💬 مناظــــرة مع الطبيب الهندي في وجود الخالق

👥 المتحاورون: الإمام جعفـــر الصادق عليه السلام المتوفى سنة 148 هـ (●مع) الطبيب الهندي
حجم الخط:

🔰سبب تأليف الرسالة المسماة بالإهليلجة

حدثني محرز بن سعيد النحوي بدمشق قال: حدثني محمد بن أبي مسهر بالرملة، عن أبيه، عن جده، قال: كتب المفضل بن عمر الجعفي إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق @ يُعلمهُ أن أقواماً ظهروا من أهل هذه الملة يجحدون الربوبية، ويجادلون على ذلك، ويسأله أن يرد عليهم قولهم، و يحتج عليهم فيما ادعوا بحسب ما أحتج به على غيرهم.

فكتب أبوعبدالله عليه السلام :
بسم الرحمن الرحمن الرحيم
أما بعد ... وفقنا الله وإياك لطاعته، وأوجب لنا بذلك رضوانه برحمته، وصل كتابك تذكر فيه ما ظهر في ملتنا، وذلك من قوم من أهل الإلحاد بالربوبية قد كثرت عدتهم واشتدت خصومتهم، وتسأل أن أصنع للرد عليهم بالنقض لما في أيديهم كتاباً على نحو ما رددت على غيرهم من أهل البدع والاختلاف، ونحن نحمد الله على النعم السابغة والحجج البالغة، والبلاء المحمود عند الخاصة والعامة، فكان من نعمه العظام وآلائه الجسام التي أنعم بها تقريره قلوبهم بربوبيته، وأخذ ميثاقهم بمعرفته، وإنزاله عليهم كتاباً فيه شفاء لما في الصدور من أمراض الخواطر، ومشتبهات الأمور، ولم يدع لهم ولا لشيء من خلقه حاجة إلى من سواه، واستغنى عنهم، وكان الله غنياً حميداً، ولعمري ما أتي الجهال من قبل ربهم وإنهم ليرون الدلالات الواضحات والعلامات البينات في خلقهم، وما يعاينون من ملكوت السماوات والأرض والصنع العجيب المتقن الدال على الصانع، ولكنهم قومٌ فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي، وسهلوا لها سبيل الشهوات، فغلبت الأهواء على قلوبهم، واستحوذ الشيطان بظلمهم عليهم، وكذلك يطبع الله على قلوب المعتدين، والعجب من مخلوق
يزعم أن الله يخفى على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله، وتأليف يبطل حجته، ولعمري لو تفكروا في هذه الأمور العظام لعاينوا من أمر التركيب البين، ولطف التدبير الظاهر، ووجود الأشياء مخلوقة بعد أن لم تكن، ثم تحولها من طبيعة إلى طبيعة، وصنيعة إلى بعد صنيعة، ما يدلهم ذلك على الصانع، فإنه لا يخلو شيء منها من أن يكون فيه أثر تدبير وتركيب يدل على أن له خالقاً مدبراً، وتأليف بتدبير يهدي إلى واحد حكيم.

🔰الإمام جعفر عليه السلام والطبيب الهندي

وقد وافاني كتابك ورسمت لك كتاباً كنت نازعت فيه بعض أهل الأديان من أهل الإنكار، وذلك أنه كان يحضرني طبيب من بلاد الهند، وكان لا يزال ينازعني في رأيه، ويجادلني على ضلالته، فبينما هو يوماً يدق إهليلجة ليخلطها دواءً احتجت إليه من أدويته، إذ عرض له شيء من كلامه الذي لم يزل ينازعني فيه من ادعائه أن الدنيا لم تزل ولا تزال شجرة تنبت وأخرى تسقط، نفس تولد وأخرى تتلف، وزعم أن انتحالي المعرفة -لله تعالى- دعوى لا بينة لي عليها، ولا حجة لي فيها، وأن ذلك أمرٌ أخذه الآخر من الأول، والأصغر من الأكبر، وأن الأشياء المختلفة والمؤتلفة والباطنة والظاهرة إنما تُعرف بالحواس الخمس: نظر العين، وسمع الأذن، وشم الأنف، وذوق الفم، ولمس الجوارح، ثم قاد منطقه على الأصل الذي وضعه فقال: لم يقع شي من حواسي على خالق إلى قلبي إنكاراً لله تعالى، ثم قال: أخبرني بم تحتج في معرفة ربك الذي تصف قدرته وروبوبيته، وإنما يعرف القلب الأشياء كلها بالدلالات الخمس التي وصفتُ لك؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): بالعقل الذي في قلبي، والدليل الذي أحتج به في معرفته.

🔍قال(الطبيب الهندي): فأنَّى يكون ما تقول وأنت تعرف أن القلب لا يعرف شيئاً بغير الحواس الخمس؟ فهل عاينت ربك ببصر، أو سمعت صوته بأذن، أو شممته بنسيم، أو ذقته بفم، أو مسسته بيد فأدى ذلك المعرفة إلى قلبك؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أرأيت إذ أنكرت الله وجحدته، لأنك زعمت أنك لا تحسه بحواسك التي تعرف بها الأشياء، وأقررتُ أنا به هل بد من أن يكون أحدنا صادقاً والآخر كاذباً؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أرأيت إن كان القول قولك فهل يُخاف علي شيء مما أخوفك به من عقاب الله؟
🔍قال(الطبيب الهندي): لا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفرأيت إن كان كما أقول والحق في يدي ألستَ قد أخذتَ فيما كنتُ أحاذر من عقاب الخالق بالثقة وأنك قد وقعت بجحودك وإنكارك في الهلكة؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأيُنا أولى بالحزم وأقرب من النجاة؟

🔍قال(الطبيب الهندي): أنت، إلا أنك من أمرك على ادعاء وشبهة، وأنا على يقين وثقة، لأني لا أرى حواسي الخمس أدركته، وما لم تدركه حواسي فليس عندي موجود.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إنه لما عجزت حواسك عن إدراك الله أنكرته، وأنا لما عجزت حواسي عن إدراك الله تعالى صدقت به.

🔍قال(الطبيب الهندي): وكيف ذلك؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): لأن كل شيء جرى فيه أثر تركيب لجسم، أو وقع عليه بصر للون فما أدركته الأبصار ونالته الحواس فهو غير الله سبحانه؛ لأنه لا يشبه الخلق، وأن هذا الخلق ينتقل بتغيير وزوال، وكل شيءٍ أشبه التغيير والزوال فهو مثله، وليس المخلوق كالخالق ولا المُحَدث كالمُحدِث.

🔍قال(الطبيب الهندي): إن هذا لقول، ولكني لمُنكر ما لم تدركه حواسي فتؤديه إلى قلبي.
فلما اعتصم بهذه المقالة ولزم هذه الحجة.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أما إذا أبيت إلا أن تعتصم بالجهالة، وتجعل المحاجزة حجة فقد دخلت في مثل ما عبت وامتثلت ما كرهت، حيث إني اخترت الدعوى لنفسي؛ لأن كل شيءٍ لم تدركه حواسي عندي بلا شيء.

🔍قال(الطبيب الهندي): وكيف ذلك؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): لأنك نقمت عليَّ الإدعاء ودخلت فيه فادّعيت أمراً لم تُحِطْ
به خبراً، ولم تقله علماً، فكيف استجزت لنفسك الدعوى في إنكار الله، ودفعك أعلام النبوة والحجة الواضحة وعبتها عليّ؟ أخبرني هل أحطت بالجهات كلها وبلغت منتهاها؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فهل رقيت إلى السماء التي ترى؟ أو تنحدرت إلى الأرض السفلى فجُلت في أقطارها؟ أو هل خُضت في غمرات البحور واخترقت نواحي الهواء، فيما فوق السماء وتحتها إلى الأرض وما أسفل منها فوجدت ذلك خلاءً من مدبر حكيم عالم بصير؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فما يدريك لعلّ الذي أنكره قلبك هو في بعض ما لم تدركه حواسك ولم يحط به علمك.

🔍قال(الطبيب الهندي): لا أدري لعلّ في بعض ما ذكرت مدبراً، وما أدري لعله ليس في شيء من ذلك شيء!

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أما إذا خرجت من حد الإنكار إلى منزلة الشك فإني أرجو أن تخرج إلى المعرفة.

🔍قال(الطبيب الهندي): فإنما دخل عليَّ الشك لسؤالك إياي عما لم يحط به علمي، ولكن من أين يدخل علي اليقين بما لم تدركه حواسي.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): من قبل إهليلجتك هذه.

🔍قال(الطبيب الهندي): ذاك إذاً أثبت للحجة؛ لأنها من آداب الطب الذي أذعن بمعرفته.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إنما أردت أن آتيك به من قبلها؛ لأنها أقرب الأشياء إليك، ولو كان شيء أقرب إليك منها لأتيتك من قبله؛ لأن في كل شيءٍ أثر تركيب وحكمة، وشاهداً يدل على الصنعة الدالة على من صنعها ولم تكن شيئاً.
✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني هل ترى هذه إهليلجة؟
🔍قال(الطبيب الهندي): نعم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفترى غَيْبَ ما في جوفها؟
🔍قال(الطبيب الهندي): لا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفتشهد أنها مشتملة على نواة ولا تراها؟
🔍قال(الطبيب الهندي): ما يدريني لعل ليس فيها شيء.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفترى أن خلف هذا القشر من هذه الإهليلجة غائب لم تره من لحم أو ذي لون؟
🔍قال(الطبيب الهندي): ما أدري لعل ما ثم غير ذي لون ولا لحم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفتقر أن هذه الإهليلجة التي تسميها الناس بالهند موجودة لاجتماع أهل الاختلاف من الأمم على ذكرها.
🔍قال(الطبيب الهندي): وما أدري لعل ما اجتمعوا عليه من ذلك باطل.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفتقر أن الإهليلجة في أرض تنبت.
🔍قال(الطبيب الهندي): تلك الأرض وهذه واحدة وقد رأيتها.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفما تشهد بحضور هذه الإهليلجة على وجود ما غاب من أشباهها.

🔍قال(الطبيب الهندي): ما أدري لعله ليس في الدنيا إهليلجة غيرها، فلما اعتصم بالجهالة ✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أخبرني عن هذه الإهليلجة أتقر أنها خرجت من شجرةٍ، أو تقول أنها هكذا وجُدت؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لا بل من شجرة خرجت.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فهل أدركت حواسك الخمس ما غاب عنك من تلك الشجرة؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فما أراك إلا قد أقررت بوجود شجرة لم تدركها حواسك.

🔍قال(الطبيب الهندي): أجل، ولكني أقول: إن الإهليلجة والأشياء المختلفة لم تزل تدرك، فهل عندك في

هذا شيء ترد به قولي؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): نعم، أخبرني عن هذه الإهليلجة هل كنت عاينت شجرتها وعرفتها قبل أن تكون هذه
الإهليلجة فيها؟

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فهل كنت تعاين هذه الإهليلجة؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفلا تعلم أنك كنت عاينت الشجرة وليس فيها الإهليلجة، ثم عدت إليها فوجدت فيها
الإهليلجة، أفما تعلم أنه قد حدث فيها ما لم تكن؟

🔍قال(الطبيب الهندي): ما أستطيع أن أنكر ذلك، ولكني أقول: إنها كانت فيها متفرقة.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني هل رأيت تلك الإهليلجة التي تنبت منها شجرة هذه الإهليلجة قبل أن تغرس؟

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فهل يحتمل عقلك أن الشجرة التي تبلغ أصلها وعروقها وفروعها ولحاؤها وكل ثمرة جنيت، وورقة سقطت ألف ألف رطل كانت كامنة في هذه الإهليلجة؟

🔍قال(الطبيب الهندي): ما يحتمل هذا العقل ولا يقبله القلب.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أقررت أنها حدثت في الشجرة؟

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم، ولكني لا أعرف أنها مصنوعة فهل تقدر أن تقررني بذلك؟

🔰تصوير الإهليلجة وعجائب تدبيرها

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): نعم، أرأيت إن أريتك تدبير أتوقن أن له مدبراً، وتصويراً أن له مصوراً.

