نسبه عليه السلام
هو: أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.أحساب وافرة ووجوه ناضرة، وآباء أخيار أفاضل أبرار، يستشفى بيمن بركتهم من عوارض الأسقام، ويستدفع بهم طوارق الليالي والأيام، ولم لا!! وقد قال صلى الله عليه وآله: ((عند ذكر الصالحين تنزل البركة)) فإذا كان هذا في الصالحين عموماً فكيف بسفن النجاة، وماء الحياة من عترة النبي الأواه، ولله القائل:
وأمه عليه الســـلام: حبيب أم ولد مجلوبة من خراسان، ولد بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
صفته عليه الســـلام:
قال السيد أبو طالب عليه الســـلام: كان عليه الســـلام طويل القامة، يضرب إلى الأدمة، به طرش من ضربة أصابت أذنه بحادثة اتفقت عليه بنيسابور أو بناحية جرجان فقد اختلفت الرواية، فقيل: إنه خرج إلى نيسابور في أيام المعروف بمحمد بن عبد الله السجستاني طامعاً في أن يتمكن بها من الدعاء إلى نفسه، فتوفر عليه السجستاني وأكرمه. وشرع في الدعوة سراً، وأجابه مع كثير من قواده وغيرهم.وذكر بعض من صنف أخباره أن ذلك في ناحية جرجان لما وردها السجستاني وانحاز عنها الحسن بن زيد، أحوج عليه الســـلام إلى الإقامة هناك، فسعى به بعض من كان وقف على أمره، فأخذه واعتقله وضربه بالسياط ضرباً عظيماً، ووقع سوط في أذنيه؛ فأصابه منه طرش، واستقصى عليه في أن يعترف بما كان منه، ويعرفه أسامي أصحابه فثبت على الإنكار، ثم أفرج عنه.
وقيل: إن محمد بن زيد كاتبه في معناه، والتمس منه تخلية سبيله فعاد إلى جرجان.
وقيل: إنه تخلص بخروج السجستاني من جرجان وهذا قول من ذكر أن النكبة اتفقت عليه بناحية جرجان، وكان السجستاني حين ضربه حبسه في بيت الشراب، وفيه زقاق فيها خمر؛ لأنه علم أنه يشتد عليه مقاربة موضع فيه خمر، وكان الناصر عليه الســـلام يقول: قويت برائحة تلك الخمور، فقيل له: أيها الإمام؛ لو أكرهت على شربها ما الذي كنت تصنع؟ فقال: كنت أنتفع بذلك ويكون الوزر على المكره! وهذا من مليح نوادره ومزاحه الذي لا يجاوز الحق.
ذكر طرف من مناقبه وأحواله عليه الســـلام:
كان عليه الســـلام جامعاً لخصال الكمال، فائزاً بمحاسن الخلال، قد تسنم ذروة الشرف العلية، وخيم في عوالي رتب المجد السنية، وفيه ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه وآله رواه بعض علمائنا رحمهم الله تعالى أنه صلى الله عليه وآله لما سأله أنس عن علامات الساعة؟ قال: ((من علاماتها خروج الشيخ الأصم من ولد أخي مع قوم شعورهم كشعور النساء بأيديهم المزاريق)) وهذه كانت صفته عليه الســـلام وصفة أصحابه.وفيه ورد عن أمير المؤمنين عليه الســـلام في خطبته أنه قال: يخرج من نحو الديلم من جبال طبرستان فتى صبيح الوجه يسمى باسم فرخ النبي صلى الله عليه وآله الأكبر، يعني الحسن بن علي ’.
وفي الخبر لما أغرق الله تعالى الأرض لم يصب جبال الديلم الغرق، فسألت الملآئكة عليهم السلام ربها عن ذلك؟ فقال: (إنه يخرج فيها رجل من ولد النبي الأمي).
وكان عليه الســـلام قد نشأ على طريقة سلفه الأكرمين سلام الله عليهم أجمعين، جامعاً بين العلم والعمل، وبرز في فنون العلم حتى كان في كل واحد منها سابقاً لا يجارى، وفاضلاً لا يبارى.
قال السيد أبو طالب عليه الســـلام: وكان له عليه الســـلام مجلس للنظر، ومجلس لإملاء الحديث، وكان يركب إلى طرف البلد، ويضرب بالصولجان للرياضة، فإذا ركب اجتمع فقهاء البلد وأهل العلم كلهم إلى المصلى وجلسوا فيه، فإذا فرغ من ذلك عدل إليهم عليه الســـلام وجلس وأملى الحديث، وكان يحضر جنائز الأشراف وكبار الفقهاء بنفسه.
وحكي أنه عليه الســـلام حضر لمعزى بعض الأشراف، فلما سمع البكاء من داره قال: هذا الميت الذي يبكى عليه مات حتف أنفه على فراشه وبين أهله وعشيرته، وإنما الأسف على أولئك النفوس الطاهرة التي قتلت تحت أديم السماء، وفرق بين الأجساد والرؤوس وعلى الذين قتلوا في الحبوس، وفي القيود والكبول. وخطب في هذا المعنى خطبة حسنة، وقال: آهـ آهـ في النفس حزازات لم يشفها قتلى بورود.. يعني: الخراسانية الذين قتلوا في ذلك المكان حين هزمهم.
