نسبه عليه السلام:
هو: أبو محمد القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام. فرع دوحة بسقت في أرض الفخار، ونور شجرة زيتونة متوقدة لذوي الأبصار. ما في آبائه عليهم السلام إلا من فاق وراق، وانتشر فضله في الآفاق.وقد تقدم ذكر آبائه عليهم السلام وهم عبير المشتاق، وصفوة أهل الأعراق.
وأمه عليه الســـلام: هند ابنة عبدالملك بن سهل بن مسلم بن عبدالرحمن بن عمرو ابن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر ابن لؤي.
صفته عليه الســـلام:
كان عليه الســـلام تام الخلق، أبيض اللون، كث اللحية، وكانت لحيته كالقطنة الشديدة البياض، حكاه السيد أبو طالب عليه الســـلام.ذكر طرف من مناقبه وأحواله عليه الســـلام:
كان عليه الســـلام من أقمار العتــــرة الرضية، ويواقيتها المشرقة المضية، انتهت إليه الرئاسة في عصره، وتميز بالفضل على أبناء دهره.وقد أخبرنا الإمام المنصور بالله أمير المؤمنين أبو محمد عبدالله بن حمزة بن سليمان سلام الله عليه وعلى آبائه الأكرمين قال: روى القاضي العالم ابن عمار قال: أخبرني فقيه آل رسول الله صلى الله عليه وآله في عصرنا الحسين بن حمزة، قال: أخبرني أبو النفس الزكية والشيبة المرضية حمزة بن أبي هاشم الإمام الرضى، يرفعه عن آبائه إلى شيخ من شيوخ آل الحسن كان يدرس عليه فتيان آل الحسن، وكانوا إذا جاءوا قام في وجوههم وعظمهم، فأقسموا عليه لا فعل. وكان القاسم عليه الســـلام من شباب ذلك العصر، وكان إذا أتى قام في وجهه وعظمه، فقالوا له: أيها السيد، إنا قد عذرناك وهذا الفتى لك أعذر، فقال: لو تعلمون من حق هذا ما أعلم لاستصغرتم ما أصنع في حقه، فقالوا: وما تعلم؟ قال: هذا الفتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: ((يخرج من ذريتي رجل مسروق الرباعيتين، لو كان بعدي نبي لكان هو)).
وفيه يقول الشاعر:
ولو أنه نادى المنادي بمكة ... ببطن منى فيمن تضم المواسم
من السيد السباق في كل غاية؟ ... لقال جميع الناس: لا شك قاسم
إمام من أبناء الأئمة قدمت ... له الشرف المعروف والمجد هاشم
أبوه علي ذو الفضائل والنهى ... وآباؤه والأمهات الفواطم
بنات رسول الله أكرم نسوة ... على الأرض والآباء شم خضارم
وله عليه الســـلام العلم العجيب، والتصانيف الرائقة في علم الكلام وغيره من الفنون. فمنها: كتاب الدليل الكبير فإنه بالغ في الكلام على الفلاسفة مبالغة حسنة، وأشار فيه من لطيف الكلام إلا ما لا ينتهي إليه إلا المبرزون، ولا يبلغه إلا المحصلون. ومنها: كتاب الدليل الصغير، وكتاب العدل والتو حيد الصغير، وكتاب العدل والتوحيد الكبير، وفيه من أصول العدل والتوحيد وتصديق الوعد والوعيد، والمبالغة في الكلام على الجبرية على لطافة حجمه ما يشهد بغزارة علمه ووفور فهمه. ومنها: كتاب الرد على ابن المقفع الذي نصر فيه القول بالتشبيه. ومنها: كتاب الرد على النصارى وهو من نفائس الكتب. ومنها: كتاب المسترشد، وكتاب الرد على المجبرة، وكتاب تأويل العرش والكرسي على المشبهة. ومنها: كتاب المسألة التي نقلت عنه في محاورة الملحد وهو: رجل من أرباب النظر من الملحدة، كان يغشى مجامع المسلمين ويورد عليهم الأسئلة الصعبة في قدم العالم وغير ذلك حتى وافاه عليه الســـلام، وأورد ما عنده من المشكلات، فوضح له الحق فتاب إلى الله تعالى، ثم قال: تعست أمة ضلت عن مثلك، وفيها من غرائب العلم وعجائبه ما يشهد بعلو منزلته وارتفاع درجته.
