ومن هنا قال في آخرها: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ 185 [آل عمران].
وقوله تعالى: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأنعام:128]، آية مكية نزلت لوعيد المشركين، ولا خلاف في
خلودهم في النار، وهذا مع أن الآيات التي نستدل بها نحن العدلية آيات مدنية نزلت خصوصاً لوعيد المؤمنين المرتكبين للكبائر.
🔰 أهل السنة: إذا كانت الآيات محتملة فلدينا أدلة من السنة صحيحة صريحة....
✳️ الآيات القرآنية وإن كانت محتملة وغير صريحة في إفادة المطلوب- فإن لنا أدلة من السنة صحيحة وصريحة، والسنة مبينة للكتاب لقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، والأحاديث كثيرة مخرَّجة في الصحيحين، وقد تقدم بعضها.
🔰 العدلية: لاحجة لكم فيما ذكرتم من الحديث
✳️ لا حجة فيما ذكرتم من الحديث وإن كان مخرجاً في الصحاح، وذلك لتفردكم بروايته من دون سائر الفرق الإسلامية، وإنما يصح الاحتجاج في هذا الباب وما أشبهه بالحديث الذي يجمع على روايته وصحته جميع الطوائف الإسلامية، وحينئذ فلم يبق لكم من الحجة في هذا الباب إلا الآيات، وهي غير صريحة ولا مفيدة.
🔰 أهل السنة: إجماع السلف على ما نقول
✳️ يدل على صحة ما ذهبنا إليه من الخروج من النار إجماع الجم الغفير من سلف هذه الأمة وخلفها، لا يعرفون غير ذلك ولا يدينون بغيره في جميع الأمصار والأعصار إلى اليوم، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90].
🔰 العدلية: إجماع من ذكرتم ليس بإجماع....
✳️ إجماع من ذكرتم ليس بدليل، إنما الدليل إجماع كل الأمة، ومن ذكرتم ليسوا كل الأمة، وإنما هم بعض الأمة، وكثرتهم لا تدل على أن الحق معهم بدليل قوله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ 13 [سبأ]، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ [ص:24]، وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]، ونحو هذه الآيات مما ذم الله تعالى فيها الكثرة ومدح القلة.
🔰 أهل السنة: المعصية متناهية في قدرها وزمانها....
✳️ المعصية متناهية في قدرها وزمانها فيجب أن يكون جزاؤها متناهياً في قدره وزمانه؛ تحقيقاً للعدل الإلهي، ودفعاً للظلم الذي تنزه الله تعالى عنه.
🔰 العدلية: نرد عليكم بنفس الإحتجاج في الكافر....
✳️ بما أنكم قد احتججتم بهذا الاحتجاج فإنا نورد عليكم نفس الاحتجاج فنقول: المعصية متناهية في قدرها وزمانها وحينئذ فيجب خروج الكافر والمشرك من النار بعد أن يجازى فيها على قدر معصيته!! وذلك تحقيقاً للعدل الإلهي ودفعاً للظلم الذي تمدح الباري جل وعلا بنفيه عن نفسه، وأنتم معاشر أهل السنة توجبون الخلود للكافر والمشرك في نار جهنم.
🔰 أهل السنة: الكافر قد جاء النص بخلوده بخلاف الفاسق....
✳️ الكافر والمشرك قد جاء النص القاطع بخلوده في النار، وعدم خروجه منها، وأجمع العلماء على ذلك، والفاسق لم يأت فيه نص بالخلود ولم يحصل إجماع، ولو لم يأت في الكافر نص ولا إجماع لصح لنا أن نقول فيه مثلما قلنا في الفاسق.
🔰 العدلية: المعصية عند الله سبحانه عظيمة وليست مقدرة.....
✳️ نعم الكبيرة معصية محدودة إذا قسناها بمقياس عقولنا، ومقدرة محدودة إذا قدرناها بمقاديرنا نحن البشر.
غير أنها عند الله ليست مقدرة ولا محدودة، وقد صور لنا سبحانه وتعالى عظمة بعض المعاصي فقال سبحانه وتعالى: أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32]، فانظر كيف صور الله تعالى لنا عظم قتل النفس بصورة لا تستوعب أفهامنا الضعيفة الإحاطة بصورتها.
ولا شك عند العقل أنا لو فرضنا أن أحداً قتل الناس جميعاً في هذا العصر وأباد النوع الإنساني تماماً لاستحسن العقلاء تخليده في السجن الأبدي والعذاب الدائم.
ولو فرضنا أن أحداً قتل الناس جميعاً منذ آدم إلى يوم القيامة لحكم عليه العقل بذلك الحكم من غير تردد.
معصية الزنا: وهذا مثال آخر: الزنا معصية محدودة بزمن قصير وجريمة مقدرة بمقدار محدد عند مقياس العقول البشرية، غير أن جريمة الزنا في الواقع هي أكبر وأطول وأبعد حدوداً مما يتصوره المتصورون، فإنه يترتب على المرة من الزنا مفاسد ومآثم بعيدة المدى، فولد الزنا تكون طبيعته شريرة يميل إلى الشر والآثام والفساد في الأرض، وكذلك ما تناسل منه إلى أن ينقطع النسل، فبسبب ذلك يحصل في الأرض مفاسد عظيمة وشرور وآثام غير منقطعة ولا محدودة من القتل والظلم والبغي والفواحش.
وبهذا يتبين لنا أن حدود جريمة الزنا ليست بتلك التي قد نتصورها وإنما هي أبعد وأوسع وأعظم، فولد الزنا كما قدمنا يميل بطبيعته إلى الشر الذي منها القتل، وقد قدمنا الصورة الحقيقية لجريمة القتل.
وهكذا سائر الكبائر التي توعد الله تعالى عليها بالخلود في النار كالربا والفرار من الزحف وعقوق الوالدين و ... إلخ.
وقد صور النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمته معصية الربا، ففي الحديث: والله لدرهم من ربا أشد عند الله تعالى من أن يزني الرجل بأمه ثلاثة وثلاثين زنية تحت ميزاب الكعبة، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه ... أو كما قال.
وقال الله سبحانه وتعالى في قصة الإفك: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ 15 [النور].
ولا يسعنا هنا تفصيل ما في الكبائر من المفاسد العظيمة والآثار والنتائج المترتبة عليها، وإنما القصد بيان أن الكبائر التي توعد الله عليها بالنار وبالخلود فيها ليست كما يقوله أهل السنة.
وعلى هذا فالخلود الذي حكم الله تعالى به في كتابه للفاسقين حكم عادل، لا ظلم فيه، جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 82 [التوبة]، جَزَاءً وِفَاقًا 26 [النبأ].
🔰 أهل السنة: مرتكب الكبيرة يخرج من النار ويجازى على الصالحات.....
✳️ قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ 7 [الزلزلة]، فالمؤمن الذي يعمل أعمالاً صالحة ثم يرتكب كبيرة ويموت من غير توبة يدخل النار ثم يخرج إلى الجنة ليجازى على مثاقيل الخير من الأعمال الصالحة، فلو أنه خلد في النار ولم يخرج منها لضاعت عليه مثاقيل الأعمال الصالحة، والله سبحانه وتعالى قد أخبر أنه سوف يراها ويرى جزاءها، فمن هنا قلنا: إنه لا بد من خروج فساق هذه الأمة ليروا جزاء أعمالهم الصالحة.
🔰 العدلية: الكبيرة تحبط الحسنات.....
✳️ الكبيرة إذا ارتكبها الإنسان وأصر عليها ولم يتب منها حتى مات فإنها تحبط أعماله الحسنة وتذهب بها.
ودليل ذلك قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ 2 [الحجرات]، وقوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ... [البقرة:264].
هذا، وكأن الله سبحانه وتعالى يجيب على تعلل أهل السنة واحتجاجهم حين قال جل من قائل: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 81 [البقرة].
🔰 أهل السنة: نستدل بآيات العفو والمغفرة....
✳️ قال الله تعالى: وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ [الشورى:25]، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 53 [الزمر].
🔰 العدلية: الآيات مقيدات بآيات أخرى
✳️ الآيتان وما أشبههما من الآيات مقيدات بالآيات الأخرى، وقد أجمع أهل الأصول تقريباً على حمل المطلق على المقيد، والآيات المقيدة هي نحو قوله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى 82 [طه]، وقوله تعالى:
إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا 70 [ الفرقان ]، وما أشبه ذلك من الآيات وهو كثير، فعلى هذا فمغفرة الله تعالى محكوم بها للتائبين لا للمصرِّين، وجنته معدة للتائبين عن المعاصي المقلعين عنها النادمين، عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ 133 ... إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ 135 أُولَئِكَ ... الآية [ آل عمران ].
🔰 أهل السنة: قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.....
✳️ قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [ النساء:48 ]، فأفادت هذه الآية أن ما دون الشرك من المعاصي يغفره الله تعالى من غير توبة، ولا وجه لتخصيص المغفرة بالتوبة؛ لأن الشرك وسائر المعاصي سواء في ذلك، وبهذا يتبين صحة ما ذهبنا إليه.
🔰 العدلية: التفسير الصحيح لهذه الآية....
✳️ الشرك من بين سائر الكبائر يختص بأن الله تعالى لا يغفره على أي وجه وقع الشرك، على وجه العمد، أم على وجه الخطأ، أم على وجه الغفلة أم الجهل، أم عن نظر أم تقليد.
وهذا الحكم خاص بالشرك، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعامل المشركين فإنه قتلهم وقاتلهم، وأباح أموالهم ونساءهم وذراريهم، من دون نظر إلى أسباب حصول شركهم أو على أي وجه حصل.
وهذا بخلاف سائر الكبائر فإن لها أحكاماً أخف فإن القتل والزنا و ... إلخ إذا وقع على جهة الخطأ والنسيان فإن الله تعالى سيغفره، فهذا هو تفسير الآية لا ما يذهب إليه أهل السنة والجماعة.
🔰 أهل السنة: عقاب الفاسق حق لله تعلى له أن يسقطه.....
✳️ يؤيد ما نقول: أن عقاب الفساق حق لله تعالى، له أن يستوفيه وله أن يسقطه، والعقلاء جميعاً يستحسنون العفو عن المذنب ويستحسنون خلف الوعيد، ويعدون ذلك كرماً، وهذا دليل عقلي أيدنا به ما ذكرنا من عدم خلود الفساق في النار.
🔰 العدلية: قد حسم الله سبحانه الأمر في ذالك فلا يجوز خلف الوعد.....
✳️ قد حسم الله تعالى وقطع ذيول مثل هذه الحجة في كتابه الكريم حين قال: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ 29 [ ق ]، وقال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا 87 [ النساء ]، وحينئذ فتجويز خلف الوعيد يعتبر تكذيباً لمثل هذه الآيات، وتكذيب شيء من الآيات كفر.
🔰 أهل السنة: الإيمان هو التصديق بالله ورسله....
✳️ الإيمان هو التصديق بالله ورسله وكتبه وملائكته وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وبناءً على ذلك فالمؤمن المرتكب للكبائر داخل في العمومات المبشرة بالفضل الكبير في جنات النعيم كقوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا 47 [ الأحزاب ].
🔰 العدلية: ما ذكرتم هو بعض الإيمان لا كله.....
✳️ ما ذكرتم هو بعض الإيمان؛ لأن الإيمان الذي أراده الله تعالى هو: الاعتقاد بالْجَنَان، والقول باللسان، والعمل بالأركان، فالعمل بالأركان داخل في مفهوم الإيمان، فلا يستحق اسم الإيمان إلا من اتقى الله تعالى وأطاعه.
والدليل على ذلك قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 1 [ الأنفال ]، وقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ 2 الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ 3 أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ... الآية [ الأنفال ].