وكان القاضي أبو عبد الله الوليدي يلزم مجلسه ويعلق جميع ما يسمعه، مما يتصل بالعلم والأدب ويتعلق بضرب من الفائدة فجمع كتاباً سماه ألفاظ الناصر.
وله عليه الســـلام تصانيف مفيدة في أنواع العلم، منها: كتاب البساط، وكتاب في التفسير احتج فيه بألف بيت من الشعر، وله كتاب الحجج الواضحة بالدلائل الراجحة في الإمامة على طريقة الزيدية، وفيه دلائل حسنة على إمامة أمير المؤمنين، وله كتاب الأمالي في الأخبار ضمنه من فضائل العتــــرة عليهم السلام كثيراً، وعدة كتبه أربعة عشر كتاباً وكل ذلك معروف مشهور.
وله عليه الســـلام فقه واسع، وفي فقهه كتاب الحاصر لفقه الناصر للسيد المؤيد بالله قدس الله روحه، وكتاب الناظم للسيد أبي طالب عليه الســـلام، وكتاب الموجز للشيخ أبي القاسم البستي رحمه الله، وكتاب الإبانة في فقهه مشروح بأربعة كتب مجلدة كبار للشيخ العالم أبي جعفر محمد بن يعقوب الهوسمي رضي الله عنـــه، وجميع أهل الجيل من الزيدية كلهم على مذهبه عليه الســـلام في الفروع.
وكان عليه الســـلام جامعاً لفنون العلم من أصول الدين وفروعه ومعقوله ومسموعه، رواية للآثار، عارفاً بالأخبار، ضارباً في علم الأدب بأقوى سبب.
وكان عليه الســـلام قد قرأ من كتب الله عز وجل ستة عشر كتاباً، منها: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وباقيها من الصحف.
وكان عليه الســـلام يقول: حفظت من كتب الله عز وجل ثلاثة عشر كتاباً، فما انتفعت منها كانتفاعي بكتابين، أحدهما: الفرقان لما فيه من التسلية لنبيئنا محمد صلى الله عليه وآله بما كابده السلف الصالحون من الأنبياء المتقدمين والرسل الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، والثاني: كتاب دانيال النبي عليه الســـلام؛ لما فيه أن الشيخ الأصم يخرج في بلد يقال لها: ديلمان، ويكابد من أصحابه وأعدائه جميعاً ما لا يقادر قدره ولكن عاقبته محمودة. وهذا يشهد بشرفه عليه الســـلام العظيم وفضله الجسيم، حيث ذكره الله تعالى في كتاب دانيال صلى الله عليه وعلى سائر أنبيائه، ويحق له عليه الســـلام أن يكون كذلك، فإنه انتشر على يديه من الإسلام في تلك الجهات ما شهرته تغني عن ذكره، وقد قيل: إن الذي أسلم على يديه مائتا ألف، وقيل: ألف ألف نسمة.
وروى الشيخ أبو القاسم البستي: أنه أسلم على يديه في يوم واحد أربعة عشر ألف نسمة، وقد قال صلى الله عليه وآله: ((من أسلم على يديه رجل وجبت له الجنة))، وقال صلى الله عليه وآله لعلي عليه الســـلام: ((يا علي؛ لئن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس))، فاستقر الإسلام ببركته في تلك الديار، وطمست رسوم الكفر والضلال، وكان أكثر تلك النواحي لا يعرف فيها اسم الله، بل هي باقية على الشرك والجاهلية المجوسية. وأتاها عليه الســـلام وملكها جستان متزوج بجدته فرحض الله ببركته تلك الأدران، ولبست تلك الأراضي ثياب الإيمان، وصارت مستقرّاً للحق ومأوى للأئمة السابقين عليهم السلام، وكان ذلك بحميد سعيه وحسن دعائه عليه الســـلام فقد كان في نهاية الرفق واللين، حتى عظم تأثيره في الدعاء إلى الله تعالى، وقد شهد لذلك ما رويناه عنه عليه الســـلام أنه قال في بعض مقاماته وقد دخل آمل وازدحم عليه طبقات الرعية في مجلسه، فقال: أيها الناس؛ إني دخلت بلاد الديلم وهم مشركون يعبدون الشجر والحجر ولا يعرفون خالقاً، ولا يدينون ديناً، فلم أزل أدعوهم إلى الإسلام وأتلطف في العطف بهم حتى دخلوا فيه أرسالاً، وأقبلوا إلي إقبالاً، وظهر لهم الحق وعرفوا التوحيد والعدل، فهدى الله بي منهم زهاء مائتي ألف رجل وامرأة، فهم الآن يتكلمون في التوحيد والعدل مستبصرين، ويناظرون عليهما مجتهدين، ويدعون إليهما محتسبين، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون حدود الصلوات المكتوبات والفرائض المفروضات، وفيهم من لو وجد ألف دينار ملقى على الطريق لم يأخذ ذلك لنفسه، وينصبه على رأس مزراقه ينشده ويعرفه، ثم قاموا بنصرتي وناصبوا آباءهم وأبناءهم وأكابرهم للحرب في هواي واتباع أمري في نصرة الحق وأهله، لا يولي أحد منهم من عدوه ولا يعرف غير الإقدام، فلو لقيت منهم ألف جريح لم تر مجروحاً في قفاه وظهره، وإنما جراحاتهم في وجوههم وأقدامهم، يرون الفرار من الزحف إذا كانوا معي كفراً، والقتل شهادة وغنماً.