🔍قال(الطبيب الهندي): لابد من ذلك؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ألست تعلم أن هذه الإهليلجة لحم ركب على عظم فوضع في جوف متصل بغصن مركب على ساق يقوم على أصل فيقوى بعروق من تحتها على جرم متصل بعض ببعض؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ألست تعلم أن هذه الإهليلجة مصورة بتقدير وتخطيط، وتأليف وتركيب، وتفصيل متداخل بتأليف شيء في بعض شيء، به طبق بعد طبق، وجسم على جسم، ولون مع لون، أبيض في صفرة، ولين على شديد، في طبائع متفرقة، وطرائق مختلفة، وأجزاء مؤتلفة مع لحاء تسقيها، وعروق يجري فيها الماء، وورق يسترها وتقيها من الشمس أن تحرقها، ومن البرد أن يهلكها، والريح أن تُذبلها؟

🔍قال(الطبيب الهندي): أفليس لو كان الورق مطبقاً عليها كان خيراً لها؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): الله أحسن تقديراً لو كان كما تقول لم يصل إليها ريح يروحها، ولا برد يشددها، ولعفنت عند ذلك، ولو لم يصل إليها حر
الشمس لما نضجت، ولكن شمس مرة، وريح مرة، وبرد مرة، قدّر الله ذلك بقوة لطيفة، ودبره بحكمة بالغة.

🔍قال(الطبيب الهندي): حسبي من التصوير فسر لي التدبير الذي زعمت أنك ترينيه.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أرأيت الإهليلجة قبل أن تعقد إذ هي في قمعها ماء بغير نواة ولا لحم ولا قشر ولا لون ولا طعم ولا شدة؟

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أرأيت لو لم يرفق الخالق ذلك الماء الضعيف الذي هو مثل الخردلة في القلة والذلة ولم يقوّه بقوته ويصوره بحكمته، ويقدّره بقدرته هل كان ذلك الماء يزيد على أن يكون في قمعه غير مجموع بجسم وقمع وتفصيل؟ فإن زاد زاد ماء متراكباً غير مصور ولا مخطط ولا مدبر بزيادة أجزاء ولا تأليف أطباق.

🔍قال(الطبيب الهندي): قد أريتني من تصوير شجرتها وتأليف خلقتها وحمل ثمرتها وزيادة أجزائها، وتفصيل
تركيبها أوضح الدلالات وأظهر البينة على معرفة الصانع، ولقد صدقت بأن الأشياء مصنوعة، ولكني لا أدري لعل الإهليلجة والأشياء صنعت نفسها؟

🔰الله عز وجل صانع الإهليلجة

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أو لست تعلم أن خالق الأشياء والإهليلجة حكيم عالم بما عاينت من قوة تدبيره؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فهل ينبغي للذي هو كذلك أن يكون حدثاً؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفلست قد رأيت الإهليلجة حين حدثت وعاينتها بعد أن لم تكن شيئاً ثم هلكت كأن لم تكن شيئاً؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى، وإنما أعطيتك أن الإهليلجة حدثت ولم أعطك أن الصانع لا يكون حادثاً لا يخلق نفسه.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ألم تعطني أن الحكيم الخالق لا يكون حدثاً، وزعمت أن الإهليلجة حدثت؟ فقد أعطيتني أن الإهليلجة مصنوعة، فهو عز وجل صانع الإهليلجة، وإن رجعت إلى أن تقول: إن الإهليلجة صنعت نفسها ودبرت خلقها فما زدت أن أقررت بما أنكرت ووصفت صانعاً مدبراً أصبت صفته، ولكنك لم تعرفه فسميته بغير اسمه.

🔍قال(الطبيب الهندي): كيف ذلك؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): لأنك أقررت بوجود حكيم لطيف مدبر، فلما سألتك من هو؟ ✨قال(الامام جعفـــر الصادق): الإهليلجة، قد أقررت بالله سبحانه، ولكنك سميته بغير اسمه، ولو عقلت وفكرت لعلمت أن الإهليلجة أنقص قوة من أن تخلق نفسها وأضعف حيلة من أن تدبر خلقها.

🔍قال(الطبيب الهندي): هل عندك غير هذا)

🔰إيطال الحجج الواهية بأدلة عقلية

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): نعم، أخبرني عن هذه الإهليلجة التي زعمت أنها صنعت نفسها ودبرت أمرها، كيف صنعت نفسها صغيرة الخلقة صغيرة القدرة ناقصة القوة، لا تمتنع أن تكسر وتعصر وتؤكل، فكيف صنعت نفسها مفصولة مأكولة مُرّةً قبيحة المنظر لا بهاء لها ولا ماء؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لأنها لم تقوّ إلا على ما صنعت أو لم تصنع إلا ما هويت.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أما إذا أبيت إلا التمادي في الباطل فاعلمني متى خلقت نفسها ودبرت خلقها قبل أن تكون أو بعد أن كانت؟ فإن زعمت أن الإهليلجة خلقت نفسها بعدما كانت فإن هذا لمن أبين المحال، كيف تكون موجودة مصنوعة ثم تصنع نفسها مرة أخرى، فيصير كلامك إلى أنها مصنوعة مرتين، ولئن قالت
: إنها خلقت نفسها ودبرت خلقها
قبل أن تكون، إن هذا من أوضح الباطل وأبين الكذب، لأنها قبل أن تكون ليست بشيء فكيف يخلق لا شيء شيئاً؟ وكيف تعيب قولي إن شيئاً يصنع لا شيء، ولا تعيب قولك أن لا شيء يصنع الأشياء؟ فانظر أي القولين أولى بالحق؟

🔍قال(الطبيب الهندي): قولك.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فما يمنعك منه؟

🔍قال(الطبيب الهندي): قد قبلته واستبان لي حقه وصدقه بأن الأشياء المختلفة والإهليلجة لم يصنعن أنفسهن ولم يدبرن خلقهن ولكنه تعرض لي أن الشجرة هي التي صنعت الإهليلجة لأنها خرجت منها.
✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فمن صنع الشجرة؟

🔍قال(الطبيب الهندي): الإهليلجة الأخرى.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): اجعل لكلامك غاية أنتهي إليها، فإما أن تقول: هو الله سبحانه فيقبل منك، وإما أن تقول الإهليلجة فنسألك؟

🔍قال(الطبيب الهندي): سل.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أخبرني عن الإهليلجة هل تنبت منها الشجرة إلا بعد ما ماتت وبليت وبادت؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إن الشجرة بقيت بعد هلاك الإهليلجة مائة سنة، فمن كان يحميها ويزيد فيها، ويدبر
خلقها ويربيها، وينبت ورقها؟ مالك بد من أن تقول: هو الذي خلقها، ولئن ✨قال(الامام جعفـــر الصادق): الإهليلجة وهي حية قبل أن تهلك وتبلى وتصير تراباً، وقد ربت الشجرة وهي ميتة إن هذا القول مختلف.

🔍قال(الطبيب الهندي): لا أقول ذلك.

🔰[هل للحواس الخمس دلالة على الأشياء بدون القلب]

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفتقر بأن الله خلق الخلق أم قد بقي في نفسك شيء من ذلك.

🔍قال(الطبيب الهندي): إني من ذلك على حد وقوف ما أتخلص إلى أمر ينفذ لي فيه الأمر.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أما إذ أبيت إلا الجهالة وزعمت أن الأشياء لا تدرك إلا بالحواس فإني أخبرك أنه ليس للحواس دلالة على الأشياء، ولا فيها معرفة إلا بالقلب، فإنه دليلها ومعرفها الأشياء التي تدَّعي أن القلب لا يعرفها إلا بها، ف 🔍قال(الطبيب الهندي): أما إذا نطقت بهذا فما أقبل منك إلا بالتخليص والتفحيص منه بإيضاح وبيان وحجة وبرهان.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأول ما أبدأ به أنك تعلم أنه ربما ذهب الحواس، أو بعضها ودبر القلب الأشياء التي فيها المضرة والمنفعة من الأمور العلانية والخفية، فأمر بها ونهى فنفذ فيها أمره وصح فيها قضاؤه.

🔍قال(الطبيب الهندي): إنك تقول في هذا قولاً يشبه الحجة، ولكني أحب أن توضحه لي غير هذا الإيضاح.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ألست تعلم أن القلب يبقى بعد ذهاب الحواس؟

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم، ولكن يبقى بغير دليل على الأشياء التي تدل عليها الحواس.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفلست تعلم أن الطفل تضعه أمه مضغة ليس تدله الحواس علىشيء يُسمع ولا يُبصر ولا يُذاق ولا يُلمس ولا يُشم؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأية الحواس دلته على طلب اللبن إذا جاع، والضحك بعد البكاء إذا روي من اللبن، وأي حواس سباع الطير ولاقط الحب منها دلها على أن تلقي بين أفراخها اللحم والحب فتهوي سباعها إلى اللحم. والآخرون إلى الحب؟ وأخبرني عن فراخ طير الماء ألست تعلم أن فراخ طير الماء إذا طرحت فيه سبحت، وإذا طرحت فيه فراخ طير البر غرقت، والحواس واحدة، فكيف انتفع بالحواس طير الماء وأعانته
على السباحة ولم تنتفع طير البر في الماء بحواسها؟ وما بال طير البر إذا غمستها في الماء ساعة ماتت، وإذا أمسكت طير الماء عن الماء ساعة ماتت؟ فلا أرى الحواس في هذا إلا منكسرة عليك، ولا ينبغي ذلك أن يكون إلا من مدبر حكيم جعل للماء خلقاً وللبر خلقاً.
أم أخبرني ما بال الذَّرة التي لا تعاين الماء قط تطرح في الماء فتسبح، وتلقي الإنسان ابن خمسين سنة من أقوى الرجال وأعقلهم لم يتعلم السباحة فيغرق؟ كيف لم يدله عقله ولبه وتجاربه وبصره بالأشياء مع اجتماع حواسه وصحتها أن يدرك ذلك بحواسه كما أدركته الذرة إن كان ذلك إنما يدرك بالحواس؟ أفليس ينبغي لك أن تعلم أن القلب الذي هو معدن العقل في الصبي، الذي وصفت غيره مما سمعت من الحيوان هو الذي يهيج الصبي إلى طلب الرضاع والطير اللاقط على لقط الحب، والسباع على ابتلاع اللحم.

🔍قال(الطبيب الهندي): لست أجد القلب يعلم شيئاً إلاَّ بالحواس!

🔰[وصف لبعض عجائب الملكوت المدركة بالحواس وإثارتها لدفائن العقول]