🔰 في الشفاعة

🔰أهل السنة: الشفاعة لأهل الكبائر لأدلة العفو....

✳️ ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكون يوم القيامة لأهل الكبائر إما في عرصات القيامة، وإما بعد دخول النار.

🔰العدلية الشفاعة خاصة بالمؤمنين لأدلة القرآن....

ذهبت العدلية إلى أن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين التائبين
يزيدهم الله بها كرامة إلى كرامتهم ومنافع إلى منافعهم، ويرفع بها درجاتهم، ويزيد بها من مثوباتهم.

🔰 المقاولات بين الفريقين في مسألة الشفاعة

✳️ وإليك هذه المقاولات والمجادلات في ذلك:
✳️ الشفاعة لأهل الكبائر لما سبق من أدلة العفو ولما صح في الحديث: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي رواه الكثير من المحدثين منهم أبو داود.
وحديث: ... أُرِيْدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ، رواه البخاري.
✳️ الشفاعة خاصة بالمؤمنين بدليل قوله تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ 18 [ غافر ]، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ 270 [ البقرة ]، وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [ الأنبياء:28 ]، وقوله تعالى حاكياً لشفاعة الملائكة: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ 7 ... إلى آخر الآيات [ غافر ].
🔰 أهل السنة: الشفاعة هي لإسقاط العقاب....
✳️ أصل حقيقة الشفاعة إنما تكون لإسقاط العقاب، وليست لطلب المنافع وزيادتها، والتائب لا عقاب عليه فلا حظ له في الشفاعة، فتعين كونها لإسقاط الكبائر.
والدليل على ذلك: أن الشفاعة لو كانت لزيادة المنافع لكنا شافعين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم حين نسأل الله تعالى زيادة كرامته.
🔰العدلية: الشفاعة تطلق على طلب المنافع....
✳️ إطلاق الشفاعة على طلب المنافع مما لا سبيل إلى إنكاره كقول الحطيئة -وهو في ديوانه-:
فذاك فتى إن نأته في صنيعة ... إلى ماله لم نأته بشفيع
وهذا الاستعمال شائع متعارف.
وهذا بالإضافة إلى ما جاء من الأدلة في نفي الشفاعة للظالمين، وما جاء من الأدلة في خلود الفساق، ولو كانت شفاعة لم يكن خلود.
يزيد ما قلنا وضوحاً: الإجماع على الدعاء بقولنا: اللهم اجعلنا من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم . ولو خصت الشفاعة لأهل الكبائر لكان معنى الدعاء: اللهم اجعلنا من أهل الكبائر!!
🔰أهل السنة: الفاسق مرتضى من جهة الإيمان ....
✳️ الظالم في قوله تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ 18 هو الكافر، وقوله تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى
الفاسق مرتضى من جهة الإيمان والعمل الصالح بخلاف الكافر فإنه ليس بمرتضى أصلاً لفوات الإيمان الذي هو أصل الحسنات.
ومعنى: ((اجعلنا من أهل الشفاعة)) على تقدير المعاصي، أي: إذا عصينا فاجعلنا من أهل الشفاعة.
🔰العدلية: لوكانت الشفاعة لأهل الكبائر لكانت إغراء .....
✳️ لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر الذين ماتوا غير تائبين- لكانت إغراءً من الله تعالى ومن رسوله للمسلمين بارتكاب الكبائر والإصرار عليها، مما يؤدي إلى فتح باب القتل بين المؤمنين، وسفك دمائهم، وبغي بعضهم على بعض، وانتشار فواحش الزنا واللواط واختلاط الأنساب، وكثرة جرائم السرقات والتلصص وقطع الطرق، وعموم الخوف والفوضى وإقلاق الآمنين، و ... إلخ.
ولا شك أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم منزه عن الدعوة إلى ذلك أو التسهيل فيه، وأن الشيطان وحده هو الذي يدعو إلى ذلك ويسهل فيه.
وبعد، فإنا لم نر في القرآن أي تساهل أو تخفيف عن مرتكب الكبائر، والذي رأيناه هو المقت من الله واللعن والوعيد الشديد لمن يرتكب الكبيرة ولم يستثن الله تعالى من ذلك إلا التائبين.
🔰 أهل السنة: الشفاعة فضيلة للنبي صلى الله عليه وآله ومن خصائصه....
✳️ الشفاعة فضيلة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وخصيصة من خصائصه فضله الله تعالى بها على سائر الأنبياء، وهي المقام المحمود الذي وعده الله تعالى في قوله تعالى: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا 79 [ الإسراء ].
وفي الحديث الصحيح: فضلت على سائر الأنبياء .... إلى قوله: وأعطيت الشفاعة، وحينئذ فلو لم تكن إلا للمؤمنين التائبين لم يظهر لها كبير فائدة، ولم يظهر بها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كثير فضل، فمن هنا قلنا: إنها لأهل الكبائر تحقيقاً لمزيد فضل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبياناً لمزيَّته وكرامته على سائر الأنبياء.
🔰 العدلية: الشفاعة في أهل الكبائر المصرين ليست فضيلة.....
✳️ فضيلة الشفاعة تظهر يوم القيامة حين يشفع صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين التائبين فيزيدهم الله تعالى بشفاعته كرامة إلى كرامتهم، ومنازل إلى منازلهم ودرجات إلى درجاتهم.
وفضيلته صلى الله عليه وآله وسلم تظهر حين يشفع إلى الله فيُشَفَّع ويقال فيسمع، وهذا في حين أن الشفاعة لأهل الكبائر المصرين غير التائبين نقيصة يجب تنزيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها وليست بفضيلة، وحينئذ فليس لهم من شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم حظ ولا نصيب، وإنما سيقول صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الأحاديث الصحيحة: فأقول سحقاً سحقاً.
وقد حذر صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ... يا عباس يا عم النبي، لا أغني عنك شيئاً، يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئاً ... أو كما قال.

🔰 الخلافة

قال جماهير أهل السنة والمعتزلة والخوارج: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينص على إمام بعده.
و قال شذوذ من أهل السنة: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص على إمامة أبي بكر نصاً جلياً أو خفياً. على اختلاف آرائهم.
وقالت الشيعة: بل نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالنص الخفي بالاتفاق بين الشيعة، وبالنص الجلي عند الإمامية.
والنص الخفي هو: الذي لا يعلم المراد منه بالضرورة.
والنص الجلي: هو الذي يعلم المراد منه بالضرورة.
وسنستعرض ما يستدل به كل من المختلفين هنا وما يرد به، على شكل مقاولات ومجادلات.