ثم قال عليه الســـلام في آخر خطبته: وأنتم أيضاً معاشر الرعية، فليس عليكم دوني حجاب، ولا على بابي بواب، ولا على رأسي خلق من الزبانية، ولا أحد من أعوان الظلمة، كبيركم أخي وشابكم ولدي، لا آنس إلا بأهل العلم منكم، ولا أستريح إلا إلى مفاوضتكم، فسلوني عن أمر دينكم وما يعنيكم من العلم وتفسير القرآن، فإنا نحن تراجمته وأولى الخلق به، وهو الذي قرن بنا وقرنا به، فقال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله: ((إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) والله ولي توفيقكم لرشدكم، وحسبي الله وحده وعليه توكلت وإليه أنيب.
ومن كلامه عليه الســـلام وقد كتب إلى بعضهم: ولقد بلغك - أعزك الله ما أدعو وأهدي إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إحياء لما أميت من كتاب الله تعالى، ودفن من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله، بعد أن محضت آي التنزيل عارفاً بها، منها تفصيل وتوصيل، ومحكم ومتشابه، ووعد ووعيد، وقصص وأمثال، آخذا باللغة العربية التي بمعرفتها يكون الكمال، مستنبطاً للسنة من معادنها، مستخرجاً للمتكمنات من مكامنها، منيراً لما ادلهم من ظلمها، معلنا لما كتم من مستورها.
وكان عليه الســـلام في أرفع منزلة من منازل الحلم، فروى مصنف كتاب المسفر: أنه نادى غلاماً له يسمى: حسينا ثلاث مرات فلم يجبه، فلما أطال عليه، قال مجيبا: مزة، أي لا تعش، فقال عليه الســـلام: مسكين أضجرناه. ونظير ذلك ما روي عن علي بن الحسين عليه الســـلام أنه دعا غلاماً مراراً فلم يجبه، فلما خرج وجده قاعداً على الباب، فقال: ما منعك أن تجيبني فقال: أمنتك، قال: فخر ساجداً لله يحمد الله تعالى ويشكره، وقال: الحمد لله الذي أمن عباده من شري. ثم قال: اذهب فأنت حر لوجه الله.
وكان عليه الســـلام خشنا زاهداً ورعاً عابداً مقبلاً بالليل والنهار على طاعة الله وعبادته، وكان ذلك دأبه عليه الســـلام حتى توفاه الله إلى رضوانه وشريف جنانه.
ومن شعره عليه الســـلام قوله:
وروي أنه عليه الســـلام قال: ليس لي شبر أرض ولا يكون إن شاء الله، ومهما رأيتموني أقتني ذلك، فاعلموا أني قد خنتكم فيما دعوتكم إليه.
وروي عنه عليه الســـلام أن بعض عماله ممن رضيه من عمال آل طاهر حمل إليه ذكر أقاليم الأموال المستخرجة من كل واد، فامتنع من أخذها وأمر بإخراجها من البيت، فقال له الرافع: كان آل طاهر عدولاً، والناس بذلك راضون فما عليك في أخذها؟ ومبلغها في غير هذه الرواية ستمائة ألف درهم، فقال: أنا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله لا ابن طاهر.
ومن كلامه عليه الســـلام: أيها الناس اتقوا الله، وكونوا قوامين بالقسط كما أمركم الله، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وجاهدوا - رحمكم الله - في الله حق جهاده، وعادوا الآباء والأبناء والإخوان في الله، فإن هذه الدار دار قلعة، ودار بلغة، ونحن سفر والدار التي خلقنا لها أمامنا، وكأن قد بلغنا إليها ووردناها، فتزودوا من العمل الصالح فإن طريق الجنة خشن، وبالاجتهاد يبلغ إليها، إني لا أغر نفسي ولا أخدعها بالأماني، ولا أطمع أن أنال الجنة بغير عمل، ولا أشك في أن من أساء وظلم منا ضوعف له العذاب، وإنا ولد الرجل الذي دل على الهدى، وأشار إلى أبواب الخير، وشرع هذه الشرائع، وسن هذه السنن والأحكام، فنحن أولى الخلق باتباعه واقتفاء أثره واحتذاء أمثاله والاقتداء به.
وقال عليه الســـلام:
وكان عليه الســـلام في الشجاعة وثبات القلب، بحيث لا تهوله الجنود، ولا يروعه العسكر المحشود، يخوض الغمرات ويصرع الكماة ويحطم الوشيج، ويثلم الصفائح، وكم له من مقام هائل فاز فيه بالشرف الطائل، وكان يرد بين الصفين متقلداً مصحفه وسيفه ويقول: قال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله: ((إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي))، ثم يقول: فهذا كتاب الله، وأنا عترة رسول الله صلى الله عليه وآله، فمن أجاب إلى هذا، وإلا فهذا.
ومن شعره عليه الســـلام:
وقال عليه الســـلام:وقال عليه الســـلام متوجعاً لمصائب العتــــرة عليهم السلام:
وكان عليه الســـلام معظماً قبل قيامه عند عيون العتــــرة عليهم السلام وأفاضل العلماء رضي الله عنهم لما يعرفونه من سعة علمه وغزارة فهمه، فقد كانت عيون العلماء من أهل كل فن يفضله كل واحد منهم في فنه.