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أما إذا أبيت إلا النزوع إلى الحواس فإنا لنقبل نزوعك إليها بعد رفضك لها، ونجيبك في
الحواس حتى يتقرر عندك أنها لا تعرف من سائر الأشياء إلا الظاهر مما هو دون الرب الأعلى سبحانه وتعالى، فأما ما يخفى ولا يظهر فليست تعرفه، وذلك أن خالق الحواس جعل لها قلباً احتج به على العباد، وجعل للحواس الدلالات على الظاهر الذي يستدل بها على الخالق سبحانه، فنظرت العين إلى خلق متصل بعضه ببعض فدلت القلب على ما عاينت، وتفكر القلب حين دلته العين على ما عاينت من ملكوت السماوات وارتفاعها في الهواء بغير عمد يرى، ولا دعائم تمسكها لا تؤخر مرة فتنكشط، ولا تقدم أخرى فتزول، ولا تهبط مرة فتدنو، ولا ترتفع أخرى فتنأى، لا تتغير لطول الأمد ولا تخلق لاختلاف الليالي والأيام، ولا تتداعى منها ناحية، ولا ينهار منها طرف، مع ما عاينت من النجوم الجارية السبعة المختلفة بمسيرها لدوران الفلك، وتنقلها في البروج يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة، منها السريع ومنها البطيء، ومنها المعتدل السير، ثم رجوعها واستقامتها، وأخذها عرضاً وطولاً، وخنوسها عند
الشمس وهي مشرقة وظهورها إذا غربت،
وجري الشمس والقمر في البروج دائبين لا يتغيران في أزمنتهما وأوقاتهما يعرف ذلك من يعرف بحساب موضوع وأمر معلوم بحكمة يعرف ذوو الألباب أنها ليست من حكمة الإنس، ولا تفتيش الأوهام، ولا تقليب التفكر، فعرف القلب حين دلته العين على ما عاينت أن لذلك الخلق والتدبير والأمر العجيب صانعاً يمسك السماء المنطبقة أن تهوي إلى الأرض،
وأن الذي جعل الشمس والنجوم فيها خالف السماء، ثم نظرت العين إلى ما استقلها من الأرض فدلت القلب على ما عاينت فعرف القلب بعقله أن ممسك الأرض الممتدة أن تزول أو تهوي في الهواء ، وهو يرى الريشة يرمي بها فتسقط مكانها وهي في الخفة على ما هي عليه، هو الذي يمسك السماء التي فوقها، وأنه لولا ذلك لخسفت بما عليها من ثقلها وثقل الجبال والأنام والأشجار والبحور والرمال،
فعرف القلب بدلالة العين أن مدبر الأرض هو مدبر السماء، ثم سمعت الأذن صوت الرياح الشديدة العاصفة واللينة الطيبة، وعاينت العين ما يقلع من عظام الشجر ويهدم من وثيق البنيان،
وتسفى من ثقال الرمال، تخلى منها ناحية وتصبها في أخرى، بلا سائق تُبْصِرُهُ العين،
ولا تسمعه الأذن، ولا يدل بشيء من الحواس، وليست مجسدة تلمس ولا محدودة
تعاين، فلم تزد العين والأذن وسائر الحواس على أن دلت أن لها صانعاً، وذلك أن القلب يفكر بالعقل الذي فيه، فيعرف أن الرياح لم تتحرك من تلقائها، وأنها لو كانت هي المتحركة لم تكف عن التحرك ولم تهدم طائفة وتعفي أخرى، ولم تدفع شجرة وتدع أخرى إلى جنبها، ولم تصب أرضاً وتنصرف عن أخرى فلما تفكر القلب في أمر الرياح علم أن لها محركاً هو الذي يسوقها حيث يشاء،
ويسكنها إذا شاء، ويصيب بها من يشاء، ويصرفها عن من يشاء،
فلما نظر القلب إلى ذلك وجدها متصلة بالسماء، وما فيها من الآيات فعرف أن المدبر القادر على أن يمسك الأرض والسماء هو خالق الرياح ومحركها إذا شاء، وممسكها كيف شاء، ومسلطها على من يشاء، وكذلك دلت العين والأذن القلب على هذه الزلزلة، وعرف ذلك بغيرهما من حواسه حين حركته فلما دل الحواس على تحريك هذا الخلق العظيم من الأرض في غلظها وثقلها، وطولها وعرضها، وما عليها من ثقل الجبال والمياه والأنام وغير ذلك، وإنما تتحرك في ناحية ولم تتحرك في ناحية أخرى،
وهي ملتحمة جسداً واحداً، وخلقاً متصلاً بلا فصل ولا وصل، تُهدم ناحية ويُخسف بها وتسلم أخرى، فعندها عرف القلب أن محرك ما حَرّك منها هو ممسك ما أمسك منها، وهو محرك الرياح وممسكها، وهو مدبر السماء والأرض وما بينهما، وأن الأرض لو كانت هي المزلزلة لنفسها لما تزلزلت ولما تحركت
، ولكنه الذي دبرها وخلقها حرك منها ما شاء.

🔰النظر في الآيات

ثم نظرت العين إلى العظيم من الآيات من السحاب المسخر بين السماء والأرض بمنزلة الدخان لا جسد له يلمس بشيء من الأرض والجبال، يتخلل الشجرة فلا يحرك منها شيء، ولا يهصر منها غصناً، ولا يعلق منها بشيء يعترض الركبان فيحول بعضهم من بعض من ظلمته وكثافته، ويحتمل من ثقل الماء وكثرته ما لا يقدر على صفته، مع ما فيه من الصواعق الصادعة، والبروق اللامعة، والرعد والبرد والثلج والجليد ما لا تبلغ الأوهام صفته ولا تهتدي القلوب إلى كنه عجائبه، فيخرج مستقلاً في الهواء يجتمع بعد تفرقة ويلتحم بعد تزايله، تفرقه الرياح من الجهات كلها حيث تسوقه بإذن ربها، يسفل مرة ويعلو أخرى، متمسك بما فيه من الماء الكثير الذي إذا أزجاه صارت منه البحور، يمر على الأراضي الكثيرة والبلدان المتنائية لا تنقص منه نقطة، حتى ينتهي إلى ما لا يحصى من الفراسخ فيرسل ما فيه قطرة بعد قطرة، وسيلاً بعد سيل متتابع على رسله، حتى ينقع البرك وتمتلي الفجاج، وتعتلي الأودية بالسيول كأمثال الجبال غاصة بسيولها، مصمخة الأذان لدويها وهديرها فتحيا بها الأرض الميتة، فتصبح مخضرة بعد أن كانت مغبرة، ومعشبة بعد أن كانت مجدبة، قد كسيت ألواناً من نبات عشب ناظرة زاهرة، مزينة معاشاً للناس و الأنعام،
فإذا أفرغ الغمام ماءه أقلع وتفرق وذهب حيث لا يُعاين ولا يُدرى أين توارى، فأدت العين ذلك إلى القلب فعرف القلب أن ذلك السحاب لو كان بغير مدبر وكان ما وصفت من تلقاء نفسه ما حتمل نصف ذلك من الثقل من الماء، وإن كان هو الذي يرسل الماء لما احتمله ألفي فرسخ أو أكثر، ولأرسله فيما هو أقرب من ذلك، ولما أرسله قطرة بعد قطرة بل كان يرسله إرسالاً فكان يهدم البنيان ويفسد النبات، ولما جاز إلى بلد وترك آخر دونه، فعرف القلب بالأعلام المنيرة الواضحة أن مدبر الأمور واحد، وأنه لو كان اثنين أو ثلاثة لكان في طول هذه الأزمنة والأبد والدهر اختلاف في التدبير وتناقض في الأمور، ولتأخر بعض وتقدم بعض، ولكان تسفل بعض ما قد علا، ولعلا بعض ما قد سفل، ولطلع شيء وغاب فتأخر عن وقته أو تقدم ما قبله فعرف القلب بذلك أن مدبر الأشياء ما غاب منها وما ظهر هو الله الأول، خالق السماء وممسكها، وفارش الأرض وداحيها، وصانع ما بين ذلك مما عددنا وغير ذلك مما لم يحص، وكذلك عاينت العين اختلاف الليل والنهار دائبين جديدين لا يبليان في طول كرّهما، ولا يتغيران لكثرة اختلافهما، ولا ينقصان عن حالهما، النهار في نوره وضياءه، والليل في سواده وظلمته، يلج أحدهما في الآخر حتى ينتهي كل واحد منهما إلى غاية محدودة معروفة في الطول والقصر على مرتبة
واحدة، ومجرى واحد مع سكون من يسكن في الليل، وانتشار من ينتشر في الليل، وانتشار من ينتشر في النهار، وسكون من يسكن في النهار، ثم الحر والبرد وحلول أحدهما بعقب الآخر حتى يكون الحر برداً، والبرد حراً في وقته وإبانه، فكل هذا مما يستدل به القلب على الرب سبحانه وتعالى، فعرف القلب بعقله أن من دبر هذه الأشياء هو الواحد العزيز الحكيم، الذي لم يزل ولا يزال، وأنه لو كان في السماوات والأرضين آلهة معه سبحانه لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، ولفسد كل واحدٍ منهم على صاحبه، وكذلك سمعت الأذن ما أنزل المدبر من الكتب تصديقاً لما أدركته القلوب بعقولها، وتوفيق الله إياها،
وما قاله من عرفه كنه معرفته بلا ولد ولا صاحبة ولا شريك فأدت ما سمعت من اللسان بمقالة الأنبياء إلى القلب.

ف 🔍قال(الطبيب الهندي): قد أتيتني من أبواب لطيفة بما لم يأتني به أحد غيرك إلا أنه لا يمنعني من ترك ما في يدي إلا الإيضاح والحجة القوية بما وصفت لي وفسرت.

🔰[هل للحواس مدخل في أحوال النفس عند النوم بدون القلب]

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أمَّا إذا حجبت عن الجواب واختلف منك المقال فسيأتيك من الدلالة من قبل نفسك خاصة ما يستبين لك أن الحواس لا تعرف شيئاً إلا بالقلب، فهل رأيت في المنام أنك تأكل وتشرب حتى وصلت لذة ذلك إلى قلبك؟

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فهل رأيت أنك تضحك وتجول في البلدان التي لم ترها والتي قد رأيتها حتى تعلم معالم ما رأيت منها؟

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم ما لا أحصي.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): هل رأيت أحداً من أقاربك من أخ أو أب أو ذوي رحم قد مات قبل ذلك حتى تعلمه وتعرفه كمعرفتك إياه قبل أن يموت؟

🔍قال(الطبيب الهندي): أكثر من الكثير.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أخبرني أي حواسك أدرك هذه الأشياء في منامك حتى دلت قلبك على ما عاينته الموتى وكلامهم، وأكل طعامهم، والجولان في البلدان والضحك والبكاء وغير ذلك.

🔍قال(الطبيب الهندي): ما أقدر أن أقول لك أي حواسي أدرك ذلك أو شيئاً منها، وكيف تدرك وهي بمنزلة الميت لا تسمع ولا تبصر؟


✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني حيث استيقظت ألست قد ذكرت الذي رأيت في منامك تحفظه وتقصه بعد يقظتك على إخوانك لا تنسى منه حرفاً؟

🔍قال(الطبيب الهندي): إنه كما تقول، وربما رأيت الشيء في منامي ثم لا أمسي حتى أراه في يقظتي كما أراه في منامي.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني أي حواسك قررت علم ذلك في قلبك حتى ذكرته بعد ما استيقظت؟

🔍قال(الطبيب الهندي): إن هذا الأمر ما دخلت فيه الحواس.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفليس ينبغي لك أن تعلم حيث بطلت الحواس في هذا أن الذي عاين تلك الأشياء وحفظها في منامك قلبك الذي جعل الله فيه العقل الذي احتج به على العباد؟

🔍قال(الطبيب الهندي): إن الذي رأيت في منامي ليس بشيء إنما هو بمنزلة السراب الذي يعاينه صاحبه وينظر إليه لا يشك فيه أنه ماء فإذا انتهى إلى مكانه لم يجده شيئاً، فما رأيت في منامي فبهذه المنزلة.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): كيف شبهت السراب بما رأيته في منامك من أكلك الطعام الحلو والحامض، وما رأيت من الفرح والحزن؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لأن السراب حيث انتهيت إلى موضعه صار لا شيء، وكذلك صار ما رأيت في منامي حين انتبهت.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني إن أتيتك بأمر وجدت لذته في منامك وخفق لذلك قلبك ألست تعلم أن الأمر على ما وصفت لك؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني هل احتلمت قط حتى قضيت في امرأة نهمتك عرفتها أم لم تعرفها؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى، ما لا أحصيه.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ألست وجدت في ذلك على قدر لذتك في يقظتك فتنتبه وقد أنزلت الشهوة حتى تخرج منك بقدر ما تخرج منك في اليقظة، هذا كسر لحجتك في السراب.

🔍قال(الطبيب الهندي): ما يرى المحتلم في منامه شيئاً إلا ما كانت حواسه دلت عليه في اليقظة.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ما زدت على أن قويت مقالتي و زعمت أن القلب يعقل الأشياء ويعرفها بعد ذهاب الحواس وموتها، فكيف أنكرت أن القلب يعرف الأشياء وهو يقظان مجتمعة له حواسه، وما الذي عرفه إياها
بعد موت الحواس وهو لا يسمع ولا يبصر؟ ولكنك حقيقاً أن لا تنكر له المعرفة وحواسه حية مجتمعة إذا أقررت أنه ينظر إلى الامرأة بعد ذهاب حواسه حتى نكحها وأصاب لذته منها، فينبغي لمن يعقل حيث وصف القلب بما وصفه به من معرفته بالأشياء والحواس ذاهبة أن يعرف أن القلب مدبر الحواس ومالكها ورئيسها والقاضي عليها، فإنه ما جهل الإنسان من شيء فما يجهل أن اليد لا تقدر على العين أن تقلعها ولا على اللسان أن تقطعه، وأنه ليس يقدر شيء من الحواس أن يفعل بشيء من الجسد شيئاً بغير إذن القلب ودلالته وتدبيره لأن الله تبارك وتعالى جعل القلب مدبراً للجسد، به يسمع وبه يبصر، وهو القاضي والأمير عليه لا يتقدم الجسد إن هو تأخر، ولا يتأخر إن هو تقدم، وبه سمعت الحواس وأبصرت، إن أمرها ائتمرت وإن نهاها انتهت، وبه ينزل الفرح والحزن، وبه ينزل الألم إن فقد شيء من الحواس بقي على حاله، وإن فسد القلب ذهب جميعاً حتى لا يسمع ولا يبصر.