🔰 المقاولات بين الفريقين في المسألة الخلافة

🔰اهل السنة: ومن وافقهم لم ينص النبي على إمام بعده.....
✳️ أهل السنة والمعتزلة والخوارج:
يدل على ما ذهبنا إليه من عدم النص على أحد: أنه لو كان هناك نص لعلي عليه السلام لاشتهر وظهر لأجِلّة الصحابة، ولم يكن هناك
خلاف ولا اختلاف، ولأذعنوا من غير تردد. والقول بأنهم كتموه بغضاً وحسداً- افتراء وطعن في الصحابة، بل في النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بل في الكتاب الناطق بالثناء على الصحابة.
🔰 الشيعة: النص على خلافة علي ظاهر مشتهر.....
✳️ النص على خلافة علي عليه السلام ظاهر مشهور بين المسلمين من الصحابة ومن بعدهم، وأفراد الصحابة ليسوا بمعصومين، وقد تجري الأمور على غير ما يريد أكثر الصحابة، ومن هنا قال عمر كما في الحديث المشهور المروي في الصحاح: ((إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها))، يعني أن بيعة أبي بكر كانت عن غير مشورة ولا رضا ولا إجماع، ولم يشعر بها أكثر الصحابة إلا بعدما وقعت، فلم يمكنهم إلا الاستسلام للواقع والرضا به، وبيعة عمر كانت بالوصية من أبي بكر فلم يكن للصحابة فيها أي رأي، وبيعة عثمان كانت أيضاً بالوصية.
وحينئذ فلا يصح الاستدلال على عدم النص بفعل الصحابة؛ لأن الصحابة لم يكن لهم أي دور ولا فعل في شيء مما حدث، ولم يمكنهم أن يتكلموا ولا أن يعترضوا.
ومعرفتهم بالنص على علي عليه السلام كانت حبيسة في صدورهم لم يمكنهم أن يعلنوا بها؛ لما يرون في ذلك من حصول النزاع والخلاف، والقتل والقتال.
🔰 أهل السنة: يدل على عدم النص على علي عليه السلام قول العباس.....
✳️ يدل على عدم النص على علي عليه السلام قول العباس لعلي عليه السلام : ((امدد يدك أبايعك))، وقول عمر لأبي عبيدة: ((امدد يدك أبايعك))، وقول أبي بكر: ((بايعوا عمر أو أبا عبيدة))، وقوله: ((وددت أني سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الأمر فيمن هو)).
ويدل على ذلك أيضاً قبول علي عليه السلام للشورى، وقوله لطلحة: ((إن أردت بايعتك))، وكاحتجاجه على معاوية بالبيعة دون النص، وكمعاضدته لأبي بكر وعمر في الأمور، وإشارته عليهما بما هو أصلح، وكسكوته عن النص عليه في خطبه وكتبه ومفاخراته ومخاطباته، وكإنكار زيد بن علي مع علو رتبته ذلك، وكذا كثير من عظماء أهل البيت عليهم السلام .
🔰 الشيعة: لا معنى لما أوردتموه مع صحة النص.....
✳️ قد صح النص على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام ، وحينئذ فلا معنى لما أوردتموه من الأمارات على عدمه؛ لأنه إذا صح الأثر بطل النظر، وكل ما أوردتموه قرائن وأمارات، وهي إن صحت فلا تفيد إلا الشك أو الظن، ومع وجود النص فلا معنى لها ولا وجه لإيرادها، وهذا في حين أن أكثرها ليس بقرينة ولا أمارة.
فقول عمر والعباس: امدد يدك أبايعك- لا يدل على عدم النص بالإمامة لعلي عليه السلام بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقال له ذلك فلا يدل على أنه ليس برسول من الله.
🔰 بعض أهل السنة: تقديم النبي لأبي بكر للصلاة دليل على إمامته.....
✳️ قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر للصلاة فيدل على إمامته، وهذا هو النص الخفي، وهو مروي عن الحسن البصري.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف فيه اثنان ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر رواه مسلم وغيره.
واستدل بهذا الحديث بعض أهل الحديث وقالوا: إنه نص جلي على إمامة أبي بكر.
🔰 الشيعة: رواية تقديم النبي صلى الله عليه وآله لأبي بكر غير صحيحة....
✳️ تقديم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة اختص بروايته أهل السنة، أما الشيعة فرووا أن الذي أمر بتقديم أبي بكر في الصلاة إنما هو عائشة فإنها قالت لبلال لما جاء ينادي بالصلاة: يا بلال مر أبا بكر فليصل بالناس.
ويدل على صحة هذه الرواية: أن أبا بكر لما تقدم للصلاة بالناس خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مريض يتوكأ بين علي والفضل، ورجلاه تخطان في الأرض، وهو معصوب الرأس فتقدم هو صلى الله عليه وآله وسلم فصلى بالناس وهو جالس، وصلوا خلفه قياماً، وهذه القصة مشهورة رواها أهل الصحاح وغيرهم، وروتها طوائف الشيعة.
وفيها دليل واضح على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن هو الآمر بتقديم أبي بكر، ولو كان هو الذي أمر بتقديمه لما خرج في تلك
الحالة الأليمة وصلى هو بالناس؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم حكيم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ومن كان كذلك فإنه لا يأمر بشيء، ثم يكر عليه بالإبطال.
ولو سلمنا لكم على سبيل الفرض وقلنا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أمر بتقديمه؛ فإن في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعزله لأبي بكر من الصلاة بالناس- دليلاً واضحاً على إبطال أمره ونسخه وإلغائه، وهذا مع أن الحديث من الأحاديث الآحادية.
أما الحديث الثاني: فهو حديث آحادي اختص بروايته بعض المحدثين من أهل السنة، والأحاديث الآحادية لا تفيد شيئاً في هذا الباب.
مع أنه حديث تعارضه الروايات التأريخية لمرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنها مع كثرتها وتوسعها في ذكر أحداث تلك الفترة لم تذكر هذا الحديث، بل إن الذي صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه أنه قال: ائتوني بقلم ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده فقال عمر: إن رسول الله يهجر، أكتاباً غير كتاب الله يريد؟ فحالوا بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين ما يريد. روى هذه الرواية البخاري في صحيحه في عدة مواضع، وذكرها المؤرخون لمرض موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
🔰 أهل السنة وغيرهم: اجماع أهل الحل والعقد على إمامة ابي بكر.....
✳️ أجمع أهل الحل والعقد على إمامة أبي بكر، وإن كان من بعضهم تردد وتأبٍّ في أول الأمر؛ فإنه آل أمرهم إلى الرضا والوفاق والبيعة، قال في شرح العمدة: وهذا الدليل هو العمدة في إمامة أبي بكر.
🔰 الشيعة: بيعة ابي بكر كانت من غير مشورة.....
✳️ بيعة أبي بكر قد كانت عن غير مشورة من أهل الحل والعقد، وإنما كانت كما قال عمر بن الخطاب: ((إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه .. ))، رواه أهل الصحاح بما فيهم البخاري.
فمن هنا لم يكن لأهل الحل والعقد فيها أي مشورة ولا رأي، وإنما فرضت على الناس فرضاً، وأرغموا عليها إرغاماً، فقبل بالأمر الواقع الأكثر واستسلموا له، وتأبَّى جماعة من عيونهم فبايعوا على كره منهم، منهم بنو هاشم والزبير وجماعة سواهم، وهذا من القضايا التأريخية المتسالم عليها، وحينئذ فلا يصح لأحد أن يستدل على إمامة أبي بكر بالإجماع.
🔰 أهل السنة: اتفق المهاجرون والأنصار على أبي بكر.....
✳️ اتفق المهاجرون والأنصار أن الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تعدو أبا بكر وعلياً والعباس، ثم إن علياً والعباس بايعا أبا بكر وسلما له الأمر، فدل ذلك على أنه الإمام.
🔰 الشيعة: امتنع علي عليه السلام وبنو هاشم عن بيعة ابي بكر.....
✳️ قد سبق في جواب الدليل الأول أن علياً وبني هاشم وغيرهم امتنعوا عن بيعة أبي بكر، ثم إنهم بايعوا أخيراً بالإكراه وتحت الوعيد، والبيعة بهذا الشكل لا حكم لها، ولا يترتب عليها دليل ولا حجة.
🔰 أهل السنة: يستدلون بآية الاستخلاف.....
✳️ قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [ النور:55 ]، قالوا: فوعد الله تعالى في هذه الآية بالخلافة لجماعة من المؤمنين المخاطبين، ولم يثبت لغير الأئمة الأربعة فتثبت لهم الخلافة على الترتيب.
🔰 الشيعة: ليس في الآية دليل على خلافة أحد بعينه.....
✳️ ليس في الآية دليل على خلافة أحد بعينه، والخلافة التي وعدها الله المؤمنين في هذه الآية هي أن يجعلهم خالفين لقوم
قبلهم يسيطرون على أرضهم، وقد تحقق هذا الوعد فخلف المسلمون على أراض كثيرة وبلدان واسعة، وأخذوها من أهلها بقوة الإسلام والإيمان.
🔰 أهل السنة: حديث: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر .....
✳️ يدل على ما نقول: حديث: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، وحديث: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً.
🔰 الشيعة: لا حجة في ذالك.....
✳️ لا حجة في ذينك الحديثين فهما من أحاديث الآحاد، والمسألة قطعية لا يقبل فيها إلا دليل قاطع.
ثم احتجت الشيعة على ما تذهب إليه من إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بالنص بحديث المنزلة وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه، ورواه غيره من المحدثين والمؤرخين، وروته طوائف الشيعة، وعلى الجملة فهو حديث مجمع على صحته بين جميع الطوائف الإسلامية.
فقالوا: إن هذا الحديث قد أثبت لعلي عليه السلام جميع منازل هارون التي كانت له من موسى ولم يستثن إلا النبوة.
ومنازل هارون التي كان ينزلها من موسى هي كما تحدث عنها القرآن:
1 -النبوة، وذلك معلوم.
2 -الخلافة: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ 142 [ الأعراف ].
3 -الوزارة: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي 29 هَارُونَ أَخِي 30 اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي 31 وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي 32 [ طه ].
4 -الأخوة، كما في الآية السابقة.
5 -المنزلة الثانية في الفضل بعد موسى بلا خلاف.
إذا عرفت ذلك فيجب أن يكون علياً عليه السلام هو خليفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووزيره وأخوه، والتالي له في الفضل.
🔰 أهل السنة: ترك الصحابة للاستدلال بحديث المنزلة.....
✳️ إن عظماء الصحابة تركوا الاستدلال بحديث المنزلة مما يدل دلالة واضحة على أنه لا دليل فيه لاستحقاق علي عليه السلام للخلافة، ولا يجوز أن نحملهم في ترك ذلك على العناد والحسد، لما لهم من الفضل ورسوخ القدم في التقوى حتى أثنى عليهم ربهم بما أثنى.
🔰 الشيعة: خلافة أبي بكر لم تكن برضى الجميع....
✳️ قد سبق لنا بيان أن خلافة أبي بكر إنما فرضت عليهم فرضاً، وأنهم لم يشعروا بها إلا بعد حصولها، فلم يسعهم إلا الاستسلام والقبول حفاظاً على لَمِّ الشمل وجمع الكلمة، وخوفاً من العواقب السيئة، ومع الخوف فالساكت معذور.
واحتجوا أيضاً بحديث الثقلين وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض أجمع على صحة هذا الحديث السنة والشيعة.
فيدل هذا الحديث دلالة واضحة لا تقبل الشك والتشكيك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ترك شيئين اثنين لسد الفراغ الذي سيعقب موته، وحث على التمسك بهما والاهتداء بهديهما، وأنهم لن يضلوا ما تمسكوا بهما، وعلي عليه السلام هو سيد أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فقد تضمن هذا الحديث النص على الخليفة من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
🔰 أهل السنة: حديث الثقلين صحيح لكن الصحابة لم يعولو عليه.....
✳️ الحديث صحيح بلا شك، غير أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين لم يعولوا عليه ولم ينظروا فيه، وهم الأسوة والقدوة، وعولوا على الحديث الآخر الذي يقول: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي أو كما قال.
ومن السرف والخبال التهجم على السلف الصالح، ورميهم بالضلال عن طريق الصواب مع ما أثنى عليهم الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن هنا نقول:
إنما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحديث الثقلين التوصية بمحبة أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم لا تنصيبهم في منصة الخلافة، وإنما قلنا هذا حفاظاً
على مقام السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء هذه الأمة.
🔰 الشيعة: الواجب هو التعويل على النصوص القطعية ولا يجوز التفريط فيها.....
✳️ الواجب المحتم على المسلمين من الصحابة ومن بعدهم- هو التعويل على نصوص القرآن، ونصوص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والنظر فيها، وتفريط من فرط في ذلك ليس دليلاً على بطلان النص، أو بطلان أهميته أو بطلان معناه.
وحديث: كتاب الله وسنتي حديث غير صحيح عند أهل السنة أنفسهم، فلا يجوز العدول عن الصحيح إلى غير الصحيح.
والسلف الذين تتحدثون عنهم لا يجب تقليدهم فيما أخطئوا فيه، بل يحرم تقليدهم ولا يجوز.