قال السيد أبو طالب عليه الســـلام: ورد طبرستان أيام الداعي الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وبقي عنده إلى أن توفي، وولي أخوه محمد بن زيد رضي الله عنهما، وأقام معه، وكانا معظمين له عارفين بفضله وعلمه، ولم يكن يتلبس لهما بعمل ولا يلي من جهتهما شيئاً، وربما كانا يفوضان إليه تفرقة مال العلوية فيهم فيفعل ذلك.
قال عليه الســـلام: وكان محمد بن زيد يتهمه بأنه منطو على طلب الأمر والدعاء إلى نفسه، مستشعراً للفزع منه لمعرفته بفضله وعلمه، إلا أنه لا يعدل به عن طريقة الإكرام والاحتشام.
وروينا عن الشيخ أبي القاسم البلخي قال: كنا في مجلس الداعي محمد بن زيد بجرجان، وأبو مسلم بن بحر حاضر، وكنا جميعاً ممن يذب عن الناصر الحسن بن علي في تكذيب من ينسب إليه طلبه الأمر، فدخل والتفت إلى أبي مسلم وقال يا أبا مسلم من القائل:
قال: فعلم أبو مسلم أنه قد أخطأ في إنشاد ذلك؛ لأنه يستدل به على أنه معتقد للخروج، وإظهار الدعوة، فأطرق كالخجل، وعلمت أنا مثل ما علمه فأطرقت، ففطن الناصر لخطأه فخجل وأطرق ساعة وانصرف.
فلما انصرف التفت الداعي محمد بن زيد إلى أبي مسلم، فقال: يا أبا مسلم، ما الذي أنشده أبو محمد؟ فقال: أنشد أطال الله بقاء الداعي:
فقال الداعي محمد بن زيد: أو غير ذلك، إنه يتنسم رائحة الخلافة من جبينه.
وكانت مناقبه عليه الســـلام الشاهدة بفضله جمة كثيرة. من ذلك ما أخبرني من أثق به من الإخوان كثرهم الله عز وعلا وهو الفقيه الفاضل حمزة بن محمود الجيلاني أيده الله يرويه عن الفقيه نظام الدين أبي الفضل بن فيروز شاه الجيلي رضي الله عنـــه: أنه عليه الســـلام قصد ذات يوم من الأيام إلى بعض المساجد، وكان منفرداً من الأصحاب، ولم يكن معه شيء من السلاح، فرآه بعض أعدائه فطمع فيه، فعمده فلم يجد عليه الســـلام شيئا يدافع به عن نفسه، فعمد إلى صخرة صماء فسخرها الله له فقبض منها شيئاً، ورمى به في وجه عدوه وبقيت آثار يده عليه الســـلام وأصابعه يزار ذلك ويتبرك به.
وأخبرني أنه شاهد ذلك، وقد قصده في صحبة من ذكره من العلماء رضي الله عنـــه.
وأخبرني من أثق به أيضاً وهو الفقيه الفاضل الحسن بن علي بن الحسن الديلمي البخاري رحمه الله، أن رجلاً كان يحترب في الطرقات، وكان معه كلب قد عوده أنه إذا شاهد من يطمع فيه أرسله فيعمد الكلب إلى موضع العورة من الرجل، ثم يأتي صاحبه وقد كفاه المؤنة فيأخذ ماله، فأقبل الناصر عليه الســـلام ذات يوم منفرداً، وقعد على غيضه يأكل شيئا من الطعام، فأرسل الرجل كلبه عليه - على جاري العادة فلما وصل الناصر عليه الســـلام قعد بالقرب منه ولم يتعرض له، ورمى له بشيء من الطعام، وأقبل الرجل فدعا الناصر عليه الســـلام الله عز وجل أن يسلط عليه الكلب، فسلط عليه فقتله بما جرت العادة بأن يقتل به الناس، وانصرف الكلب مع الناصر عليه الســـلام وأقام مدة.
وكان ربما يحضر في شيء من الحروب فيؤثر في أعدائه، حتى كان في بعض الأيام، وعمل رجل مأدبة للناصر عليه الســـلام، فتقدم والكلب خلفه، فلما استقر الطعام بين يدي الناصر عليه الســـلام نبح الكلب نباحاً عظيماً بخلاف العادة وهم بالطلوع فمنعوه من ذلك، وكانوا قد طلعوا إلى الموضع بسلم، فأمرهم الناصر عليه الســـلام بأن يخلوا بين الكلب وبين الطلوع، فطلع ووقف بين يدي الناصر عليه الســـلام وأكل شيئا من الطعام قبل أكل الناصر عليه الســـلام فمات من حينه، وكان الطعام مسموماً فسلم الناصر عليه الســـلام وأصحابه.
وأخبرني رحمه الله أيضا: أن الناصر عليه الســـلام وقف ذات يوم بالقرب من ماء وفيه ضفادع كثيرة وحيات، فخرجت منها ضفدع فقصدتها حية، فدخلت الضفدع خلف الناصر عليه الســـلام كالمستجيرة به، فدعا الله عز وجل أن يسلط الضفدع على الحية، فاستجاب دعاءه، وعادت الضفدع على الحية فقتلتها.
وحكى لي هذه الحكاية الفقيه الفاضل حمزة بن محمود الجيلاني أيده الله، وقال: وأظن أيضاً أن الفقيه الحسن رحمه الله قال لي: إن ذلك مستمر إلى الآن في ذلك الموضع أن الضفادع تقتل الحيات. وهذه مناقب شريفة تقضي بأنه عليه الســـلام ذو فضل كثير وحظ وافر عند الله جل وعلا.