🔰اعتراف ولكن الحيرة باقية

🔍قال(الطبيب الهندي): لقد كنت أظنك لا تخلص من هذه المسألة، وقد جئت بشيء لا أقدر على رده.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): وأنا أعطيك تصاديق ما أنباتك به، وما رأيت في منامك في مجلسك الساعة.

🔍قال(الطبيب الهندي): افعل فإني قد تحيرت في هذه المسألة.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أخبرني هل تحدث نفسك من تجارة أو صناعة أو بناء،
أو تقدير شيء وتأمر به إذا أحكمت تقديره في ظنك؟

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فهل أشركت قلبك في ذلك الفكر شيئاً من حواسك؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفلا تعلم أن الذي أخبرك به قلبك حق؟)

🔍قال(الطبيب الهندي): اليقين هو، فزدني ما يذهب الشك عني، ويزيل الشبهة من قلبي.

🔰مع علم النجوم والتنجيم والحساب

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أخبرني هل يعلم أهل بلادك علم النجوم؟

🔍قال(الطبيب الهندي): إنك لغافل عن علم أهل بلادي بالنجوم، فليس أحدٌ أعلم بذلك منهم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أخبرني كيف وقع علمهم بالنجوم وهي مما لا يدرك بالحواس ولا بالفكر؟

🔍قال(الطبيب الهندي): حساب وضعته العلماء وتوارثته الناس، فإذا سألت الرجل منهم عن شيء، قاس الشمس ونظر في منازل الشمس والقمر، وما للطالع من النحوس، وما للباطن من السعود، ثم يحسب ولا يخطئ، ويحمل إليه المولود فيحسب له ويخبر بكل علامة فيه بغير معاينة، وما هو مصيبه إلى يوم يموت.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): كيف دخل الحساب في مواليد الناس؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لأن جميع الناس إنما يولدون بهذه النجوم، ولولا ذلك لم يستقم هذا الحساب، فمن ثم لا يخطئ إذا علم الساعة واليوم والشهر والسنة التي يولد فيها المولود.
✨قال(الامام جعفـــر الصادق): لقد توصفت علماً عجيباً ليس في علم الدنيا أدق منه ولا أعظم، إن كان حقاً كما ذكرت يعرف به المولود الصبي وما فيه من العلامات، ومنتهى أجله وما يصيبه في حياته، أو ليس هذا حساباً تولد به جميع أهل الدنيا من كان من الناس؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لا أشك فيه.
✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فتعال ننظر بعقولنا كيف علم الناس هذا العلم، وهل يستقيم أن يكون لبعض الناس إذا كان جميع أهل الناس يولدون بهذه النجوم، وكيف عرفها بسعودها ونحوسها، وساعاتها وأوقاتها ودقائقها ودرجاتها، وبطيئها وسريعها، ومواضعها من السماء ومواضعها تحت الأرض، ودلالتها على غامض هذه الأشياء التي وصفت في السماء وما تحت الأرض، فقد عرفت أن بعض هذه البروج في السماء وبعضها تحت الأرض، وكذلك النجوم، السبعة منها تحت الأرض ومنها في السماء، فما يقبل عقلي أن مخلوقاً من أهل الأرض قدر على هذا.

🔍قال(الطبيب الهندي): وما أنكرت من هذا؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إنك زعمت أن جميع أهل الأرض إنما يتوالدون بهذه النجوم فأرى الحكيم الذي وضع هذا الحساب بزعمك من بعض أهل الدنيا، ولا شك إن كنت صادقاً أنه ولد ببعض هذه النجوم والساعات، والحساب الذي كان قبله، إلا أن تزعم أن ذلك الحكيم لم يولد بهذه النجوم كما ولد سائر الناس.
🔍قال(الطبيب الهندي): وهل هذا الحكيم إلا كسائر الناس؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفليس ينبغي أن يدلك عقلك على أنها خلقت قبل هذا الحكيم الذي زعمت أنه وضع هذا الحساب، وقد زعمت أنه ولد ببعض هذه النجوم؟
🔍قال(الطبيب الهندي): بلى.

🔰من الذي علم الناس علم النجوم والحساب

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فكيف اهتدى لبعض هذه النجوم؟ وهل هذا العلم إلا من معلم كان قبلها، وهو الذي أسس هذا الحساب الذي زعمت أنه أساس المولود، والأساس أقدم من المولود، والحكيم الذي زعمت أنه وضع هذا إنما يتبع أمراً معلوماً هو أقدم منه، وهو الذي خلقه مولوداً ببعض هذه النجوم، وهو الذي أسس هذه البروج التي ولد بها غيره من الناس، فواضع الأساس ينبغي أن يكون أقدم منها، هب أن هذا الحكيم عُمّر منذ كانت الدنيا عشرة أضعاف، هل كان نظره في هذه النجوم إلا كنظرك إليها معلقة في السماء، أو تراه كان قادراً على الدنو منها وهي في السماء حتى يعرف منازلها ومجاريها، ونحوسها وسعودها، ودقائقها، وبأيتها تكسف الشمس والقمر، وبأيتها يولد كل مولود، وأيها السعد وأيها النحس، وأيها السريع وأيها البطيء، ثم يعرف بعد ذلك سعود ساعات النهار ونحوسها، وأيها السعد وأيها النحس، وكم ساعة يمكث كل نجمٍ منها تحت الأرض، وفي أي ساعة تغيب وأي ساعة تطلع، وكم ساعة يمكث طالعاً، وفي أي ساعة تغيب، وكم استقام لرجل حكيم كما زعمت من أهل الدنيا أن يعلم علم السماء مما لا يدرك بالحواس، ولا يقع عليه الفكر، ولا يخطر على الأوهام،
وكيف اهتدى أن يقيس الشمس حتى يعرف في أي برج، وفي أي برج القمر، وفي أي برج من السماء هذه السبعة السعود والنحوس، وما الطالع منها وما الباطن وهي معلقة في السماء، وهو من أهل الأرض لا يراها إذا توارت بضوء الشمس، إلا أن تزعم أن هذا الحكيم الذي قد وضع هذا العلم قد رقى إلى السماء، وأنا أشهد أن هذا العالم لن يقدر على هذا العلم إلا بمن في السماء؛ لأن هذا ليس من علم أهل الأرض؟

🔍قال(الطبيب الهندي): ما بلغني أن أحداً من أهل الأرض رقى إلى السماء.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فلعل هذا الحكيم فعل ذلك ولم يبلغك.

🔍قال(الطبيب الهندي): ولو بلغني ما كنت مصدقاً.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأنا أقول قولك، هبه رقى إلى السماء هل كان له بدٌ من أن يجري مع كل برج من هذه البروج، ونجم من هذه النجوم، من حيث يطلع إلى حيث يغيب، ثم يعود مثل الآخر حتى يأتي على آخرها، فإن منها ما يقطع السماء في ثلاثين سنة، ومنها ما يقطع دون ذلك، وهل كان له بدٌ من أن يجول في أقطار السماء حتى يعرف مطالع السعود منها والنحوس، والبطيء والسريع حتى يحصي ذلك، أو هبه قدر على ذلك حتى فرغ مما في السماء هل كان يستقيم له ما في السماء حتى
يحكم حساب ما في الأرض وما تحتها، وأن يعرف ذلك مثل ما قد عاين في السماء؛ لأن مجاريها تحت الأرض على غير مجاريها في السماء، فلم يكن يقدر على أحكام حسابها، ودقائقها وساعاتها إلا بمعرفة ما غاب عنه تحت الأرض منها؛ لأنه ينبغي أن يعرف أي ساعة من الليل يطلع طالعها، وكم يمكث تحت الأرض، وأي ساعة من النهار يغيب غائبها؛ لأنه لا يعاينها ولا ما طلع منها ولا ما غاب، ولابد أن يكون العالم بها واحداً، وإلا لم ينتفع بالحساب، إلا أن تزعم أن ذلك الحكيم قد دخل في ظلمات الأرضين والبحار فسار مع النجوم والشمس والقمر في مجاريها على قدر ما سار في السماء، حتى علم الغيب منها، وعلم ما تحت الأرض على قدر ما عاين منها في السماء؟

🔍قال(الطبيب الهندي): وهل رأيتني أجبتك إلى أن أحداً من أهل الأرض رقى إلى السماء وقدر على ذلك حتى أقول إنه دخل في ظلمات الأرضين والبحور.

🔰أنوار الحق تبدد ظلام الباطل

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فكيف وقع هذا العلم الذي زعمت أن الحكماء من الناس وضعوه، وأن الناس كلهم مولودون به، وكيف عرفوا ذلك الحساب وهو أقدم منهم؟

🔍قال(الطبيب الهندي): أرأيت إن قلت لك إن البروج لم تزل، وهي التَّي خلقت نفسها على هذا الحساب ما الذي ترد عليَّ؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أسألك كيف يكون بعضها سعداً وبعضها نحساً، وبعضها مضيئاً وبعضها مظلماً، وبعضها صغيراً وبعضها كبيراً؟

🔍قال(الطبيب الهندي): كذلك أرادت أن تكون بمنزلة الناس، فإن بعضهم جميل وبعضهم قبيح، وبعهضم قصير وبعضهم طويل، وبعضهم أبيض وبعضهم أسود، وبعضهم صالح وبعضهم طالح.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فالعجب منك أني أراودك منذ اليوم على أن تقر بصانعٍ فلم تجبني إلى ذلك حتى كان الآن أقررت بأن القردة والخنازير خلقن أنفسهن؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لقد بهتَّني بما لم يسمع الناس مني.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفمنكر أنت لذلك؟

🔍قال(الطبيب الهندي): أشد الإنكار.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فمن خلق القردة والخنازير إن كان الناس والنجوم خلقنّ أنفسهن فلابد من أن تقول: إنهن من خلق الناس، أو خلقن أنفسهن، أفتقول إنها من خلق الناس؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فلابد من أن يكون لها خالق أو هي خلقت أنفسها، فإن قلت إنها من خلق الناس أقررت أن لها خالقاً، فإن قلت لابد لها أن يكون لها خالق فقد صدقت، وما أعرفنا به، ولئن قلت إنهن خلقن أنفسهن فقد أعطيتني فوق ما طلبت منك من الإقرار بصانع، ثم ✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني، بعضهن قبل بعض خلقن أنفسهن أم كان ذلك في يوم وا حد، فإن قلت بعضهن قبل بعض، فأخبرني السماوات وما فيهن والنجوم قبل الأرض والإنس والذرء خلقن أم بعد ذلك؟ فإن ✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إن الأرض قبل أفلا ترى قولك أن الأشياء لم تزل، قد بطل حيث كانت السماء بعد الأرض.

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى، ولكن أقول معاً جميعاً خلقن.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفلا ترى أنك قد أقررت أنها لم تكن شيئاً قبل أن خلقن، وقد أذهبت حجتك في الأزلية.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إني لعلى حد وقوف، ما أدري ما أجيبك فيه؛ لأني أعلم أن الصانع إنما سمي صانعاً لصناعته، والصناعة غير الصانع، والصانع غير الصناعة؛ لأنه يقال للرجل الباني لصناعته البناء، والبناء غير الباني والباني غير البناء، وكذلك الحارث غير الحرث والحرث غير الحارث.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني عن قولك أن الناس خلقوا أنفسهم فبكمالهم خلقوها أرواحهم وأجسادهم وصورهم وأنفاسهم أم خلق بعض ذلك غيرهم؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بكمالهم لم يخلق ذلك، ولا شيئاً منهم غيرهم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني الحياة أحب لهم أم الموت؟

🔍قال(الطبيب الهندي): أوتشك أنه لا شيء أحب إليهم من الحياة، ولا أبغض إليهم من الموت.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني من خلق الموت الذي يخرج أنفسهم التي زعمت أنهم خلقوها؟ فإنك لا تنكر أن الموت غير الحياة، وأنه هو الذي يذهب بالحياة، فإن ✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إن الذي خلق الموت غيرهم، فإن الذي خلق الموت هو الذي خلق الحياة، ولئن قلت هم الذين خلقوا الموت لأنفسهم إن هذا لمحال من القول، وكيف خلقوا لأنفسهم ما يكرهون إن كانوا كما زعمت خلقوا أنفسهم.
هذا ما يستنكر من ضلالك أن تزعم أن الناس قدروا على خلق أنفسهم بكمالهم، وأن الحياة أحب إليهم من الموت، وخلقوا ما يكرهون لأنفسهم.