وهذا في حين أن سلف هذه الأمة اختلفوا وافترقت بهم الطرق، وهذا في آخر أيام الصحابة حيث سار علي عليه السلام في طريق وتبعه فريق، وسار معاوية في طريق وتبعه أقوام، وسمي من ذلك الحين أتباع علي عليه السلام باسم الشيعة، وسمي أتباع معاوية باسم أهل السنة والجماعة.
وحينئذ فلا حجة لأهل السنة إذا احتجوا بفعل سلفهم، كما لا حجة للشيعة بفعل سلفهم، وإنما الحجة فيما أجمع عليه كلا الفريقين.
🔰 أهل السنة: لو عملنا بدلالة حديث الثقلين لكان تهجين على الصحابة.....
✳️ لو أنا ذهبنا إلى ما يدل عليه حديث الثقلين والمنزلة لكان في ذلك تقبيح صنيع الصحابة الأولين، والتهجين عليهم، وقد أثنى الله تعالى عليهم بما أثنى، وأثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، من ذلك:
قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ... [ الفتح:29 ] إلى آخر السورة.
وقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ... [ التوبة:100 ].
وقوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا 18 [ الفتح ].
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ... [ الحشر:10 ].
وفي الحديث: ... لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
وفي آخر: الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً من بعدي الترمذي.
وفي آخر: لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه البخاري ومسلم.
وفي آخر: خير القرون قرني ... البخاري.
🔰 الشيعة: صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله لها فضل غير مخرج لهم عن العبودية والتكليف.....
✳️ صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم فضل على غيرهم، وقد أثنى الله تعالى عليهم ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، غير أن صحبتهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم تبلغ بهم درجة العصمة، ولم ترفعهم عن درجة العبودية والتكليف، لذلك فإنا نقول: إنهم وإن كانوا صحابة فإن لهم ما للناس، وعليهم ما عليهم مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [ الجاثية:15 ]، لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة:286 ].
وثناء الله تعالى عليهم في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم هو ثناءٌ يراد به جملة الصحابة لا كل فرد فرد على التعيين، بدليل أنه وقع من بعض أهل بدر معاصٍ كبيرة كما هو مذكور في كتب السير والحديث في قصة الإفك: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلد حد الإفك حسان بن ثابت ومسطحاً وحمنة بنت جحش، وجلد عمر بعضاً منهم في ولايته، وقال عمر يوم السقيفة: اقتلوا سعداً قتله الله. وسعد من أهل بدر، وقُتِل سعد غيلة بعد ذلك.
وسل طلحة والزبير وعائشة السيف في وجه علي عليه السلام وسالت بينهما الدماء، وقتل في معركة الجمل طلحة والزبير، وقتل معاوية في
حرب صفين جماعة من أهل بدر كانوا في صف علي عليه السلام منهم عمار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وغيرهم كثير.
وكل هذا مما يدل دلالة واضحة على أن ثناء الله تعالى على الصحابة إنما هو لجملتهم لا لكل فرد منهم، أو أن ثناء الله تعالى عليهم مشروط بالاستقامة.
يؤيد ذلك: ما ذكره الله تعالى في قصة أهل بيعة الرضوان الذين بايعوه تحت الشجرة ورضي عنهم حين قال سبحانه: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا 10 [ الفتح ].
يزيد ذلك بياناً ما روي في الصحيحين وغيرهما: ليذادن ناس منكم عن حوضي فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ... الحديث أو كما قال.
وقد قال سبحانه وتعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ... إلى قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا 29 [ الفتح ]، فأخبر سبحانه وتعالى أن وعده الجميل بالمغفرة والأجر العظيم هو للذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم لا لكلهم، ولم يعم الله تعالى بوعده جميع الصحابة كما ترى في هذه الآية.
🔰 أهل السنة: للصحبة كرامة لايجوز إسقاطها....
✳️ للصحابة كرامة وفضيلة عظيمتان حافظ عليها المسلمون خلفاً عن سلف، فلا يجوز إسقاط ذلك، والاستهانة به.
وهذا في حال أن الصحابة هم الواسطة بيننا وبين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهم الذين نقلوا إلينا سنته وحديثه وشريعته، فلو طعَنَّا عليهم لبطلت السنة ولهدم الإسلام، وقد كان علماء أهل السنة والجماعة يرمون من يطعن في الصحابة بالزندقة؛ لأنه بطعنه عليهم يهدم الإسلام، وحديث الرسول عليه وآله الصلاة والسلام.
🔰 الشيعة: صحبة النبي صلى الله عليه وآله فضيلة عظيمة لكن لا تتعدى نصوص القرآن....
✳️ لا شك أن صحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فضيلة عظيمة، ولكنها ليست على الشكل الذي يتصوره أهل السنة والجماعة، كيف والصحابة أنفسهم لم يكونوا يعتقدون تلك العقيدة ولا يعرفونها، فقد كان يقتل بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، وقد وصفهم الله تعالى بأجلى الصفات وأوضحها، فقال تعالى في أهل أحد حين ذكر قصة هزيمتهم: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [ آل عمران:152 ].
ونعى تعالى عليهم في هذه القصة هزيمتهم، ووهنهم في سبيل الله، وضعفهم واستكانتهم ((ذلتهم))، وأنهم لم يكونوا مثل أصحاب كثير من الأنبياء عليهم السلام فقال تعالى فيهم ((أهل أحد)) في
سورة آل عمران: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ 146.
وقال تعالى في هذه القصة ((قصة أهل أحد)) في سورة آل عمران وهو يصف ضعف إيمان الصحابة، وقلة ثباتهم في الدين، وأنه يتوقع منهم -لو مات نبيهم أو قتل- أن يرتدوا وينقلبوا على أعقابهم: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ 144 [ آل عمران ].
ووصفهم بالفرار من الزحف في قوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ 25 ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ... الآية [ التوبة ].
ووصفهم تعالى بقلة الاكتراث بنبيهم في سورة الجمعة: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ 11.
وقال سبحانه وتعالى في المدينة التي هي موطن المهاجرين والأنصار: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ 101 [ التوبة ].
فأخبر سبحانه وتعالى أن في أهل المدينة منافقين متمرنين على النفاق لا يعرفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع زكاء فطنته، وهؤلاء المنافقون هم نوع آخر غير أولئك الذين قال الله عنهم: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [ المنافقون:30 ]، ومن هنا كان بعض كبار الصحابة يسأل حذيفة -وكان حذيفة مليئاً بأسرار كثير من المنافقين أسرها إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - قائلاً: هل أسر إليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أني منافق؟ وهذا مروي في الصحاح.
🔰 أهل السنة: قد حسن إسلام المنافقين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.....
✳️ الصحابة وإن جاء فيهم ما جاء، وإن كان فيهم منافقون- فقد حسن إسلامهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وصار أمرهم إلى السداد، وصاروا فيما بعد إخوة متعاونين على البر والتقوى؛ فجاهدوا المرتدين، وفتحوا مشارق الأرض ومغاربها، ونشروا الإسلام.
🔰 الشيعة: الصحابة لهم فضل ومزية لم يبلغو بها درجة العصمة.....
✳️ الصحابة لهم فضل ومزية، ولهم أعمال جليلة، والواجب في حقهم وحق غيرهم من المؤمنين هو حسن الظن، وفتح باب التأويل ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، ورأيْنَا الله سبحانه وتعالى أثنى على الصحابة ومدحهم في كتابه، واستنكر عليهم وذمهم ومقتهم في كتابه، وكذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فمن هنا علمنا أن للصحابة ما للناس وعليهم ما عليهم: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ
أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [ الجاثية:15 ]، وعلمنا أنهم لم يبلغوا درجة العصمة، وأن رضا الله عنهم مشروط بالاستقامة كما قدمنا.
أما حديث: لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فهو إن صح ليس فيه أن الله قال ذلك على القطع، وإنما الخبر فيه مبني على سبيل الفرض والتقدير.
🔰 أهل السنة: نحن من إسلام الصحابة على يقين.....
✳️ نحن من إسلام الصحابة وإيمانهم على يقين، ولا يجوز الخروج من الحكم لهم بذلك إلا بيقين، وهذا أصل معترف به بين علماء المسلمين.
ونحن معاشر أهل السنة قد بنينا مذهبنا على هذا الأصل المتسالم عليه، وهذا بالإضافة إلى ما يؤيد هذا الأصل من ظواهر الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح، ومن كان من المنافقين فإنه قد حسن إسلامه بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا أمر مجمع عليه بين السلف.
🔰 الشيعة: قد نص القرآن على أن فيهم منافقين.....
✳️ لا شك أن فيمن أظهر الإسلام منافقين، وأنهم كثرة كاثرة بدليل انخزال عبدالله بن أُبيّ يوم أحد بثلث الجيش، فإنه رجع بهم من الطريق، ولم يذهب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا الثلث، وفيهم مع ذلك مؤمنون صادقو الإيمان.
وحينئذ فنحن من معرفة ذلك على يقين، ولا يجوز الخروج منه إلا بيقين، وحسن إسلام المنافقين بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر
مستبعد؛ فإن موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيابه عن المسلمين لا يكون سبباً للصلاح، وحياته سبباً للنفاق والفساد!! هذا من عكس الحقائق وقلب الأمور، ومن وساوس الشيطان الرجيم.
🔰 أهل السنة: خلافة ابي بكر كانت أمر واقع.....
✳️ خلافة أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت أمراً واقعاً، حصل فيها شيء من الخلاف في أول الأمر، ثم استقر رأي الجميع من بعد ذلك على الرضا بخلافته، والاستظلال تحت مظلة خلافته، والسمع والطاعة والانقياد من الجميع وكانوا يدعونه: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد قال سبحانه: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ 119 [ التوبة ].
ثم أوصى حين موته بالخلافة لعمر بن الخطاب، فرضي الجميع وانقادوا، ولم يظهر أي خلاف كما ظهر في أول خلافة أبي بكر، ثم صارت الخلافة إلى عثمان بوصية من عمر إلى ستة كان عثمان أحدهم، فلم يظهر فيها أي خلاف ولا شقاق.
🔰 الشيعة: الخلافة هي وراثة النبوة ولاتكون إلابدليل شرعي
✳️ خلافة الثلاثة وإن كانت أمراً واقعاً استسلم له المسلمون، إلا أنها كانت غير مشروعة ولا مرضية في الدين، ولا عند صالحي المؤمنين، يدل على ذلك أمور:
1 -أن الخلافة هي وراثة النبوة، وسنة الله في الأنبياء السابقين أنها لا تكون إلا في أهل بيت النبي كما نطق بذلك القرآن في آل إبراهيم وآل عمران وغيرهما، بل إن سنة البشر عامة أن الأحق بوراثة الملك هم أقارب الملك الأدنون، وهذه سنة ماضية في العرب والعجم وأهل الملل وغيرهم.
2 -لا تكون الخلافة إلا بدليل شرعي؛ لأنها تصرف في أموال الناس ودمائهم وأعراضهم، ولا دليل على خلافة الثلاثة إلا دعوى الإجماع، وهي دعوى تكذبها الحقائق التأريخية.
3 -اعترف عمر بن الخطاب كما في البخاري وغيره فقال: ((إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها من وقى، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه)).
فهذا اعتراف لا شك في صحته بما نقوله، حيث حكم بأنها فلتة كانت عن غير مشورة ولا رضا، وأن أبا بكر والذين بايعوا له قد كانوا يستحقون القتل على ذلك، وهذا يعني أنها جريمة كبرى يستحق فاعلها القتل.
والمعلوم أن القتل لا يكون إلا بإحدى ثلاث: إما بالردة، أو بزنا المحصن، أو بقتل النفس بغير حق.
فجريمة خلافة أبي بكر في نظر عمر بن الخطاب بمنزلة واحدة من هذه الخلال الثلاث، وإذا كانت بهذه المنزلة فلا شك أن ما
ترتب عليها جريمة، وخلافة عمر مترتبة على خلافة أبي بكر بالوصية، وخلافة عثمان مترتبة على خلافة عمر بالوصية كما تقدم، والمعقول أنه لا يتولد عن الجريمة إلا جريمة.
🔰 أهل السنة: أبو بكر أفضل الصحابة ثم عمر ثم عثمان لأدلة.....
✳️ أبو بكر أفضل الصحابة ثم عمر ثم عثمان، والخلافة تستحق بالأفضلية، وقد أطبق على ذلك جمهور عظماء الملة وعلماء الأمة، وحسن الظن بهم يقضي بأنهم لو لم يعرفوه بدلائل وأمارات لما أطبقوا عليه، وهذا دليل إجمالي.
وأما الدليل التفصيلي