أولاده عليه الســـلام:
أبو الحسن علي الأديب الشاعر، أمه: أم علي بنت عمه. وأبو القاسم جعفر، وأبو الحسين أحمد أمهما: نقش، وكانت نقش هذه جارية أهدتها امرأة جستان إلى الناصر للحق رضي الله عنـــه، وأم الحسن وهي فاطمة، وأم محمد، ومباركة، وأم إبراهيم، وميمونة. ذكره السيد أبو طالب عليه الســـلام.ذكر قيامه، ونبذ من سيرته، ومدة ولايته، وموضع حفرته عليه الســـلام
كان عليه الســـلام مع محمد بن زيد إلى أن قتل محمد بن زيد رحمه الله بجرجان، وقد كان حضر معه الوقعة، فانهزم في جملة المنهزمين، وامتد إلى الري على طريق الدامغان وحصل بها في دار محمد بن الحسن بن محمد بن جعفر الحسيني واتصل بجستان ملك الديلم خبره، وكانت بينهما مودة من أيام محمد بن زيد رحمه الله، وكاتبه وسأله الخروج إليه ليبايعه، ووعده بأنه يتوب ويقلع عن المعاصي ولا يخالفه في شيء، فامتنع أولاً، وكاتبه بأنه لا يثق بوعده وليس يأمن أن لا يفي بما يعد به، فجعله على ثقة من ذلك بأيمان بذلها له، فخرج إليه ومعه أولاده: ابنه الأكبر أبو الحسن علي الأديب الشاعر، وأبو القاسم وأبو الحسين، فأكرمه إلا أنه أخلف ما بذل له على لسانه من ترك المعاصي وتقديم أمره في الخروج، وكان يدافعه ويمنيه، وطال مقامه إلى أن تهيأ له الخروج من عنده، فخرج إلى سهل الديلم وعرض الإسلام على من بقي منهم على الكفر، ثم خرج إلى جيلان، وابتدأ يعرض الإسلام على الجيل الذين هم على جانب الديلم من طرف الوادي المعروف (بأسفنذروا) وهم كفار، فأسلموا كلهم على يديه وطهروا، وذلك في سنة سبع وثمانين بعد ظهور الهادي باليمن لسبع سنين، وأقام على هذه الجملة بالجيل والديلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأزال الرسوم الجائرة التي وضعها (آل وهسوذان) على الديلم، واستنقذهم مما كانوا فيه من الضيم في الأنفس والأولاد والأموال، ووقعت له حروب مرة بعد أخرى مع جستان، فكانت الدائرة على جستان، وزال سلطان جستان عن سهل الديلم جملة وانحسم طمعه عنها، وتخلص المسلمون من قبيح ظلمه لهم وحكمه في أهاليهم وأولادهم واسترقاقه لهم ببركة دعوته عليه الســـلام، وقد كان قبل مفارقته له أحوج إلى مساعدته على ورود باب (آمل) لحرب الخراسانية، وقد كان جستان أظهر أن الأمر له وسار تحت رايته فزعاً من الخراسانية وقصدهم إياه، ولم يكن الناصر رضي الله عنـــه يثق بوفائه، ويعلم أنه إن ظهر عاد إلى عادته فلم يتشدد في الحرب، ولم يثبت ثبات مثله. وصارت الغلبة للخراسانية، وانهزم الناصر عليه الســـلام وجستان وعاد الناصر إلى موضعه.
وكان يقيم تارة (بهوسم) فيراعي أمر الجيل، وتارة (بكيلاكجان) فيراعي أمر الديلم، وأحوج جستان آخراً إلى أن بايعه، وحلف له بالأيمان المغلظة أنه لا يخالفه، ووفى بذلك وصار من أتباعه، وامتد مقامه هناك أربع عشرة سنة، واتصل بأحمد بن إسماعيل خبره في قوته وظهوره، واجتماع الجيل والديلم على طاعته، وأنه يريد قصد طبرستان، فوجه إلى آمل عساكر جمة، وكتب إلى محمد بن علي المعروف بصعلوك بورود آمل من الري ومحاربته، فورد وبلغ عدد الجماعة أكثر من ثلاثين ألفاً، وانضم إليهم من أهل آمل وحشومهم وطغامهم عدد كثير وكانوا في كل يوم يركبون في المراكب على طريقة الغزاة، ويستنفرون إلى حربه عليه الســـلام وكثير من قصاصهم يفتون بذلك.
وروينا عن السيد أبي طالب عليه الســـلام من أماليه [١٣٣]، رواه عن المعروف بأبي بكر محمد بن موسى البخاري قال: دخلت على الحسين بن علي الآملي المحدث، وكان في الوقت الذي كان الناصر للحق الحسن بن علي عليه الســـلام في بلاد الديلم بعد، وقد احتشد لفتح آمل وورودها، والحسين بن علي هذا يفتي العوام بأنه يلزمهم قتال الناصر للحق عليه الســـلام، ويستنفرهم لحربه، ومعاونة الخراسانية على قصده، وزعم أنه جهاد ويأمرهم بالتجهيز وعقد المراكب كما تفعل الغزاة.