🔍قال(الطبيب الهندي): ما أجد واحداً من القولين ينقاد لي، ولقد قطعته علي قبل الغاية التي كنت أريدها.

🔰علم النجوم وحسابها أرضي أم سماوي؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): دعني، فإن من الدخول في أبواب الجهالات ما لا ينقاد من الكلام، وإنما أسألك عن معلم هذا الحساب الذي علم أهل الأرض علم هذه النجوم المعلقة في السماء.

🔍قال(الطبيب الهندي): ما أجده يستقيم لي أن أقول إن أحداً من أهل الأرض وضع علم هذه النجوم المعلقة في السماء.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فلابد لك أن تقول: إنما علمه حكيم عليم بأمر السماء والأرض ومدبرهما.

🔍قال(الطبيب الهندي): إن قلت هذا فقد أقررت لك بإلهك الذي تزعم أنه في السماء.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أما إنك قد أعطيتني أن حساب هذه النجوم حق، وأن جميع الناس ولدوا بها.

🔍قال(الطبيب الهندي): الشك في غير هذا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): وكذلك أعطيتني أن أحداً من أهل الأرض لم يقدر على أن يغيب مع هذه النجوم والشمس والقمر في المغرب حتى يعرف مجاريها ويطلع معها إلى المشرق.

🔍قال(الطبيب الهندي): الطلوع إلى السماء دون هذا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فلا أراك تجد بداً من أن تزعم أن المعلم لهذا من السماء.

🔍قال(الطبيب الهندي): لئن قلت أن ليس لهذا الحساب معلم لقد قلت إذاً غير الحق، ولئن زعمت أن أحداً من أهل الأرض علم ما في السماء وما تحت الأرض لقد أبطلت؛ لأن أهل الأرض لا يقدرون على علم ما وصفت لك من حال هذه النجوم والبروج بالمعاينة والدنو منها فلا يقدرون عليه؛ لأن علم أهل الدنيا لا يكون عندنا إلا بالحواس، وما يدرك علم هذه النجوم التي وصفت بالحواس؛ لأنها معلقة في السماء، وما زادت الحواس على النظر إليها، حيث تطلع وحيث تغيب، فأما حسابها ودقائقها ونحوسها وسعودها، وبطيئها وسريعها وخنوسها ورجوعها فأنَّى تدرك بالحواس أو يهتدى إليها بالقياس.
✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني لو كنت متعملاً مستوصفاً لهذا الحساب من أهل الأرض أحب إليك أن تستوصفه وتتعلمه أم من أهل السماء؟

🔍قال(الطبيب الهندي): من أهل السماء إذ كانت النجوم معلقة فيها، حيث لا يعلمها أهل الأرض.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فافهم وأدق النظر وناصح نفسك، ألست تعلم أنه حيث كان جميع أهل الدنيا إنما يولدون بهذه النجوم على ما وصفت في النحوس والسعود أنهن كن قبل الناس؟

🔍قال(الطبيب الهندي): ما أمتنع أن أقول هذا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفليس ينبغي لك أن تعلم أن قولك إن الناس لم يزالوا ولا يزالون قد انكسر عليك حيث كانت النجوم قبل الناس والناس حدث بعدها، ولئن كانت النجوم خلقت قبل الناس ما تجد بداً من أن تزعم أن الأرض خلقت قبلهم.

🔍قال(الطبيب الهندي): ولم تزعم أن الأرض خُلقت قبلهم؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ألست تعلم أنها لو لم تكن الأرض جعلها الله لخلقه فراشاً ومهاداً ما استقام الناس ولا غيرهم من الأنام، ولا قدروا أن يكونوا في الهواء إلا أن يكون لهم أجنحة.

🔍قال(الطبيب الهندي): وماذا تغني عنهم الأجنحة إذا لم تكن لهم معيشة؟

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ففي شك أنت من أن الناس حدثٌ بعد الأرض والبروج؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لا، ولكن على اليقين من ذلك.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): آتيك أيضاً بما تبصره.

🔍قال(الطبيب الهندي): ذلك أنفى للشك عني.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ألست تعلم أن الذي تدور عليه هذه النجوم والشمس والقمر هذا الفلك؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفليس قد كان أساساً لهذه النجوم.

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فما أرى هذه النجوم التي زعمت أنها مواليد الناس إلا وقد وضعت بعد هذا الفلك؛ لأنه به تدور البروج وتسفل مرة وتصعد أخرى.

🔍قال(الطبيب الهندي): قد جئت بأمرٍ واضح لا يشكل على ذي عقل أن الفلك الذي تدور به النجوم هو أساسها الذي وضع لها؛ لأنها إنما جرت به.

🔰إقرار بالخالق تعالى

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أقررت أن خالق النجوم التي يولد بها الناس سعودهم ونحوسهم هو خالق الأرض؛ لأنه لو لم يكن خلقها لم يكن ذرءٌ.

🔍قال(الطبيب الهندي): ما أجد بداً من إجابتك إلى ذلك.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفليس ينبغي لك أن يدلك عقلك على أنه لا يقدر على خلق السماء إلا الذي خلق الأرض والذرء والشمس والقمر والنجوم، وأنه لولا السماء وما فيها لهلك ذرء الأرض.

🔍قال(الطبيب الهندي): أشهد أن الخالق واحدٌ من غير شك؛ لأنك قد أتيتني بحجة ظهرت لعقلي، وانقطعت بها حجتي، وما أرى يستقيم أن يكون واضع هذا الحساب ومعلم هذه النجوم واحداً من أهل الأرض؛ لأنها في السماء ولا مع ذلك يعرف ما تحت الأرض منها إلا معلمٌ ما في السماء منها، ولكن لست أدري كيف سقط أهل الأرض على هذا العلم الذي هو في السماء حتى اتفق حسابهم على ما رأيت من الدقة والصواب، فإني لو لم أعرف من هذا الحساب ما أعرفه لأنكرته، ولأخبرتك أنه باطل في بدئ الأمر فكان أهون عليَّ.

🔰عودة إلى الإهليلجة وعلم الطب

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأعطني موثقاً إن أنا أعطيتك من قبل هذه الإهليلجة التي في يدك وما تدعي من الطب الذي هو صناعتك وصناعة آبائك حتى يتصل الإهليلجة وما يشبهها من الأدوية بالسماء، لتذعنن بالحق ولتنصفن من نفسك؟

🔍قال(الطبيب الهندي): ذلك لك.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): هل كان الناس على حال وهم لا يعرفون الطب ومنافعه من هذه الإهليلجة وأشباهها؟

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فمن أين اهتدوا له؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بالتجربة وطول المقايسة.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فكيف خطر على أوهامهم حتى هموا بتجربته؟ وكيف ظنوا أنه مصلحة للأجساد وهم لا
يرون فيه إلا المضرة؟ أو كيف عزموا على طلب ما لا يعرفون مما تدلهم عليه الحواس؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بالتجارب.

🔰من هو واضع علم الطب وكيف تعلمه الناس

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أخبرني عن واضع هذا الطب وواصف هذه العقاقير المتفرقة بين المشرق والمغرب؟ وهل كان بد من أن يكون الذي وضع ذلك ودل على هذه العقاقير رجل حكيم من بعض أهل هذه البلدان؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لابد أن يكون كذلك، وأن يكون رجلاً حكيماً وضع ذلك، وجمع عليه الحكماء فنظروا في ذلك وفكروا فيه بعقولهم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): كأنك تريد الإنصاف من نفسك والوفاء بما أعطيت من ميثاقك، فأعلمني كيف عرف الحكيم ذلك؟ وهبه قد عرف بما في بلاده من الدواء والزعفران الذي بأرض فارس أتراه اتبع جميع نبات الأرض فذاقه شجرة شجرة حتى ظهر على جميع ذلك، وهل يدلك عقلك على أن رجالاً حكماء قدروا على أن يتبعوا جميع بلاد فارس ونباتها شجرة شجرة حتى عرفوا ذلك بحواسهم، وظهروا على تلك الشجرة التي يكون فيها خلط بعض هذه الأدوية التي لم تدرك حواسهم شيئاً منها، وهبه أصاب تلك الشجرة بعد بحثه عنها، وتتبعه جميع شجر فارس ونباتها، كيف عرف أنه لا يكون دواءً حتى يضم إليه (الإهليلج) من الهند، و (المصطكى) من الروم، و (المسك) من التبت، و (الدارصيني) من الصين، و (خِصيِ بيدستر) من الترك، و (الأفيون)
من مصر، و (الصبر) من اليمن و (البورق) من أرمينية وغير ذلك من أخلاط الأدوية التي تكون في أطراف الأرض، وكيف عرف أن بعض تلك الأدوية وهي عقاقير مختلفة يكون المنفعة في اجتماعها، ولا يكون منفعتها في الحالات بغير اجتماع، أم كيف اهتدى لمنابت هذه الأدوية وهي ألوان مختلفة، وعقاقير متباينة في بلدان متفرقة، فمنها عروق ومنها لحاء ومنها ورق ومنها ثمر، ومنها عصير ومنها مائع ومنها صمغ، ومنها دهن، ومنها ما يعصر ويطبخ، ومنها ما يعصر ولا يطبخ مما سمّي بلغات شتى لا يصلح بعضها إلاَّ ببعض، ولا يصير دواءً إلا بإجتماعها، ومنها مرائر السباع والدواب البرية والبحرية، وأهل هذه البلدان مع ذلك متعادون مختلفون متفرقون باللغات، متغالبون بالمناصبة ومتحاربون بالقتل والسبي، أفترى ذلك الحكيم تتبع هذه البلدان حتى عرف كل لغة وطاف كل وجه وتتبع هذه العقاقير مشرقاً ومغرباً آمناً صحيحاً لا يخاف ولا يمرض، سليماً لا يعطب، حياً لا يموت، هادياً لا يضل، قاصداً لا يجور ، حافظاً لا ينسى، نشيطاً لا يمل حتى عرف وقت أزمنتها ومواضع منابتها مع
اختلاطها واختلاف صفاتها وتباين ألوانها وتفرق أسمائها، ثم وضع مثالها على شبهها وصفتها، ثم وصف كل شجرة بنباتها وورقها وثمرها وريحها وطعمها، أم هل كان لهذا الحكيم بدٌ من أن يتبع جميع أشجار الدنيا وبقولها وعروقها، شجرة شجرة وورقة ورقة، شيئاً شيئاً، فهبه وقع على الشجرة التي أراد، فكيف دلته حواسه على أنها تصلح لدواء، والشجر مختلف منه الحلو والحامض والمر والمالح، وإن ✨قال(الامام جعفـــر الصادق): يستوصف في هذه البلدان ويعمل بالسؤال فأنى يسأل عما لم يعاين ولم يدركه بحواسه، أم كيف يهتدي إلى من يسأله عن تلك الشجرة، وهو يكلمه بغير لسانه وبغير لغته، والأشياء كثيرة، فهبه فعل، كيف عرف منافعها ومضارها، وتسكينها وتهييجها، وباردها وحارها، وحلوها ومرارتها وحرافتها ولينها وشديدها فلئن قلت بالظن، إن ذلك مما لا يدرك ولا يعرف بالطبائع والحواس، ولئن قلت بالتجربة والشرب لقد كان ينبغي له أن يموت في أول ما شرب وجرب تلك الأدوية بجهالته بها وقلة معرفته بمنافعها ومضارها، وأكثرها السم القاتل، ولئن قلت بل طاف في كل بلد وأقام في كل أمة يتعلم لغاتهم ويجرب بهم أدويتهم تقتل الأول فالأول منهم ما كان لتبلغ معرفته الدواء الواحد إلا بعد قتل قوم كثير، فما كان أهل تلك البلدان الذين
قتل منهم من قتل بتجربته بالذين ينقادون له بالقتل، ولا يدعونه أن يجاورهم، وهبه تركوه وسلموا لأمره ولم ينهوه كيف قوي على خلطها وعرف قدرها ووزنها وأخذ مثاقيلها وقرَّط قراريطها، وهبه تتبع هذا كله وأكثره سم قاتل إن زيد على قدرها قتل، وإن نقص عن قدرها بطل، وهبه تتبع هذا كله وجال مشارق الأرض ومغاربها، وطال عمره فيها تتبعه شجرة شجرة، وبقعة بقعة، كيف كان له تتبع ما لم يدخل في ذلك من مرارة الطير وسباع ودواب البحر، هل كان بدٌ حيث زعمت أن ذلك الحكيم تتبع عقاقير الدنيا شجرة شجرة وثمرة ثمرة حتى جمعها كلها فمنها ما لا يصلح ولا يكون دواء إلا بالمرار، هل كان بد من أن يتبع جميع طير الدنيا وسباعها ودوابها دابة فدابة، وطائرا طائراً يقتلها ويجرب مرارتها، كما بحث عن تلك العقاقير على ما زعمت بالتجارب، ولو كان ذلك فكيف بقيت الدواب وتناسلت وليست بمنزلة الشجرة إذا قطعت شجرة نبتت أخرى، وهبه أتى على طير الدنيا كيف يصنع بما في البحر من الدواب التي كان ينبغي أن يتبعها بحراً بحراً ودابة دابة حتى أحاط به كما أحاط بجميع عقاقير الدنيا التي بحث عنها حتى عرفها وطلب ذلك في غمرات الماء، فإنك مهما جهلت شيئاً من هذا فإنك لا تجهل أن دواب البحر كلها تحت الماء، فهل يدل العقل والحواس على أن هذا يدرك بالبحث والتجارب.