✳️ 1 -فقوله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى 17 الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى 18 وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى 19 [ الليل ]، فالجمهور على أنها نزلت في أبي بكر، والأتقى أكرم، وليس المراد به علياً؛ لأن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عنده نعمة تجزى هي نعمة التربية.
2 -حديث: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. الترمذي. فأمر صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين بما فيهم علي عليه السلام بالاقتداء بهما، ولا يؤمر الأفضل بالاقتداء بالمفضول.
3 -حديث: هما سيدا كهول أهل الجنة ما خلا النبيين والمرسلين الترمذي.
4 -حديث: خير أمتي أبو بكر ثم عمر كنز العمال.
5 -حديث: ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أحد أفضل من أبي بكر.
6 -حديث: لو كان من بعدي نبي لكان عمر أحمد.
7 -حديث: عثمان أخي ورفيقي في الجنة. الهيثمي وغيره.
8 -حديث: لو كنت متخذاً خليلاً دون ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن هو شريك في ديني، وصاحبي الذي أوجبت له صحبتي في الغار، وخليفتي في أمتي. البخاري وغيره.
9 -عن ابن عمر: كنا نقول ورسول الله حي: أفضل أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان» أبو داود.
وقريب من هذا الأثر عن محمد بن الحنفية. ذكرها ابن كثير.
وهناك روايات غير هذه في هذا المعنى يذكرها أهل السنة، يستدلون بها على أن أبا بكر أفضل الصحابة ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
🔰 الشيعة : علي عليه السلام أفضل الصحابة لأدلة قاطعة على ذالك.....
✳️ علي عليه السلام أفضل الصحابة على الإطلاق بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولنا أدلة على ذلك قاطعة على ذلك وواضحة، من الكتاب والسنة منها:
1 -سبق علي عليه السلام إلى الإسلام فهو أول ذكر آمن بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد قال الله تعالى وهو يذكر فضل السابقين: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ 10 أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ 11 [ الواقعة ].
2 -الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان، وكان علي عليه السلام أكثر الصحابة جهاداً للمشركين وأنكاهم فيهم، لم يكن للصحابة من الجهاد مثل ما كان لعلي عليه السلام ، وقد قال تعالى: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا 95 دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ... [ النساء ].
3 -صح بلا خلاف بين السنة والشيعة حديث: علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وهارون عليه السلام كان بلا شك الثاني في الفضل بعد موسى عليه السلام ؛ فيجب أن يكون علي عليه السلام هو الثاني في الفضل من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
4 -قال الله تعالى: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ 61 [ آل عمران ]، صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلا خلاف بين السنة والشيعة أن هذه الآية نزلت يوم أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباهلة نصارى نجران، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم أخرج للمباهلة ابنيه الحسن والحسين وابنته فاطمة وزوجها علياً عليه السلام ، لم يَدْعُ للمباهلة غيرهم.
فكان الحسن والحسين ابني النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنص هذه الآية، وكان علي عليه السلام نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنص هذه الآية أيضاً، وإذا كان علي عليه السلام هو نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنص كما في هذه الآية، فإن نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الأنفس، وعليه فيجب أن يكون علي عليه السلام هو أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
5 -لعلي عليه السلام دون سائر الصحابة القرابة القريبة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو ابن عمه لأبيه وأمه، وزوج ابنته فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وأبو ولديه الحسن والحسين عليهما السلام سيدا شباب أهل الجنة.
6 -كان علي عليه السلام أعلم الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإذا كان أعلمهم فهو أفضلهم لقول الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [ الزمر:9 ]، يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [ المجادلة:11 ].
والدليل على أعلميته عليه السلام : رجوع علماء الصحابة إليه في كثير من القضايا، ومن المشهور قول الخليفة الثاني ((عمر بن الخطاب)): ((لولا علي لهلك عمر))، وقوله: ((لا أبقاني الله لمعضلة لست لها يا أبا الحسن)).
7 -من الصحيح المتسالم عليه بين أهل السنة والشيعة أن أبا بكر قال أيام استخلافه على المنبر: ((وليتكم ولست
بخيركم .... ، وإن لي شيطاناً يعتريني ... ، الصدق أمانة والكذب خيانة ... إلخ))، فهذا تصريح من أبي بكر أنه ليس بأفضل الصحابة، ولا يصح لأحد أن يقول: إن أبا بكر إنما قال ذلك تواضعاً وهضماً لنفسه، وذلك أن من المعروف أن الكذب لا يجوز لمثل هذا الغرض ولا سيما من مثل خليفة المسلمين وعلى منبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا شك أن عمر وعثمان يدينون ويعتقدون أنهما دون أبي بكر في الفضل، وعلى هذا فيلزم أن علياً عليه السلام أفضل الصحابة.
🔰 أهل السنة: الترتيب في الخلافة دليل على الترتيب في الفضل.....
✳️ الترتيب في الخلافة دليل على الترتيب في الفضل، وعلى حسب ترتيبهم في الخلافة، دان السلف والخلف بأن ترتيبهم في الفضل هو على حسب ذلك الترتيب، وهذا في حين أن للخلفاء الثلاثة أعمالاً جليلة؛ فأبو بكر حارب المرتدين وجاهدهم بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان المسلمون في جزيرة العرب قد ارتدوا عن الإسلام تقريباً، ولم يبق على الإسلام إلا أهل المدينة وقلة قليلة؛ فجاهدهم أبو بكر وقطع دابرهم، وأعاد للإسلام دولته وسلطانه في جزيرة العرب، وكثرت الفتوح في خلافة عمر وخلافة عثمان، وتوسعت دولة الإسلام كما ذلك معروف ومشهور، ولم يكن لعلي عليه السلام مثل ما لهم من جلائل الأعمال؛ فيجب أن يكون كل واحد منهم أفضل.
🔰 الشيعة: أعمال علي الجهادية أفضل.....
✳️ أعمال علي عليه السلام الجهادية في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل، فبسيفه تقريباً هزم الله المشركين يوم بدر، فقد ذكر المؤرخون أنه قتل بيده نصف قتلى بدر تقريباً. ذكر ذلك ابن أبي الحديد المعتزلي، وقتل بسيفه مرحباً يوم خيبر، وفتح الله على يديه حصنهم، وهزم الله الأحزاب بقتله عمرو بن عبد ود العامري، وله اليد الطولى والمقام المحمود يوم أحد وحنين وفي غير ذلك.
وعلى هذا فبسيفه تأسست دولة الإسلام، وتقهقر سلطان المشركين، وذلت أعناقهم.
وحينئذ فإن الفتوح التي كانت زمن الخلفاء مترتبة على جهاد علي ومتفرعة عليه، ولولا جهاده لما كانت تلك الفتوح، ولا كانت تلك الخلافة.
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم .... وهذا الحديث مشهور معروف.
أما ترتيب الخلافة فليس بدليل على الترتيب في الفضل، وكذلك اعتقاد السلف والخلف، والأدلة المعتبرة معروفة هي: الكتاب، والسنة، والأجماع.
وسوف نستكمل البقية لاحقا........
🔰 أهل السنة: لا يجوز رمي الصحابة بمخالفة النصوص.....
✳️ تضليل الصحابة ورميهم بمخالفة نصوص الكتاب ونصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، واتهامهم بالمعاندة والجرأة على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أمر عظيم لا يتجاسر عليه مؤمن، ولا يقدم عليه مسلم، كيف وقد وصفهم الله بما وصفهم، وأثنى عليهم بما أثنى، فمن هنا أجمع أهل السنة على تضليل الشيعة لجرأتهم على رمي الصحابة بالمعاندة، ومخالفتهم النصوص، واتهامهم بارتكاب المعاصي والآثام.
🔰 الشيعة: قد وقعت المخالفة من كثير منهم...
✳️ الشيعة يقولون: إن أكثر الصحابة خالفوا الحق الذي افترضه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، وتركوه خلف ظهورهم، ونعني بذلك تركهم تقديم علي عليه السلام للخلافة، وقد كان هو الأحق بها كما دلت عليه النصوص التي سبقت.
وقد كان علي عليه السلام يكثر التشكي من ذلك كما في نهج البلاغة، والحقائق التأريخية تقول: إن الخلفاء الثلاثة أبعدوا علياً وأهل بيته عن ساحة الخلافة وعن تدبير شؤونها، وأقصوهم عن كل ذلك غاية الإقصاء، وأخذ أبو بكر أموال فاطمة التي كان أنحلها إياها أبوها صلى الله عليه وآله وسلم ، فراجعته فلم يرجع، ثم هجرته، وماتت كمداً، وهي غاضبة على أبي بكر وعمر.
وقد أخطأ أهل السنة خطأً بعيداً حين ضللوا الشيعة في هذا الباب، وذلك أن الشيعة لم يزيدوا فيما ذكروا على الإيمان بالنصوص الصحيحة التي أجمع أهل السنة والشيعة على صحتها، وعلى تخطئة الذين خالفوها، ثم ذكر الحقائق التأريخية الصحيحة من سيرة الصحابة من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وصنيعهم هذا هو عين الحق ومحض الإنصاف.
🔰 أهل السنة: يجب الإغماض عن ما جرى بين الصحابة.....
✳️ الواجب هو الإغماض عما جرى بين الصحابة من الخلاف والنزاع والشقاق والقتال، وكذلك عما جرى من آحادهم، فقد ذكر العلماء لذلك محامل وتأويلات تليق بجلالهم؛ لأنهم محفوظون عما يوجب التضليل والتفسيق، وهذا هو الواجب الذي يحتمه حسن الظن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
🔰 الشيعة: هذا القول محدث لم يقل به حتى الصحابة......
✳️ هذا المذهب هو مذهب مُحدَث، لم تعرفه الصحابة، وذلك أن من الحقائق التأريخية المسلَّمة أن الصحابة كانوا بخلاف ذلك، فقد كان يقتل بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، ويذم بعضهم بعضاً، وهم السلف الصالح للمسلمين؛ فما كان ينبغي لكم يا معشر أهل السنة أن تضللوا الشيعة في اهتدائهم بهدي سلفهم الصالح من الصحابة، وليس من الإنصاف أن تحتموا عليهم تقليد سلفكم الذين تهتدون بهديهم.
فإنهم قد نظروا لأنفسهم فاختاروا بعد التحري والاجتهاد في النظر أن يهتدوا في دينهم بعلي والحسن والحسين عليهم السلام وبشيعتهم الأبرار، مثل الصحابي الكبير عمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وأشباههم رضوان الله عليهم.
ولم يكن اختيارهم هذا عن الهوى والتشهي، وإنما ساقتهم إليه الدلالات المتكاثرة والحجج الصحيحة، مثل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم المشهور الذي رواه السنة والشيعة وهو في صحيح البخاري وغيره: ما لهم ولعمار، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، ويح عمار تقتله الفئة الباغية.
وقد أجمع المسلمون من أهل السنة والشيعة أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان هو الخليفة الراشد، وأن المحاربين له الخارجين عن طاعته، كمعاوية وعمرو بن العاص وأتباعهما، وطلحة والزبير وأهل الجمل كانوا بغاة وناكثين.
وهذا مع ما صحت به الرواية المتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في حديث الغدير المشهور وهو يخاطب جماهير الصحابة بعد قفولهم من حجة الوداع في مكان يسمى ((غدير خم)): ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : أنا دار الحكمة وعلي بابها رواه جمع كثير من محدثي أهل السنة، منهم الحاكم في المستدرك والترمذي.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله فأعطاها علياً عليه السلام . رواه البخاري في أكثر من موضع من صحيحه.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : أنت أخي في الدنيا والآخرة الترمذي.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الطير المشهور: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر فجاء علي ... رواه البخاري في التأريخ الكبير، والحاكم في المستدرك، والترمذي، وجمع كبير من محدثي أهل السنة.
وفيه وفي زوجته فاطمة، وابنيه الحسن والحسين نزل قوله تعالى: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [ الشورى:23 ]. روى ذلك البخاري في صحيحه.
وفي أهل الكساء الذين هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما رواه مسلم في صحيحه وغيره من محدثي أهل السنة: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ونزل فيهم قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 [ الأحزاب ]. وكل ذلك مروي في صحيح مسلم وغيره.