قال: فوجدته مغتماً، فقلت له: أيها الأستاذ، مالي أراك مغتماً حزيناً؟ فألقى إلي كتاباً ورد عليه وقال: اقرأه، فإذا هو كتاب الناصر للحق عليه الســـلام، وفيه:
يا أبا علي، نحن وإياكم خلف لسلف، ومن سبيل الخلف اتباع السلف والاقتداء بهم، ومن سلفكم الذين تقتدون بهم من الصحابة عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمه وأسامة بن زيد، وهؤلاء لم يقاتلوا معاوية مع علي بن أبي طالب عليه الســـلام مع تفضيلهم عليا عليه الســـلام تأولاً منهم أنهم لا يقاتلون أهل الشهادتين، فأنت يا أبا علي على سبيلك أن تقتدي بهم ولا تخالفهم وتنزلني منزلة معاوية على رأيك، وتنزل عدوي هذا ابن نوح منزلة علي بن أبي طالب، فلا تقاتلني كما لم يقاتل سلفك معاوية، وتخل بيني وبينه كما خلى سلفك بينهما، فتكف عن قتال أهل الشهادتين كما كف سلفك، وتجنب مخالفة أئمتك الذين يقتدى بهم، ولا سيما فيما يتعلق بإراقة الدماء فافهم يا أبا علي ما ذكرت لك فإنه محض الإنصاف.
قال: فقلت له: لقد أنصفك الرجل أيها الأستاذ فلم تكرهه؟ فقال: نكرهه؛ لأنه يحسن أن يورد مثل هذه الحجة، ولأنه لا يرد إلا متقلداً مصحفه وسيفه، ويقول: قال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله: ((إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي))، فهذا هو كتاب الله أكبر الثقلين، وأنا عترة رسول الله صلى الله عليه وآله أحد الثقلين، ثم يفتي ويناظر ولا يحتاج إلى أحد، أما سمعت ما قاله في قصيدة له؟ قال - وأنشد هذا البيت من القصيدة:
رجعنا إلى تمام الرواية المتقدمة عن السيد أبي طالب عليه الســـلام، قال عليه الســـلام: وخرجوا بأجمعهم إلى (شالوس)، وأقبل الناصر عليه الســـلام بعسكره من الجيل والديلم، ولم يكن لهم من آلات الحرب ما كان للخراسانية، والتقوا في موضع بين (وارفوا) و(شالوس) يعرف (بتورود) على ساحل البحر، ووقع القتال هنالك فأوقع رضي الله عنـــه بالخراسانية، ومنحه الله أكتافهم ونصره عليهم، فانهزموا أقبح هزيمة وقتلوا شر قتل، فبلغ عدد المقتولين نحو عشرين ألفاً من بين مقتول بالسلاح وغريق في البحر، كانوا إذا أقبلوا إلى الظهر أخذتهم الرايات، وإذا ولوا واقتحموا البحر غرقوا، وتحصن منهم نحو خمسة آلاف رجل في قلعة شالوس مع أمير لهم يعرف بأبي الوفاء، واستأمنوا منه عليه الســـلام فأمنهم، وكان الظفر يوم الأحد في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثمائة، ورحل بجيشه متوجها إلى آمل، وقد كان استقبله مشائخها وفقهاؤها وأماثلها إلى شالوس وهم على فزع منه لما كانوا أقدموا عليه، واعتذروا إليه من فعل عوامهم فقبل عليه الســـلام عذرهم، وقرب الفقهاء منهم وأدنى مجلسهم وتوفر عليهم، ورحل من هناك إلى آمل، فدخلها سنة إحدى وثلاثمائة.
وكان الداعي الحسن بن القاسم رضي الله عنـــه صاحب جيشه، وكان يقدم في وقت القتال ويعد عنه متتبعاً آثار المنهزمين وجاوز شالوس، ثم عاد ليلحق الناصر رضي الله عنـــه فلما انتهى إلى قلعة شالوس رأى هؤلاء المستأمنين وقد نزلوا من القلعة، فسأل عنهم فقيل: إن الناصر أمنهم، فقال: لم أسمع من الناصر ذلك ولم يصح عندي، وأمر بوضع الرايات فيهم، فقتلوا عن آخرهم. وذكر بعضهم أن القتل كان يدنو من أربعين ألفاً.
وفي الرواية أنه في ذلك اليوم لما اشتد القتال نزل بين الصفين بحيث كانت تصله النبل ودونها، قيل: إنه قيد رمحين، فصلى ركعتين وأخذ من موضع سجوده تراباً ثم ركب فرسه ورمى بالتراب الذي في يده في وجوه أعدائه، (وقال: شاهت الوجوه)، فانهزموا عند ذلك، فأعجب من ثباته ومن كرامته على الله في إجابة دعائه.
ولما دخل الناصر عليه الســـلام آمل امتد إلى الجامع وصعد إلى المنبر، وخطب خطبة بليغة ووعظ الناس فيها، ثم عنف أهل البلد على ما كان منهم من مطابقتهم لأعدائه ومعاونتهم وخروجهم عليه ووبخهم، ثم عرفهم أنه قد عفا عنهم وأضرب عن جنايتهم، وأمن كبيرهم وصغيرهم، ثم نزل دار الإمارة التي كانت لمحمد بن زيد الداعي رحمة الله عليه.