🔰[تهيئة الله تعالى الجسم لقبول الدواء المناسب للداء]

لقد ضيقت عليَّ المذاهب، فما أدري ما أجيبك به.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فإني آتيك بغير ذلك مما هو أوضح وأبين مما اقتصصت عليك، ألست تعلم أن هذه العقاقير التي منها الأدوية والمرار من الطير والسباع لا يكون دواء إلا بعد الإجتماع؟

🔍قال(الطبيب الهندي): هو كذلك.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني كيف حواس هذا الحكيم وضعت هذه الأدوية مثاقيلها وقراريطها؟ فإنك من أعلم الناس بذلك؛ لأن صناعتك الطب وأنت تدخل في الدواء الواحد من اللون الواحد زنة أربعمائة مثقال، ومن الآخر مثاقيل وقراريط فما فوق ذلك ودونه، حتى يجيء بقدر واحدٍ معلوم، إذا سقيت منه صاحب البطنة بمقدار عقد بطنه، وإن سقيت صاحب القولنج أكثر من ذلك استطلق بطنه وألان فكيف أدركت حواسه على هذا؟ أم كيف عرفت حواسه أن الذي يسقى لوجع الرأس لا ينحدر إلى الرجلين؟ والإنحدار أهون عليه من الصعود، والذي يسقى لوجع القدمين لا يصعد إلى الرأس وهو إلى الرأس عند السلوك أقرب منه، وكذلك كل دواء يسقى صاحبه لكل عضو لا يأخذ إلا طريقه في العروق التي تسقى له، وكل ذلك يصير إلى المعدة ومنها يتفرق، أم كيف لا يسفل منه ما صعد ولا يصعد منه
ما انحدر؟ أم كيف عرفت الحواس هذا حتى علم أن الذي ينبغي للأذن لا ينفع العين؟ وما ينتفع به العين لا يغني من وجع الأذن، وكذلك جميع الأعضاء يصير كل دواءٍ منها إلى ذلك الداء الذي ينبغي له بعينه، فكيف أدركت العقول والحكمة والحواس هذا وهو غائب في الجوف والعروق في اللحم، وفوقه الجلد لا يدرك بسمعٍ ولا ببصر، ولا بشم ولا بلمس، ولا بذوق.

🔍قال(الطبيب الهندي): لقد جئت بما أعرفه إلا أننا نقول إن الحكيم الذي وضع هذه الأدوية وأخلاطها كان إذا سقى أحداً شيئاً من هذه الأدوية فمات شق بطنه وتتبع عروقه ونظر مجاري تلك الأدوية، وأتى المواضع التي تلك الأدوية فيها.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني ألست تعلم أن الدواء كله إذا وقع في العروق اختلط بالدم فصار شيئاً واحداً؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أما تعلم أن الإنسان إذا خرجت نفسه برد دمه وجمد؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فكيف عرف ذلك الحكيم دواءه الذي سقاه للمريض بعد ما صار غليظاً عبيطاً ليس بأمشاج يستدل عليه بلون فيه غير لون الدم؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لقد حملتني على مطية صعبة ما حمّلت على مثلها قط، ولقد جئت بأشياء لا أقدر على ردها.

🔰[من أين علم العباد بأماكن الدواء في شتى بقاع الأرض]

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني من أين علم العباد ما وصفت من هذه الأدوية التي فيها المنافع لهم حتى خلطوها وتتبعوا عقاقيرها في هذه البلدان المتفرقة، وعرفوا مواضعها ومعادنها في الأماكن المتباينة، وما يصلح من عروقها وزنتها من مثاقيلها وقراريطها و ما يدخلها من الحجارة ومرار السباع وغير ذلك؟

🔍قال(الطبيب الهندي): قد أعييت عن إجابتك لغموض مسائلك وإلجائك إياي إلى أمرٍ لا يدرك علمه بالحواس ولا بالتشبيه والقياس، ولابد أن يكون وضع هذه الأدوية واضع؛ لأنها لم تضع هي أنفسها ولا اجتمعت حتى جمعها غيرها بعد معرفته إياها، فأخبرني كيف علم العباد هذه الأدوية التي فيها المنافع حتى خلطوها وطلبوا عقاقيرها في هذه البلدان المتفرقة.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إني ضارب لك مثلاً وناصب لك دليلاً تعرف به واضع هذه الأدوية، والدال على هذه العقاقير المختلفة، وباني الجسد وواضع العروق التي يأخذ فيها الدواء إلى الداء.

🔍قال(الطبيب الهندي): فإن قلت ذلك لم أجد بُداً من الإنقياد إلى ذلك.

🔰الأرض الحديقة العظيمة

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني عن رجل أنشأ حديقة عظيمة وبنى عليها حائطاً وثيقاً، ثم غرس فيها الأشجار والأثمار والرياحين والبقول، وتعاهد سقيها وتربيتها، ووقاها ما يضرها حتى لا يخفى عليه موضع كل صنفٍ منها، فإذا أدركت أشجارها وأينعت أثمارها واهتزت بقولها دفعت إليه فسألته أن يطعمك لوناً من الثمار والبقول سميته له، أتراه كان قادراً على أن ينطلق قاصداً مستمراً لا يرجع ولا يهوي إلى شيء يمر به من الشجرة والبقول حتى يأتي الشجرة التي سألته أن يأتيك بثمرها، والبقلة التي طلبتها حيث كانت من أدنى الحديقة أو أقصاها فيأتيك بها.

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفرأيت لو قال لك صاحب الحديقة حيث سألته الثمرة: ادخل الحديقة فخذ حاجتك فإني لا أقدر على ذلك، هل كنت تقدر أن تنطلق قاصداً لا تأخذ يميناً ولا شمالاً حتى تنتهي إلى الشجرة فتجتني منها؟

🔍قال(الطبيب الهندي): وكيف أقدر على ذلك ولا علم لي في أي مواضع الحديقة هي.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفليس تعلم أنك لم تكن لتصيبها دون أن تهجم عليها بتعسف وجولان في جميع الحديقة حتى تستدل عليها ببعض حواسك بعدما تتصفح فيها من الشجر شجرة شجرة وثمرة ثمرة، حتى تسقط على الشجرة التي تطلب ببعض حواسك أن تأتيها، وإن لم ترها انصرفت؟

🔍قال(الطبيب الهندي): وكيف أقدر على ذلك ولم أعاين مغرسها حيث غرست، ولا منبتها حيث نبتت، ولا ثمرتها حيث طلعت.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فإنه ينبغي لك أن يدلك عقلك حيث عجزت حواسك عن إدراك ذلك، إن الذي غرس هذا البستان العظيم فيما بين المشرق والمغرب، وغرس فيه هذه الأشجار والبقول هو الذي دل الحكيم الذي زعمت أنه وضع الطب على تلك العقاقير ومواضعها في المشرق والمغرب، وكذلك ينبغي لك أن تستدل بعقلك على أنه هو الذي سماها، وسمى بلدتها، وعرف مواضعها كمعرفة صاحب الحديقة الذي سألته الثمرة، وكذلك لا يستقيم ولا ينبغي أن يكون الغارس والدال عليها إلا الدال على منافعها ومضارها، وقراريطها ومثاقيلها.

🔍قال(الطبيب الهندي): إن هذا لكما تقول.

🔰الله تعالى خالق الجسد والداء والدواء

أفرأيت لو كان خالق الجسد وما فيه من العصب واللحم والأمعاء والعروق التي يأخذ فيها الأدوية إلى الرأس وإلى القدمين، وإلى ما سوى ذلك غير خالق الحديقة وغارس العقاقير، هل كان يعرف زنتها ومثاقيلها وقراريطها، وما يصلح لكل داءٍ منها، وما كان يأخذ في كل عرق.

🔍قال(الطبيب الهندي): وكيف يعرف ذلك أو يقدر عليه، وهذا لا يدرك بالحواس، وما ينبغي أن يعرف هذا إلا الذي غرس الحديقة وعرف كل شجرة وبقلة وما فيها من المنافع والمضار.

✨ ✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفليس كذلك ينبغي أن يكون الخالق واحداً؛ لأنه لو كان اثنين أحدهما خالق الدواء والآخر خالق الجسد والداء لم يهتدي غارس العقاقير لإيصاله دوائه إلى الداء الذي بالجسد مما لا علم له به، ولا اهتدى خالق الجسد إلى علم ما يصلح ذلك الداء من تلك العقاقير، فلما كان خالق الداء والدواء واحداً أمضى الدواء في العروق التي برأ وصور إلى الداء الذي عرف ووضع فعلم مزاجها من حرها وبردها، ولينها وشديدها، وما يدخل في كل دواء منه من القراريط والمثاقيل، وما يصعد إلى الرأس منها، وما يهبط إلى القدمين منها، ما يتفرق منه في ما سوى ذلك.

🔰علم الإنسان ما لم يعلم

🔍قال(الطبيب الهندي): لا أشك في هذا؛ لأنه لو كان خالق الجسد غير خالق العقاقير لم يهتد واحدٌ منهما إلى ما وصفت.

✨ ✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فإن الذي دل الحكيم الذي وصفت أنه أول من خلط هذه الأدوية ودل على عقاقيرها المتفرقة فيما بين المشرق والمغرب، ووضع هذا الطب على ما وصفت لك هو صاحب الحديقة فيما بين المشرق والمغرب وهو باني الجسد، وهو دل الحكيم بوحي منه على صفة كل شجرة وبلدها، وما يصلح منها من العروق والثمار والدهن والورق والخشب واللحاء، وكذلك دله على أوزانها من مثاقيلها وقراريطها وما يصلح لكل داء منها، وكذلك هو خالق السباع والطير والدواب التي في مرارها المنافع مما يدخل في تلك الأدوية، فإنه لو كان غير خالقها لم يدر ما ينتفع به من مرارها وما يضر، وما يدخل منها في العقاقير، فلما كان الخالق سبحانه وتعالى واحداً دل على ما فيه من المنافع منها فسماه باسمه، حتى عرف وترك ما لا منفعة فيه منها، فمن ثم علم الحكيم أي السباع والدواب والطير فيه المنافع، وأيها لا منفعة فيه، ولولا أن خالق هذه الأشياء دله عليها ما اهتدى بها.
🔍قال(الطبيب الهندي): إن هذا لكما تقول، وقد بطلت الحواس والتجارب عند هذه الصفات.

🔰[ارتباط الخلق بالأرض وحاجتهم للماء والله خالق الجميع]

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أما إذا صحت نفسك فتعال ننظر بعقولنا ونستدل بحواسنا، هل كان لخالق هذه الحديقة وغارس هذه الأشجار وخالق هذه الدواب والطير والناس الذي خلق هذه الأشياء لمنافعهم أن يخلق هذا الخلق ويغرس هذا الغرس في أرض غيره مما إذا شاء منعه ذلك.