🔰 المقاولات بين الفريقين في إمامة الحسنين ومن بعدهما

هذا، وقد سبق ذكر المقاولات بين أهل السنة والشيعة في إمامة علي من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما يقوله كل من الفريقين ويستدل به.
وسنذكر هاهنا إمامة الحسن والحسين عليهما السلام .
🔰 الشيعة: لنا أدلة مجمع عليها على إمامة الحسنين عليهما السلام.....
✳️ يدل على إمامة الحسن والحسين عليهما السلام دليلان اثنان، أحدهما خاص والآخر عام:
الدليل العام
✳️ صح عند الجميع حديث الثقلين وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وفي بعض الروايات: إني مخلف فيكم خليفتين ... إلخ.
فهذا دليل واضح على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نصب أهل بيته للقيام مقامه عند غيابه عن أمته، يقضون بالحق وبه يعدلون.
وأمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا النص أمته من الضلال أبد الآبدين، ما زالوا متمسكين بهذين الخليفتين و ... إلخ.
والحسن والحسين عليهما السلام بعد موت أبيهما رحمة الله عليه كانا هما أهل البيت في عصرهما، مختصين بهذا الاسم من دون سائر الناس لا يشاركهما فيه مشارك، فكانا هما الإمامين والخليفتين.
🔰 أهل السنة: أهل البيت اسم يشترك فيه أزواج النبي وبنو هاشم.....
✳️ أهل البيت اسم يشترك فيه أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وسائر بني هاشم، ويطلق أيضاً ويراد به الأمة، فلا يصح للشيعة حينئذ أن تحتج بهذا الحديث على ما يدعون من إمامة الحسنين.
🔰 الشيعة: قد بين النبي المراد منه فلا إشتراك....
✳️ اسم أهل البيت وإن أطلق على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبني عمه، وأيضاً على أمته بالاشتراك- فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بين المراد، ورفع الالتباس بما لا يبقى مع بيانه أي شك ولا لبسة، فروى المحدثون من أهل السنة وغيرهم، وهو في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لف عليه وعلى ابنته فاطمة وزوجها علي والحسن والحسين كساءً ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب
عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» وعند ذلك نزل قوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 [ الأحزاب ].
وقد كانت أرادت أم سلمة أن تدخل معهم تحت الكساء حين سمعت قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فردها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالت: ألست من أهل بيتك؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أنت من أزواج النبي.
ذكر ذلك محدثو أهل السنة والجماعة، وكذلك محدثو الشيعة.
فعين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل بيته بهذا الحديث أوضح تعيين، وميزهم أكمل تمييز لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [ الأنفال:42 ].
🔰 الشيعة: للحسنين عليهما السلام فضائل لا يشاركهما فيها أحد.....
✳️ ودليل آخر عام هو أن للحسنين عليهما السلام دون غيرهما فضائل لا يشاركهما فيها مشارك هي: فضيلة القرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهما ابنا ابنته فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وقد جعلهما الله تعالى بنص آية المباهلة ابنين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومع ذلك فلم تفتهما فضيلة الصحبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلهما حينئذ فضيلة الصحابة والقرابة ((البنوة)).
ثم فضيلة المحبة، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحبهما كأشد حب الوالد لولده، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: هما ريحانتاي من الدنيا، وقد ذكر محدثو أهل السنة من ذلك شيئاً كثيراً، وهو مشهور عندهم.
وقال لهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأبيهما: حربكم حربي وسلمكم سلمي.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى.
وفيهما وأبيهما وأمهما نزل قوله تعالى: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [ الشورى:23 ]، كما رواه أهل الصحاح منهم البخاري، وقد طفحت كتب المحدثين من أهل السنة وغيرهم بفضائلهما؛ فمن أراد المزيد فليرجع إليها، ولو لم يكن إلا ما أوجبه الله تعالى من الصلاة على آل محمد في فرائض الصلاة: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
ومن المعلوم بين علماء المسلمين منذ عهد الصحابة أن الخلافة تستحق بزيادة الفضل، فمن كثرت فضائله وزادت على غيره فهو الأولى والأحق بالخلافة.
وقد اجتمعت للحسنين عليهما السلام فضائل كما أسلفنا، فهما حينئذ أحق بالخلافة من غيرهما، فمن أخذها من دونهما فقد أخذها بغير حق، وكان ظالماً، وقد قال سبحانه وتعالى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [ الأنفال:75 ].
🔰 الشيعة: لدينا الإجماع والنص على إمامتهما.....
1 -أجمع أهل البيت عليهم السلام على أن الحسنين عليهما السلام هما الإمامان من بعد أبيهما، ورووا في ذلك نصاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، وأبوهما خير منهما، وقد زكى الله تعالى أهل البيت كما في آية التطهير، وحديث الكساء، وحديث الثقلين، وآية المودة، وحديث السفينة، وأوجب الصلاة عليهم في الصلاة و ... إلخ؛ لذلك فإن ما أجمعوا عليه يكون حقاً بلا شك ولا شبهة.
2 -في حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواه محدثو أهل السنة والجماعة وغيرهم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما، وهذا النص يفيد أنهما أفضل الصحابة بعد أبيهما.
وجه الدلالة:
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم لهما -وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى- بأنهما سيدا شباب أهل الجنة، والمشهور أن أهل الجنة كلهم شباب في سن الأربعين أو دونها كما في الروايات الصحيحة.
وأهل الجنة هم جميع الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين، وعلى هذا فهما أفضل أهل الجنة ما خلا أباهما كما في
هذا الحديث نفسه، وما خلا النبيين والمرسلين للاتفاق على أفضليتهم على سائر الناس، والخلافة كما سبق تستحق بالفضل.