وبايعه فقهاء البلد ومشائخها ومنهم من بايعه بشالوس، وتمكن من طبرستان كلها من شالوس إلى سارية وأعمالها، ومن (الرويان وكلار) وما يتصل بها، ورتب العمال في هذه البلدان والنواحي، وولى القضاء زيد بن صالح الحسني، وكان ينظر في الأمور بنفسه، وبسط العدل ورفع رسوم الجور وعقد مجالس النظر، وكان الفقهاء يحضرونه ويكلمونه في المسائل ويكلمهم ويناظرهم.
وكان الداعي الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبدالرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه الســـلام صاحب جيشه، والمستولي على الأمر؛ لشهامته وحسن بلائه بين يديه وورعه ودينه، ولأنه لم يكن في أولاده من يعتمد للولاية؛ لأن أبا الحسن كان مع فضله في الأدب على غير طريقة السداد.
وكان الناصر رضي الله عنـــه معرضاً عنه منكراً عليه، وأبو القاسم وأبو الحسين كانا صغيرين، فلما ترعرعا كان يستعين بهما فيما يجوز أن يستعان فيه الشباب، فينفذهما في بعض السرايا ويوليهما بعض الجيوش، ولما فتح آمل ودخلها وولى أبا القاسم سارية ووقع بينه وبين الداعي تنافر ونزاع، وطال الخطب في ذلك.
ولما أوقع الناصر عليه الســـلام وأنفذ على مقدمته ابنه أبا القاسم إلى آمل، وكان الداعي رضي الله عنـــه يطمع في أن يختار للتقدم، فاستوحش من ذلك ولم يظهره، وكان هذا أول نفور عنه سرّاً، فقد كان منه رضي الله عنـــه أثر ظاهر جميل في تحمل المبارزة بنفسه، والتقدم إلى حيث لم يتقدم أحد.
وكان أصحاب الناصر الذين هم أهل الدين والورع مثل أبي محمد عبد الله بن أحمد بن سلام رحمه الله، ومن دونه يميلون إلى الداعي رضي الله عنـــه؛ لدينه وورعه واستقامة طريقته، وينحرفون عن أولاد الناصرعليه الســـلام؛ لسلوكهم لطريقة غير مرضية في الباطن.
واستوحش الداعي ونفر عن الناصر لمكان أولاده فأدى ذلك النفار إلى الهفوة التي اتفقت منه في القبض عليه، وإنفاذه إلى قلعة اللارز، وقد ذكر من اعتذر عنه أنه كان كارها لما جرى، وأن الإقدام على ذلك بدر من سفهاء الجيل والديلم الذين كانوا وردوا في صحبة الداعي رضي الله عنـــه، وكان ليلى بن النعمان قدمه الناصر عليه الســـلام إلى ناحية جرجان مع عسكر كثيف، فاتصل الخبر به وهو بسارية فانصرف بجيشه، ودخل على الداعي في مضربه، وقال: ماذا صنعت بأبينا؟ يعني الناصر، أهذا حقه عليك وعلى الجماعة؟ فقال: إنه لم يفرج عن المال ولم يطعم العساكر ما لا بد لهم من الخبز، فقال له: والأب إذا لم يطعم الخبز يحبس؟ ثم ركب وعدل برايته إلى جانب وصاح من كان متبعاً للحق مريداً له فليعدل إلى هذه الراية، وكان أصحاب الداعي قد ندموا على ما بدر منهم إلا عدد يسير هم خواصه، فعدل الجيش كلهم إلا هذه الطائفة، ففزع الداعي حينئذ فقال له: هات خاتمك، فأخرجه من يده وسلمه إليه، فأنفذه للوقت مع جماعة من الثقات لإخراجه من القلعة ورده، وهرب الداعي في الوقت مع نفر من أصحابه إلى الديلم.
قال السيد أبو طالب عليه الســـلام: حدثني أبي رحمه الله بهذه الجملة، قال: وحدثني بأنه شاهده عليه الســـلام حين رد من القلعة يوم دخوله آمل، وقد استقبله أهل البلد صغيرهم وكبيرهم وكان على بغلة، فكاد الناس يقلعون بغلته من الأرض لازدحامهم عليه وخدمتهم له، ورأيته وهو يدفع الناس عنه بطرف مقرعته إذا تكابسوا عليه تمسحاً به وتقبيلاً لرجله حتى كادوا يزيلونه عن المركوب يشير بها وينحيهم عنه.
ثم اتصل به بعد ذلك عليه الســـلام ما عزم عليه أحمد بن إسماعيل والي خراسان من بروزه من بخارى بجيشه وقضه وقضيضه قاصداً طبرستان، ومتوجها إلى حربه وأظهر أنه يخربها ولا يبقي في الديلم شجرة إلا قلعها لما جرى على عسكره، واشتغل قلبه وقلوب أوليائه بذلك اشتغالاً عظيماً، فلما كان ذات يوم من الأيام خرج إلى مجلسه، وقال: قد كفيتم أمر هذا الرجل فقد وجهت إليه جيشاً يكتفى بهم في دفعه، فقالوا: أيها الإمام ومن أين هذا الجيش؟ ومتى أنفذته؟ فقال: صليت البارحة ركعتين ودعوت الله عليه، فلما كان بعد أيام ورد الخبر بأن غلمانه قتلوه، وكفي رضي الله عنـــه أمره.
قال السيد أبو طالب عليه الســـلام: هذه حكاية معروفة مشهورة قد حدثني بها غير واحد من الثقات.