🔍قال(الطبيب الهندي): ما ينبغي أن تكون الأرض التي خلقت فيها الحديقة العظيمة، وغرست فيها الأشجار إلا لخالق هذا الخلق وملك يده.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فقد أرى الأرض أيضاً لصاحب الحديقة؛ لإتصال هذه الأشياء بعضها ببعض.

🔍قال(الطبيب الهندي): ما في هذا شك.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني وناصح نفسك، ألست تعلم أن هذه الحديقة وما فيها من الخلقة العظيمة من الإنس والدواب والطير والشجر والعقاقير والثمار وغيرها لا يصلحها إلا شربها وريها من الماء الذي لا حياة لشيء إلا به.

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفترى الحديقة وما فيها من الذرء خالقها واحد، وخالق الماء غيره يحبسه عن هذه الحديقة إذا شاء ويرسله إذا شاء فيفسد على خالق الحديقة.

🔍قال(الطبيب الهندي): ما ينبغي أن يكون خالق هذه الحديقة وذارء هذا الذرء الكثير، وغارس هذه الأشجار إلا المدبر الأول، وما ينبغي أن يكون ذلك الماء لغيره، وإن اليقين عندي لهو أن الذي يجري هذه المياه من أرضه وجباله لغارس هذه الحديقة وما فيها من الخليقة؛ لأنه لو كان الماء لغير صاحب الحديقة لهلك الحديقة وما فيها، ولكنه خالق الماء قبل الغرس والذرء، وبه استقامت الأشياء وصلحت.

🔰البحر وعجائبه

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفرأيت لو لم يكن لهذه المياه المنفجرة في الحديقة مغيض لما يفضل من شربها يحبسه عن الحديقة أن يفيض عليها، أليس كان يهلك ما فيها من الخلق على حسب ما كانوا يهلكون لو لم يكن لها ماء؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى، ولكني لا أدري لعل هذا البحر ليس له حابس، وأنه شيء لم يزل.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أما أنت فقد أعطيتني أنه لولا البحر ومغيض المياه إليه لهلكت الحديقة؟

🔍قال(الطبيب الهندي): أجل.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فإني أخبرك عن ذلك بما تستيقن بأن خالق البحر هو خالق الحديقة وما فيها من الخليقة، وأنه جعله مغيضاً لمياه الحديقة مع ما جعل فيه من المنافع للناس.

🔍قال(الطبيب الهندي): فاجعلني من ذلك على يقين كما جعلتني من غيره.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ألست تعلم أن فضول ماء الدنيا يصير في البحر؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فهل رأيته زائداً قط في كثرة الماء وتتابع الأمطار على الحد الذي لم يزل عليه أو هل رأيته ناقصاً في قلة المياه وشدة الحر وشدة القحط؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لا.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفليس ينبغي أن يدلك عقلك على أن خالقه وخالق الحديقة وما فيها من الخليقة واحد، وأنه هو الذي وضع له حداً لا يجاوزه لكثرة الماء، ولا لقلته، وأن مما يستدل على ما أقول أنه يقبل بالأمواج أمثال الجبال يشرف على السهل والجبل، فلو لم تقبض أمواجه ولم تحبس في المواضع التي أمرت بالإحتباس فيها لأطبقت على الدنيا حتى إذا انتهت على تلك المواضع التي لم تزل تنتهي إليها ذلت أمواجه وخضع أشرافه.

🔍قال(الطبيب الهندي): إن ذلك لكما وصفت، ولقد عاينت منه كل الذي ذكرت، ولقد أتيتني ببرهان ودلالات ما أقدر على إنكارها ولا جحودها لبيانها.

🔰اتصال الخلق بعضه ببعض

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): وغير ذلك سآتيك به مما تعرف إتصال الخلق بعضه ببعض، وأن ذلك من مدبر حكيم عالم قدير، ألست تعلم أن عامة الحديقة ليس شربها من الأنهار والعيون، وأن أعظم ما ينبت فيها من العقاقير والبقول التي في الحديقة ومعاش ما فيها من الدواب والوحش والطير من البراري التي لا عيون لها ولا أنهار، إنما يسقيه السحاب؟

🔍قال(الطبيب الهندي): بلى.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أفليس ينبغي أن يدلك عقلك وما أدركت بالحواس التي زعمت أن الأشياء لا تعرف إلا بها، أنه لو كان السحاب الذي يحتمل من المياه إلى البلدان والمواضع التي لا تنالها ماء العيون والأنهار، وفيها العقاقير والبقول والشجر والأنام لغير صاحب الحديقة لأمسكه عن الحديقة إذا شاء، ولكان خالق الحديقة من بقاء خليقته التي ذرأ وبرأ على غرور ووجل خائفاً على خليقته أن يحبس صاحب المطر الماء الذي لا حياة للخليقة إلا به؟

🔍قال(الطبيب الهندي): إن الذي جئت به لواضح متصل بعضه ببعض، وما ينبغي أن يكون الذي خلق هذه الحديقة وهذه الأرض، وجعل فيها الخليقة وخلق لها هذا المغيض وأنبت فيها هذه الثمار المختلفة إلا خالق السماء والسحاب يرسل منها ما شاء من الماء إذا شاء أن يسقي الحديقة، ويحيي ما في الحديقة من الخليقة والأشجار والدواب والبقول وغير ذلك، إلا أني أحب أن تأتيني بحجة ازداد بها يقيناً وأخرج بها من الشك.

🔰عودة إلى الإهليلجة وبيان اتصالها بالكون

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فإني آتيك بها إن شاء الله من قبل إهليلجتك واتصالها بالحديقة، وما فيها من الأشياء المتصلة بأسباب السماء، لتعلم أن ذلك بتدبير عليم حكيم.

🔍قال(الطبيب الهندي): وكيف تأتيني بما يذهب عني الشك من قبل الإهليلجة؟)

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فيما أريك فيها من إتقان الصنع، وأثر التركيب المؤلف، واتصال ما بين عروقها إلى فروعها، واحتياج بعض ذلك إلى بعض، حتى يتصل بالسماء.

🔍قال(الطبيب الهندي): إن أريتني ذلك لم أشك.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ألست تعلم أن الإهليلجة نابتة في الأرض، وأن عروقها مؤلفة إلى أصل، وأن الأصل متعلق بساق متصل بالغصون، والغصون متصلة بالفروع، والفروع منظومة بالأكمام والورق، وملبس ذلك كله الورق، ويتصل جميعه بظل يقيه حر الزمان وبرده.

🔍قال(الطبيب الهندي): أما الإهليلجة فقد تبين لي اتصال لحائها وما بين عروقها وبين ورقها ومنبتها من الأرض، فأشهد أن خالقها واحد لا يشركه في خلقها غيره، لإتقان الصنع واتصال الخلق وائتلاف التدبير، وإحكام التقدير.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إن أريتك التدبير مؤتلفاً بالحكمة والإتقان، معتدلاً بالصنعة، محتاجاً بعضه إلى بعض، متصلاً بالأرض التي خرجت منه الإهليلجة في الحالات كلها، أتقر بخالق ذلك؟

🔍قال(الطبيب الهندي): إذاً لا أشك في الوحدانية.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فافهم وافقه ما أصف لك، ألست تعلم أن الأرض متصلة بإهليلجتك، وإهليلجتك متصلة بالتراب، والتراب متصل بالحر والبرد، والحر والبرد متصلان بالهواء، والهواء متصل بالريح، والريح متصلة بالسحاب، والسحاب متصل بالمطر، والمطر متصل بالأزمنة، والأزمنة متصلة بالشمس والقمر، والشمس والقمر متصلتان بدوران الفلك، والفلك متصل بما بين السماء والأرض، صنعة ظاهرة، وحكمة بالغة، وتأليف متقن، وتدبير محكم، متصل كل هذا ما بين السماء والأرض، لا يقوم بعضه إلا ببعض، ولا يتأخر واحدُ منهما عن وقته، ولو تأخر عن وقته لهلك من جميع من في الأرض من الأنام والنباتات.

🔰[اتصال الكون بالناس وتسخير الله ما في الكون لهم]

🔍قال(الطبيب الهندي): إن هذه لهي العلامات البينات، والدلالات الواضحات، التي يجري معها أثر التدبير بإتقان الخلق والتأليف مع إتقان الصنع، لكني لست أدري لعل ما تركت غير متصل بما ذكرت.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): وما تركت؟

🔍قال(الطبيب الهندي): الناس.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ألست تعلم أن هذا كله متصل بالناس سخره لهم المدبر الذي أعلمتك أنه إن تأخر شيء مما عددت عليك هلكت الخليقة وباد جميع ما في الحديقة، وذهبت الإهليلجة التي تزعم أن فيها منافع الناس.

🔍قال(الطبيب الهندي): فهل تقدر أن تفسر لي هذا الباب على ما لخصت لي غيره؟)

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): نعم، أيبين لك ذلك من قبل إهليلجتك حتى تشهد أن ذلك كله مسخر لبني آدم؟

🔍قال(الطبيب الهندي): وكيف ذلك؟)

🔰الله الذي أتقن كل شيء خلقه

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): خلق الله السماء سقفاً مرفوعاً، ولولا ذلك اغتم خلقه لقربها، وأحرقتهم الشمس لدنوها، وخلق لهم شهباً ونجوماً يهتدى بها في ظلمات البر والبحر لمنافع الناس، ونجوماً يعرف بها أصل الحساب فيها الدلالات على إبطال الحواس، ووجود معلمها الذي علمها عباده مما لا يدرك علمها بالعقول فضلاً عن الحواس، ولا تقع عليها الأوهام، ولا تبلغها العقول؛ لأنه العزيز الجبار الذي دبرها وجعل فيها سرجاً وقمراً منيرا يسبحان في فلك يدور بهما دائبين يطلعهما تارة ويأفلهما أخرى، فبنى عليه الأيام والشهور والسنين التي هي من سبب الشتاء والصيف والربيع والخريف، أزمنة مختلفة الأعمال أصلها اختلاف الليل والنهار اللذين لو كان واحد منهما سرمداً على العباد لما قامت لهم معايش أبداً، فجعل مدبر هذه الأشياء وخالقها النهار مبصراً والليل سكناً، وأهبط فيهما الحر والبرد متباينين لو دام واحد منهما بغير صاحبه ما نبتت شجرة ولا طلعت ثمرة، ولهلكت الخليقة؛ لأن ذلك متصل بالريح المصرفة في الجهات الأربع، باردة تبرد أنفاسهم وحارة تلقح أجسادهم، وتدفع الأذى عن أبدانهم ومعايشهم، ورطوبة ترطب طبائعهم، ويبوسة تنشف رطوباتهم، وبها يأتلف المفترق وبها يتفرق الغمام المطبق حتى ينبسط في السماء كيف يشاء
مدبره، فيجعله كسفاً فترى الودق يخرج من خلاله بقدرٍ معلوم لمعاش مفهوم، وأرزاق مقسومة، وآجال مكتوبة، ولو احتبس عن أزمته ووقته هلكت الخليقة ويبست الحديقة، فأنزل الله المطر في أيامه ووقته إلى الأرض التي خلقها لبني آدم وجعلها فرشاً ومهادا، وحبسها أن تزول بهم، وجعل الجبال لها أوتاداً، وجعل فيها ينابيع تجري في الأرض بما تنبت فيها لا تقوم الحديقة والخليقة إلا بها، ولا يصلحون إلا عليها، مع البحار التي يركبونها ويستخرجون منها حلية يلبسونها، ولحماً طرياً وغيره يأكلونه، فاعلم أن إله البر والبحر والسماء والأرض وما بينهما واحدٌ حي قيوم، مدبر حكيم، وأنه لو كان غيره لاختلفت الأشياء، وكذلك السماء نظير الأرض التي أخرج الله منها حباً وعنباً، وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً، وفاكهة وأباً، بتدبير مؤلف مبين، بتصوير الزهرة والثمرة حياة لبني آدم، ومعاشاً تقوم به أجسادهم، وتعيش بها أنعامهم التي جعل الله في أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين، والإنتفاع بها والبلاغ على ظهورها معاشاً لهم لا يحيون إلا به، وصلاحاً لا يقومون إلا عليه، وكذلك ما جهلت من الأشياء فلا تجهل أن جميع ما في الأرض شيئان: شيئٌ يولد وشيء ينبت، أحدهما آكل والآخر مأكول، ومما يدلك عقلك أنه خالقهم ما ترى من خلق الإنسان وتهيئة جسده لشهوة الطعام والمعدة لتطحن المأكول، ومجاري العروق لصفوة الطعام وهيأ لها الأمعاء، ولو كان خالق المأكول غيره لما خلق الأجساد مشتهية للمأكول وليس له قدرة عليه.
إيمان ولكن من خلق السمائم ولماذا؟

🔍قال(الطبيب الهندي): لقد وصفت صفة أعلم أنها من مدبر حكيم لطيف قدير عليم، قد آمنت وصدقت أن الخالق واحدٌ سبحانه وبحمده، غير أني أشك في هذه السمائم القاتلة أن يكون هو الذي خلقها؛ لأنها ضارة غير نافعة.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أليس قد صار عندك أنها من غير خلق الله؟

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم، لأن الخلق عبيده، ولم يكن ليخلق ما يضرهم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): سأبصرك من هذا شيئاً تعرفه، ولا أنبئك إلا من قِبل إهليلجتك هذه، وعلمك بالطب.