🔰 منصب الخلافة

🔰 أهل السنة: يشترط في الخليفة أن يكون قرشيا
✳️ يشترط في الخليفة أن يكون قرشياً، واستدلوا بحديث: الأئمة من قريش. أحمد وغيره.
وحديث: الولاة من قريش ما أطاعوا الله واستقاموا لأمره. السنن الكبرى للبيهقي وغيره.
وحديث: قدموا قريشاً ولا تقدموها. جمع من المحدثين.
ومما استدلوا به: رد أبي بكر على الأنصار حين قالوا: منا أمير ومنكم أمير- بأن الأمر لقريش .. إلخ، فسلم الأنصار عند ذلك.
🔰 الخوارج وبعض المعتزلة: لا يشترط أن يكون قرشيا
✳️ لا يشترط أن يكون الخليفة قرشياً، واستدلوا بحديث: أطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع. مسلم وغيره.
ثم قالوا مستدلين: لا عبرة بالنسب في القيام بمصالح الدين والملك، بل العبرة بالعلم والهدى والبصيرة بتدبير الأمور وحسن السياسة، والقوة على القيام بمصالح المسلمين، وما أشبه ذلك مما تقوم به أركان الخلافة، ويشد من أزرها، ويلبسها ثوب المهابة وسلطان العدالة، والنسب ليس في شيء من ذلك.
🔰 الشيعة: منصب الخلافة بعد الحسنين من كملت فيه شروط الخلافة المعتبرة من ذريتيهما.....
✳️ منصب الخلافة علي عليه السلام والحسنان عليهما السلام ، ثم ما تناسل منهما ممن كملت فيه شروط الخلافة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المشهور المتواتر: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.
ويمكن أن نقوي هذا الدليل بما استدل به أهل السنة، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : الأئمة من قريش، و قَدِّموا قريشاً ولا تَقَدَّموها، و الولاة من قريش ... .
فتكون هذه الأدلة مما يدل على صحة ما تقوله الشيعة، وذلك أن علياً وابنيه الحسن والحسين عليهم السلام وذريتهما من قريش، وأهل السنة لا يخالفون أن من ذكرتهم الشيعة منصب للخلافة.
🔰بم تنعقد الإمامة عند أهل السنة؟
✳️ وتنعقد الإمامة بطريق من ثلاث طرق:
1 -بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس.
2 -استخلاف الإمام وعهده.
3 -بالقهر والاستيلاء والتغلب ولو فاسقاً أو جاهلاً، على الأظهر. هكذا في شرح المقاصد.
🔰بم تنعقد الإمامة عند الزيدية؟.....
✳️ لا تنعقد الإمامة بالقهر والتغلب ولا سيما للفاسق أو الجاهل، وإنما تنعقد بالنص في المنصوص عليهم أو بالدعوة والبيعة من أهل الحل والعقد.
قلت: وكأن أهل السنة في هذا الباب أعني باب الخلافة يتعصبون للأمر الواقع وينتصرون له، وينتحلون له الشبه والأدلة، ويقومونه بقدر ما يستطيعون من التزويق والترويج، ويغضون أبصارهم عما خالف ذلك من أدلة الكتاب وصحيح السنة، فإذا جودلوا بها تأولوا وتعسفوا وأزبدوا وأرعدوا.
ومن تعصبهم هذا ما قالوه وحكموا به من صحة خلافة الفاسق المتغلب الذي قهر الناس بسيفه وسلطان قوته على بيعته والدخول تحت خلافته.
والقرآن يقول فيما حكى عن إبراهيم عليه السلام : قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ 124 [ البقرة ]، فحكم الله تعالى أنه ليس للظالمين في عهد الإمامة حظ ولا نصيب.
وقال الله سبحانه وتعالى: وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا 51 [ الكهف ]، والمعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو خليفة الله في أرضه وفي عباده، يحكم بحكم الله ويعمل ما يرضيه، ويعلن الحق
ويقيم العدل والإنصاف، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعز أولياء الله ويذل أعداء الله و ... إلخ.
فيجب أن يكون خليفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كذلك، وعلى مثل ذلك، فإذا كان الإمام يحكم بغير حكم الله، أو يعمل بما يسخط الله، أو لا ينصر الحق ولا يعلنه، أو لا يقيم العدل والإنصاف أو ... إلخ- فليس بخليفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنما هو خليفة للشيطان، وعدو لله ولرسوله، وحرب لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، والله ورسوله بريء منه.
وفي الحديث: من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة.