وللناصر عليه الســـلام أشعار كثيرة منها قوله في قصيدة أولها:
وقال عليه الســـلام أيام ترشحه للقيام ودعائه سرّاً:
وله عليه الســـلام من قصيدة طويلة قوله:
ومنها قوله:
ومنها قوله:
وقالعليه الســـلام:
وكان عليه الســـلام حلو المفاكهة طريف الممازحة يتصرف في مجلسه في أنواع العلوم من الكلام والفقه ورواية الآثار وإنشاد الأشعار للقدماء والمحدثين والحكايات المفيدة.
ومن طرفه في هذا الباب ما رواه السيد أبو طالب عن أبيه رضي الله عنهما قال كان رضي الله عنـــه محروراً شديد الحرارة، تستولي عليه الحمى إذا تكلم، فكان يوضع بين يديه كوز فيه ماء بارد، ويتجرع منه في الوقت بعد الوقت إذا تكلم كثيراً وناظر في خلال مناظرته، وكان بآمل شيخ هِمٌّ من العراقيين يعرف بأبي عبد الله محمد بن عمرو وكان يكلمه عليه الســـلام في مسألة، فكان يترشش من فيه لعاب يصيب الكوز منه كما يتفق مثله من المشائخ، فأخذ الناصر دفتراً كان بين يديه ووضعه على رأس الكوز، فاتفق أن هذا الشيخ وهو في هزازة وحدة مناظرته ولع بأخذ ذلك الدفتر عن رأس الكوز من غير قصد، ولكن كما يتفق من الإنسان أن يولع بشيء من ضجره واحتداده وفعل ذلك مرتين، وكان الناصر يكلمه وكلما رفعه عن رأس الكوز يعيده إليه فلما رفعه الرفعة الثالثة أعاده الناصر، ثم التفت إليه فقال: يا هذا ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4]، إلى غير ذلك مما روي عنه.
ولم يزل عليه الســـلام جاداً مجتهداً في نشر العلم والعمل حتى حانت وفاته عليه الســـلام، فاستؤمر فيمن يقوم مقامه إذا حدث به قضاء الله عز وجل، وسأله بعضهم أن يعهد إلى بعض أولاده فقال عليه الســـلام: وددت أن يكون فيهم من يصلح لذلك ولكن لا أستحل في ما بيني وبين الله عز وجل أن أولي أحداً منهم أمر المسلمين، ثم قال: الحسن بن القاسم أحق بالقيام بهذا الأمر من أولادي وأصلح له منهم؛ فردوه وقد كان في الديلم ولم يمنعه ما كان أسلفه عنده من إيثار الحق في المشورة به. ثم توفي عليه الســـلام بآمل في ليلة الجمعة لخمس بقين من شعبان سنة أربع وثلاثمائة، وله أربع وسبعون سنة، ودفن عليه الســـلام يوم الجمعة، وكان من آخر شعره عليه الســـلام قصيدة أولها:
وكانت مدة ظهوره بآمل ثلاث سنين وأشهراً، ودفن بها ومشهده معروف مزور.
وذكر بعض من صنف في أخباره عليه الســـلام أنه كان في الليلة التي توفي فيها يشاهد نور ساطع من الدار التي هو فيها إلى عنان السماء، وأنه يستضيء بذلك النور من بعد عن الدار، فلم يزل كذلك حتى انقطع النور فجاء من شاهده وقد توفي عليه الســـلام.
وروي أنه عليه الســـلام في مرضه كان لا تفوته صلاة بوضوء إلى أن أثقل، فكان يومئ إلى الوضوء بيده فيوضؤونه، ويأخذ في الصلاة حتى فاضت نفسه وهو ساجد.
وروي أنه في ليلته التي توفي فيها استعر به المرض فأخر المغرب والعشاء الآخرة إلى قرب السحر ثم صلاهما، فلما فرغ منها فاضت نفسه.
قال السيد أبو طالب عليه الســـلام: وقدم الداعي عليه الســـلام آمل في شهر رمضان يوم الثلاثاء لأربع عشرة خلت منه، فبدأ بقبر الناصر للحق عليه الســـلام، ومعه أولاده أبو الحسن وأبو القاسم وأبو الحسين فألصق خده بالقبر وهو يبكي، فقام أبو الحسن ابنه وأنشأ قصيدة في مرثيته:
وقصيدة أخرى أولها:
وبويع للداعي رضي الله عنـــه في ثانيه وهو يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر رمضان فأظهر حسن السيرة في الأمور كلها في بسط العدل والإحسان إلى الأشراف وأهل العلم على طبقاتهم وتسويغ خراجهم، والتشدد على أهل العيث والفساد ما يضرب به المثل إلى الآن بطبرستان، فيقال: عدل الداعي.
وكانت له حروب مشهورة، ووقائع معروفة مع ولدي الناصر رضي الله عنـــه، ومع مسودة الخراسانية، وخطب له بنيسابور ونواحيها ليلى بن النعمان مدة، وخطب أيضاً بالري ونواحيها أياماً، وبقي على أمره بعد الناصر رضي الله عنـــه اثني عشرة سنة وأشهراً.
واستشهد: سنة ست عشرة وثلاثمائة، في يوم الثلاثاء بعد العصر لثلاث بقين من شهر رمضان، وقد بلغ من عمره اثنتين وخمسين سنة.