🔍قال(الطبيب الهندي): هات.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): هل تعرف شيئاً من النبت ليس فيه مضرة للخلق؟

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ما هو؟

🔍قال(الطبيب الهندي): هذه الأطعمة.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أليس هذا الطعام الذي وصفت يغير ألوانهم ويهيج أوجاعهم حتى يكون منها الجذام والبرص والسلال والماء الأصفر،
وغير ذلك من الأوجاع.

🔍قال(الطبيب الهندي): هو كذلك.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أما هذا الباب فقد انكسر عليك.

🔍قال(الطبيب الهندي): أجل.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): هل تعرف شيئاً من النبت ليس فيه منفعة؟

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): أليس يدخل في الأدوية التي يدفع بها الأوجاع من الجذام والبرص والسلال وغير ذلك، ويدفع الداء ويذهب السقم مما أنت أعلم به لطول معالجتك؟

🔍قال(الطبيب الهندي): إنه كذلك.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): فأخبرني أي الأدوية عندكم أعظم في السمائم القاتلة، أليس الترياق؟

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم، هو رأسها وأول ما يفرغ إليه عند نهش الحيات ولسع الهوام وشرب السمائم.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): ألست تعلم أنه لابد للأدوية المرتفعة والأدوية المحرقة في أخلاط الترياق إلا أن تطبخ
بالأفاعي القاتلة؟

🔰ظهر نور الله وحل في القلب الإيمان

🔍قال(الطبيب الهندي): نعم، هو كذلك ولا يكون الترياق المنتفع به الدافع للسمائم القاتلة إلا بذلك، ولقد انكسر عليَّ هذا الباب، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنه خالق السمائم القاتلة، والهوام العادية، وجميع النبت والأشجار، وغارسها ومنبتها، وبارئ الأجساد وسائق الرياح، ومسخر السحاب، وأنه خالق الأدواء التي تهيج بالإنسان كالسمائم القاتلة التي تجري في أعضائه وعظامه، ومستقر الأدواء وما يصلحها من الدواء العارف بالروح، ومجري الدم وأقسامه في العروق، واتصاله بالعصب والأعضاء، والعصب والجسد، وأنه عارف بما يصلحه من الحر والبرد، عالم بكل عضو بما فيه، وأنه هو الذي وضع هذه النجوم وحسابها، والعالم بها، والدال على نحوسها وسعودها، وما يكون من المواليد، وأن التدبير واحدٌ لم يختلف متصلٌ فيما بين السماء والأرض وما فيها، فبين لي كيف

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): هو الأول والآخر، وهو اللطيف الخبير، وأشباه ذلك؟

🔰[من أسماء الله الحسنى وصفاته ونفي الأشباه عنه تعالى]

قلتُ: هو الأول بلا كيف، وهو الآخر بلا نهاية، ليس له مثل، خلق الخلق والأشياء لا من شيء ولا كيف بلا علاج ولا معاناة ولا فكر ولا كيف، كما أنه لا كيف له وإنما الكيف بكيفية المخلوق؛ لأنه الأول لا بدء له ولا شبه ولا مثل ولا ضد ولا ند، لا يدرك ببصر، ولا يحس بلمس، ولا يعرف إلا بخلقه تبارك وتعالى.

🔍قال(الطبيب الهندي): فصف لي قوته؟)

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إنما سمي ربنا جل جلاله قوياً للخلق العظيم القوي، الذي خلق مثل الأرض وما عليها من جبالها وبحارها ورمالها وأشجارها وما عليها من الخلق المتحرك من الإنس ومن الحيوان، وتصريف الرياح والسحاب المسخر المثقل بالماء الكثير، والشمس والقمر وعظمهما، وعظم نورهما الذي لا تدركه الأبصار بلوغاً ولا منتهى، والنجوم الجارية، ودوران الفلك، وغلظ السماء، وعظم الخلق العظيم، والسماء المسقَّفة فوقنا، راكدة في الهواء، وما دونها من الأرض المبسوطة، وما عليها من الخلق الثقيل، وهي راكدة لا تتحرك، غير أنه ربما حرك فيها ناحية، والناحية الأخرى ثابتة، وربما خسف منها ناحية
والناحية الأخرى قائمة، يرينا قدرته ويدلنا بفعله على معرفته، فلهذا سمي قوياً، لا لقوة البطش المعروفة من الخلق، ولو كانت قوته تشبه قوة الخلق لوقع عليه التشبيه، وكان محتملاً للزيادة، وما احتمل الزيادة كان ناقصاً، وما كان ناقصاً لم يكن تاماً، وما لم يكن تاماً كان عاجزاً ضعيفاً، والله عز وجل لا يُشَبِّهُ بشيء، وإنما قلنا إنه قوي للخلق القوي وكذلك قولنا العظيم والكبير، ولا يشبه بهذه الأسماء الله تبارك وتعالى.

🔍قال(الطبيب الهندي): أفرأيت قوله: سميع بصير عالم؟)

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إنما يسمى تبارك وتعالى بهذه الأسماء لأنه لا يخفى عليه شيء مما لا تدركه الأبصار من شخص صغير أو كبير أو دقيق أو جليل، ولا نصفه بصيراً بلحظ عين كالمخلوق، وإنما سمي سميعاً لأنه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا، يسمع النجوى، ودبيب النمل على الصفا وخفقان الطير في الهواء لا تخفى عليه خافية، ولا شيء مما أدركته الأسماع والأبصار، وما لا تدركه الأسماع والأبصار، ما جل من ذلك وما دق، وما صغر وما
كبر، ولم نقل سميعاً بصيراً كالسمع المعقول من الخلق، وكذلك إنما سمي عليماً لأنه لا يجهل شيئاً من الأشياء، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، علم ما يكون وما لا يكون، وما لو كان كيف يكون، ولم نصف عليماً بمعنى غريزة يعلم بها، كما أن للخلق غريزة يعلمون بها، فهذا ما أراد من قوله عليم، فعز من جَلَّ عن الصفات، ومن نزّه نفسه عن أفعال خلقه، فهذا هو المعنى، ولولا ذلك ما فصل بينه وبين خلقه فسبحانه وتقدست أسماؤه.

🔍قال(الطبيب الهندي): إن هذا لكما تقول، ولقد علمت إنما غرضي أن أسأل عن رد الجواب فيه عند مصرف يسنح عني، فأخبرني لعلي أحكمه فتكون الحجة قد انشرحت للمتعنت المخالف، أو السائل المرتاب، أو الطالب المرتاد، مع ما فيه لأهل الموافقة من الإزدياد، فأخبرني عن قوله: لطيف، وقد عرفت أنه للفعل، ولكن قد رجوت أن تشرح لي ذلك بوصفك.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إنما سميناه لطيفاً للخلق اللطيف، ولعلمه بالشيء اللطيف مما خلق من البعوض والذرة، ومما هو أصغر منهما لا يكاد تدركه الأبصار والعقول لصغر خلقه من عينه وسمعه وصورته، لا يعرف من
ذلك لصغره الذكر من الأنثى، ولا الحديث المولود من القديم الوالد فلما رأينا لطف ذلك في صغره وموضع العقل فيه والشهوة للسفاد والهرب من الموت، والحدب على نسله من ولده، ومعرفة بعضها بعضاً، وما كان منها في لجج البحار، وأعنان السماء، والمفاوز والقفار، وما هو معنا في منزلنا، ويفهم بعضهم بعضاً من منطقهم، وما يفهم من أولادها، ونقلها الطعام إليها والماء، علمنا أن خالقها لطيف وأنه لطيف بخلق اللطيف كما سميناه قوياً بخلق القوي.

🔰[كيف جاز للخلق أن يتسموا بأسماء الله تعالى]

🔍قال(الطبيب الهندي): إن الذي جئت به لواضح، فكيف جاز للخلق أن يتسموا بأسماء الله تعالى؟)

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه أباح للناس الأسماء، ووهبها لهم، وقد قال القائل من الناس للواحد واحد، و يقول لله واحد، ويقول قوي والله تعالى قوي، ويقول: صانع، والله صانع، ويقول: رازق والله رازق، ويقول: سميع بصير، والله سميع بصير، وما أشبه ذلك، فمن قال للإنسان واحد فهذا له اسم وله شبيه، والله واحد وهو له اسم ولا شيء له شبيه، وليس المعنى واحداً، وأما الأسماء فهي دلالتنا على المسمى؛ لأنا قد نرى الإنسان واحداً وإنما نخبر واحداً إذا كان مفرداً، فعلم أن الإنسان في نفسه ليس بواحدٍ في المعنى؛ لأن أعضاؤه مختلفة، وأجزاؤه ليست سواء، ولحمه غير دمه، وعظمه غير عصبه، وشعره غير ظفره، وسواده غير بياضه، وكذلك سائر الخلق والإنسان واحد في الاسم وليس بواحدٍ في الاسم والمعنى والخلق، فإذا قيل لله فهو الواحد الذي لا واحد غيره؛ لأنه لا اختلاف فيه، وهو تبارك وتعالى سميع وبصير وقوي وعزيز، وحكيم وعليم، فتعالى الله أحسن الخالقين.

🔰[معنى الرحمة والغضب والإرادة في حق الله وحقنا]

🔍قال(الطبيب الهندي): فأخبرني عن قوله: رؤوف رحيم وعن رضاه ومحبته، وغضبه، و سخطه؟)

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إن الرحمة وما يحدث لنا منها شفقة ومنها جود، وإن رحمة الله ثوابه لخلقه، والرحمة من العباد شيئان:
أحدهما: يحدث في القلب الرأفة والرقة لما يرى بالمرحوم من الضر والحاجة، وضروب البلاء.
والآخر: ما يحدث منا من بعد الرأفة واللطف على المرحوم، والرحمة منا ما نزل به، وقد يقول القائل: انظر إلى رحمة فلان، وإنما يريد الفعل الذي حدث عن الرقة التي في قلب فلان، وإنما يضاف إلى الله عز وجل من فعل ما حدث عنا من هذه الأشياء.
وأما المعنى الذي هو في القلب فهو منفي عن الله كما وصف عن نفسه، فهو رحيم لا رحمة رقة، وأما الغضب فهو منا إذا غضبنا تغيرت طبائعنا وترتعد أحياناً مفاصلنا وحالت ألواننا، ثم نجيء من بعد ذلك بالعقوبات فسمي غضباً، فهذا كلام الناس المعروف، والغضب شيئان: أحدهما في القلب، وأما المعنى الذي هو في القلب فهو منفي عن الله
جل جلاله، وكذلك رضاه وسخطه ورحمته على هذه الصفة جلَّ وعزَّ لا شبيه له ولا مثل في شيء من الأشياء.

🔍قال(الطبيب الهندي): فأخبرني عن إرادته.

✨قال(الامام جعفـــر الصادق): إن الإرادة من العباد الضمير، وما يبدو بعد ذلك من الفعل، وأما من الله عز وجل فالإرادة للفعل إحداثه، إنما يقول له كن فيكون، بلا تعب ولا كيف.

🔍قال(الطبيب الهندي): قد بلغت حسبك، فهذه كافية لمن عقل.
والحمد لله رب العالمين، الذي هدانا من الضلال، وعصمنا من أن نشبهه بشيء من خلقه، وأن نشك في عظمته وقدرته، ولطيف صنعه وجبروته، جل عن الأشباه والأضداد، وتكبر عن الشركاء والأنداد.

💬 حوارات أخرى