🔰 بين الزيدية والإمامية

اتفقت الشيعة على القول بالنص في إمامة علي والحسنين عليهم السلام ، ثم اختلفت بعد ذلك:
🔰 الزيدية: الإمامة بعد الحسنين فيمن دعى مستكملا للشروط المعتبرة من ذريتيهما....
✳️ الإمام بعد الحسنين عليهما السلام من قام ودعا إلى الله، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وهو مستجمع لمقومات الخلافة وشروطها، التي أهمها: العلم الكامل، والعدالة الكاملة، والورع الكامل، وحسن السياسة والتدبير، والقوة على التنفيذ، و ... إلخ.
🔰 الإمامية: الإمامة بعد الحسنين منصوصة في تسعة....
✳️ الإمام بعد علي والحسنين عليهم السلام هو متعين معروف بعينه منصوص عليه باسمه واسم أبيه بنص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فالحسين عليه السلام أوصى إلى علي بن الحسين ونص عليه، وعلي بن الحسين أوصى بالإمامة إلى ابنه محمد الباقر ونص عليه، وهكذا يوصي الإمام بالإمامة إلى أحد أولاده، والإمام بعد محمد الباقر ابنه جعفر، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن العسكري، وآخرهم محمد بن الحسن العسكري وهو المهدي المنتظر.
🔰 الزيدية: لا يوجد نص في غير علي والحسنين عليهم السلام.....
✳️ لا يُعرَف ما تدعونه من النص على أسماء الأئمة، وأنهم اثنا عشر إماماً معينين بأسمائهم وأنسابهم اللهم إلا علياً والحسنين عليهم السلام .
ولا يوجد في كتب الحديث لما تدعونه ذكر ولا إشارة لا في كتب الحديث التي عند أهل السنة، ولا في كتب الحديث التي بأيدينا نحن الزيدية.
فأنتم حينئذ بقولكم بالنص لم تخرجوا من حيز الدعوى، ولم تقم لكم بما ذكرتم حجة ولا برهان، ولا حتى شبهة دليل، وحجج الله وبيناته لا تقوم بالدعاوى، وتماماً كما قال سبحانه: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 64 [ النمل ].
🔰 الإمامية: قد صح عند الجميع حديث الثقلين....
✳️ قد صح عند الجميع حديث الثقلين، وحديث السفينة، وغيرهما مما طفحت به كتب الحديث عند أهل السنة، وعند الشيعة، بالإضافة إلى ما صح عند الجميع من نزول آية التطهير وآية المودة في أهل البيت.
🔰 الزيدية: أدلتكم عامة ليس فيها تعيين.....
✳️ ما ذكرتم من الأدلة ونحوها أدلة عامة ليس فيها تعيين ولا نص على إمام بعينه، واسمه واسم أبيه، وإنما فيها الدليل الدال على ما نقوله نحن الزيدية من إمامة أهل البيت عليهم السلام في الجملة بمعنى أن من رضيه علماؤهم للإمامة وقام ودعا- فهو الإمام.
🔰 الإمامية: لا توجد العصمة في غير الإثني عشر....
✳️ يشترط في الإمام العصمة، ولا توجد العصمة في غير الأئمة الاثني عشر.
وإنما اشترطت العصمة لأن غير المعصوم قد يوقع الناس في المهالك كسفك الدم الحرام، وقد يضل الناس عن طريق الخطأ، أو عن طريق العلم، وقد يحكم بغير ما أنزل الله، وقد ... وقد ... إلخ، بخلاف ما إذا كان معصوماً.
🔰 الزيدية: قد إشترطنا شروط تغني عن العصمة....
✳️ قد اشترطنا كمال العلم والعدالة والورع، و ... إلخ، وحصول تلك الشروط يغني عن العصمة، ووقوع الخطأ لا يخل بالإمامة ولا بالتقوى؛ لقوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [ الأحزاب:5 ]، واحتمال وقوع المعصية من الإمام عمداً لا يخل أيضاً بالإمامة؛ لأن احتمال ذلك ليس بمخل بالإيمان والعدالة والتقوى، وإنما الذي يخل بالإمامة والعدالة والتقوى تعمد المعصية.
فإذا حصل ذلك من الإمام بطلت إمامته، وحصول ذلك ممن جمع شرائط الإمامة بعيد، فلم نر في أئمة الزيدية على كثرتهم في تأريخ الإسلام من تعمد فعل كبيرة من المعاصي.
🔰الزيدية: لا يشترط في الإمام العصمة لأدلة......
1 -أن الإمام ليس بمشرع، وإنما هو ترجمان أخذ الله تعالى عليه أن يترجم الشريعة للناس، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، والعصمة لا تشترط في من يبلغ العلم، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر بالاتفاق.
2 -الإمام حاكم وقاضٍ ومفت للمسلمين يجب عليهم قبول حكمه وفتواه، ولا خلاف في عدم اشتراط العصمة لقضاة المسلمين وحكامهم ومفتيهم.
3 -الإمام راوٍ يروي للمسلمين أحكام الشريعة، ولا تشترط العصمة في الراوي.
4 -لا خلاف أنها لا تشترط العصمة في نواب الإمام الذين يقومون بأعمال الإمامة نيابة عنه، والإمامية يقولون: إن للإمام نواباً أربعة، ولا يشترطون عصمتهم.
5 -لا خلاف أنه لا تشترط العصمة في ولاة الإمام وقضاته وأمراء جنوده، وهؤلاء هم الذين يقومون بتسيير أحكام الخلافة في البلاد والعباد، من الحل والإبرام، وأحكام الحلال والحرام، وإقامة الحدود، و ... إلخ.
🔰 الإمامية: لابد من إمام معصوم ينبههم إذا أخطأو......
✳️ كل من ذكرتم في الخمسة البنود إنما لا تشترط فيهم العصمة مع قيامهم بتلك الأعمال التي هي أعمال الأئمة؛ لأن الإمام المعصوم سوف ينبههم إذا أخطؤوا، ويهديهم إذا ضلوا.
🔰 الزيدية: الخطأ معفو عنه....
✳️ بأن الإمام إذا أخطأ فإن العلماء سينبهونه على الخطأ، ويردونه إلى الصواب، وهذا في حين أن الخطأ معفو عنه لقوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ ... [ الأحزاب:5 ]، وإذا فرضنا أن الإمام تعمد المعصية بطلت إمامته.
🔰 الزيدية: مذهبنا خالص من الخرافات.....
✳️ مذهبنا مذهب خالص عن الخرافات، مبني على حجج العقل، وعلى أدلة القرآن ونصوصه، وعلى السنة التي أجمع علماء الطوائف على صحتها.
وهذا في حين أن أئمتنا قد قاموا بمعنى الإمامة، وتحققت فيهم مقومات الخلافة، التي هي القيام والدعوة والخروج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الظالمين والكافرين، وإرعابهم وإدخال الخوف عليهم و ... إلخ.
وأقاموا حجة الله تعالى على الخلق في كل عصر، وهذا في حين أن الأئمة الذين حصرت فيهم الإمامية الإمامة من بعد الحسنين -وإن كانوا من أئمة العلم، ومن سادات أهل البيت- لم يتحقق فيهم شيء من تلك المقومات.
والمفروض أن اسم الإمامة والخلافة لا يستحقه إلا من قام بالأعمال التي كان يقوم بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتحقق بتلك الأعمال الجليلة إلا أئمة الزيدية دون أئمة الإمامية.
وبعد، فقد تضمن مذهب الإمامية مع ما أسلفنا عدة وجوه كل وجه منها دليل على فساد مذهبهم في الجملة:
1 -تعطيل الجهاد في سبيل الله تعالى خلال القرون التي تلت قتل الحسين إلى اليوم.
2 -خلو قرون كثيرة عن الأئمة الذين هم حجج الله على خلقه.
3 -غياب المهدي المنتظر منذ ولادته كما يزعمون إلى اليوم، وقد كانت ولادته كما يدعون في منتصف القرن الثالث.
🔰 الإمامية: محمد بن الحسن هو حجة الله وهو المهدي المنتظر....
✳️ حجة الله قائمة على الناس في كل عصر إلى يومنا هذا، ولم يخل عصر من الأعصار عن وجود الحجة.
والحجة في هذا العصر وما تقدمه من العصور هو محمد بن الحسن الذي هو المهدي المنتظر، وحجة الله قائمة به، وإن كان غائباً فله سفراء يبلغون عنه الأحكام الشرعية والفتاوى، وقد قال أمير المؤمنين كما في نهج البلاغة: ((بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهراً مشهوراً، وإما خائفاً مغموراً))، فالمهدي خائف مغمور.
ولا غرابة في طول عمره حتى تجاوز الألف؛ فإن الله على كل شيء قدير، وقد حكى الله تعالى عن نوح أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً.
🔰 الزيدية:دعواكم مجردة من الدليل......
✳️ دعواكم لقيام الحجة بالمهدي محمد بن الحسن وغيابه قروناً كثيرة، وأنه لا زال حياً- دعاوى مجردة عن الأدلة.
بل لم نر فيما تذكرون من أخبار ولادة المهدي ما تسكن إليه النفس، بل ولا ما يثمر الظن، والحجة لا تكون حجة على الناس حتى يروها أو يتيقنوها ويعلموها.
🔰 الإمامية: قد تواتر لنا الخبر بولادة المهدي محمد بن الحسن....
✳️ نحن معاشر الإمامية قد تواتر لنا العلم بولادة المهدي محمد بن الحسن واستيقنا ذلك، وإنما اشتبه الأمر على غير الإمامية؛ لقلة التفاتهم إلى مذهب الإمامية، وسوء ظنهم بهم بالإضافة إلى ما هنالك من العصبية المذهبية، والعداء المحتدم الذي من شأنه أن يحول بين الأبصار وبين رؤية رشدها وهداها.
🔰 الزيدية:أخباركم أحادية ومضطربة.....
✳️ أن ما ذكرتم عن ولادة المهدي في قصة ولادته إنما هي أخبار آحادية اختص بروايتها راو أو اثنان، ومع ذلك فهي مختلفة ومضطربة ومتنافية، وما كان كذلك فلا يصح لمدع أن يدعي فيه التواتر.
واعتقاد الإمامية لصحة ولادة المهدي والعلم بها ليس دليلاً على صحة ولادته، فعلم الإمامية بولادة المهدي محمد بن الحسن لا يعدو أن يكون وهماً؛ لأن الذين أخبروا عن مشاهدتهم لولادته أو مشاهدتهم لشخصه لم يبلغوا حد التواتر، بل لم يرو عدد التواتر عن معرفة شخص أمه، ولا عن حملها بالمهدي.
فعلم الإمامية بصحة ولادته وصحة غيابه ليس إلا وهماً راج في قلوبهم بسبب التربية والمنشأ، وحُسْن الظن برجالات ذلك المذهب.
أما الأدلة فليس بأيديهم ما يصح الركون إليه، أو الاعتماد عليه.
🔰 الإمامية: مذهبنا متوارث من مذهب أهل البيت عليهم السلام.....
✳️ مذهبنا نحن الإمامية هو مذهب جعفر الصادق، وأبيه محمد الباقر، وأبيه علي زين العابدين، ثم مذهب الحسين وأبيه أمير المؤمنين عليهم جميعاً السلام، ومذهبهم ودينهم هو مذهب ودين النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
والإمامية الجعفرية قد أخذت هذا المذهب عن هؤلاء الأئمة، وتوارثته جيلاً بعد جيل، وبهذا يتبين أن مذهبنا هو مذهب أهل البيت عليهم السلام ، ومذهب أمير المؤمنين عليه السلام ، ومذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
🔰 الزيدية: ونحن كذالك وما اختلفنا فيه لابد من دليل......
✳️ نحن بدورنا نقول: إن مذهب الشيعة جميعاً من الجعفرية والزيدية مذهب موروث عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أولهم أمير المؤمنين عليه السلام ، ثم من بعده، وهذا لا شك فيه.
غير أن هناك بعد الاتفاق في الجملة اختلافاً في مسائل جزئية بين الشيعة فالزيدية تدعي أن مذهب الأئمة كذا، والإمامية تدعي أن المسألة بخلاف ذلك، وفي مثل هذا الخلاف لا يمكننا أن نصدق أي واحد من الفريقين المختلفين بمجرد الدعوى.
وحينئذ فلا بد لصحة ما يدعيه كل من الفريقين من دليل واضح يدعم به دعواه، فنحن نطالب الإمامية بالحجة الواضحة على ولادة محمد بن الحسن العسكري، ثم على غيابه القرون الطويلة، وعلى طول عمره الخارق للعادة
🔰 الإمامية نستدل على بطلان الإمامة عند الزيدية....
✳️ في تأريخ أئمة الزيدية ولا سيما في العصور الوسطى والأخيرة من تأريخهم نرى إمامين أو أكثر، كل واحد منهم يدعو إلى نفسه ويقول: إنه الإمام المفترض الطاعة، ومع كل واحد من الإمامين أتباع وأشياع من عوام الزيدية وعلمائهم ورؤسائهم يقولون إنه الإمام، يدعون إليه ويروجون له.
وفي هذا دليل على بطلان ما يذهب إليه الزيدية في الإمامة، وأنه لا بد من تعيين الإمام باسمه وشخصه؛ للسلامة من وقوع الناس في ورطة الالتباس والشك.
🔰 الزيدية: جوابنا على ذالك......
✳️ نحن نقول: إنه لو كان هناك نصوص على تعيين الأئمة- لم يقع خلاف ولا تشاجر ولا قتال، غير أنه لم يوجد نص، ودعاوى الإمامية مردودة عليهم؛ لأنهم لم يقيموا على صحتها أي دليل معتبر.
1 -نص قرآني.
2 -نص نبوي يجمع علماء الطوائف على صحته.
3 -نص من أهل الإجماع.
أما النص النبوي الذي ترويه الإمامية دون غيرهم من الطوائف، أو نص ترويه الزيدية دون غيرهم، أو نص ترويه أهل السنة والجماعة دون غيرهم- فإنه لا يكون حجة ولا دليلاً.
هذا، وقد أمر الله تعالى بالجهاد في سبيله، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود، و ... إلخ، أمراً عاماً للمؤمنين ولا يتم ذلك إلا بأمير يجمع أمر المؤمنين، وقد كان الأمير في أول الإسلام هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد دل صلى الله عليه وآله وسلم أمته إلى من يقوم مقامه، ويسد الفراغ الذي كان يشغله؛ فأرشدهم كما في حديث الثقلين إلى كتاب الله تعالى، وعترته أهل بيته.
وبناءً على هذا الإرشاد فقد قام أهل البيت عليهم السلام بحق هذه الخلافة منذ يومهم الأول، ومروراً بزيد بن علي، والنفس الزكية، والهادي يحيى بن الحسين، وعبدالله بن حمزة و ... إلخ عليهم جميعاً سلام الله ورحماته.
وقيام الإمامين في عصر واحد لا مانع منه إذا تباعدت بين الإمامين الديار وتناءت الأقطار كما كان بين الهادي يحيى بن الحسين وبين الإمام الناصر الأطروش.
وذلك أن كل واحد منهما رأى أنه قد تكاملت فيه شروط الإمامة، ورأى المجال أمامه واسعاً.

💬 حوارات أخرى