وروينا عن السيد أبي طالب عليه الســـلام رواه بإسناده إلى أبي القاسم البلخي عن مشائخه: أن جعفر بن حرب الهمداني دخل على القاسم بن إبراهيم فجاراه في دقائق علم الكلام، فلما خرج من عنده قال لأصحابه: أين كنا من هذا الرجل؟ فوالله ما رأيت مثله، هذا وجعفر بن حرب من عيون المتكلمين والمتبحرين في الكلام.
ومن تصانيفه عليه الســـلام: كتاب تثبيت الإمامة، فإنه أحسن فيه كل الإحسان في نصرة مذهب الزيدية في تقديم أمير المؤمنين عليه الســـلام على المشائخ، وأورد من الأسئلة العجيبة في هذا المعنى على المتقدمين عليه ما يشهد بأنه البحر الزخار، والقمر النوار، والغمام المدرار.
وله في الفقه التصانيف العجيبة التي تشهد بتدقيقه وحسن تحقيقه، ومعرفته بالاختلاف بين الفقهاء، وجودة غوصه على استنباط الغرائب نحو: كتاب الفرائض والسنن، وكتاب الطهارة، وكتاب صلاة اليوم والليلة، ومسائل علي ابن جهشيار، وغير ذلك من تصانيفه. وكذلك كلامه عليه الســـلام في علوم القرآن فإنه إذا أخذ يتكلم فيها؛ فكأنه فنه الذي عليه نشأ. وله كتاب الناسخ والمنسوخ.
فأما زهده عليه الســـلام وورعه فمما لا يتمارى فيه اثنان، ولا يتراد فيه رجلان.
شهد العداء بفضله كالأولياء ... والفضل ما شهدت به الأعداء
وله عليه الســـلام كتاب سياسة النفس؛ الذي من شاهده علم أنه خرج من قلب خاشع، وكذلك غيره من رسائله في الوعظ والتذكير.
وروى السيد أبو طالب عليه الســـلام بإسناده عن أبي عبدالله الفارسي قال: حججنا مع القاسم عليه الســـلام، فاستيقظت في بعض الليل فافتقدته، فخرجت وأتيت المسجد الحرام فإذا أنا به وراء المقام لاطيا بالأرض ساجدا، وقد بل الثرى بدموعه، وهو يقول: إلهي من أنا فتعذبني، فوالله ما تشين ملكك معصيتي، ولا تزين ملكك طاعتي. قال السيد أبوطالب: وحكي عن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليهما السلام عن أبيه: أن المأمون كلف بعض العلوية أن يتوسط بينه وبين القاسم عليه الســـلام ويصل ما بينهما على أنه يبذل له مالا عظيما، فخاطبه في أن يبدأه بكتاب أو يجيب عن كتابه، فقال عليه الســـلام: لا يراني الله أفعل ذلك أبدا.
قال السيد أبو طالب: ومن فحول أشعاره قوله عليه الســـلام:
وَنَى التهجير والدَّلَجُ ... وأقصر في المنى لَحِجُ
وطاف بحالكي وَضحٌ ... عليه من البلى نَهَجُ
فقلت لنفسِ مكتئبٍ ... علاه من الردى ثبجُ
قَطى ما دمتِ في مَهل ... فإن الحبل مُنْدمجُ
ولا تَسْتَوقرِي شُبهًا ... فوجْه الحق مُنْبَلِجُ
وزور القول مُمّحقٌ ... إذا ضاقت به الْحُججُ
فهبكِ رتَعْت في مَهَلٍ ... أليس وراءك اللججُ
وعاذلةٍ تُؤرقني ... وجنح الليل مُعْتلجُ
فقلت: رويدَ عاتبةً ... لكل مهمة فَرجُ
أسرّكِ أن أكون رتعْـ ... ـتُ حيث المال والبَهجُ؟
وأني بِتُّ يصهرني ... لِحَرِّ فِرَاقه وَهَجُ
فأَسلُبَ ما كَلِفْتُ بِهِ ... ويبقى الوزْر والحرجُ
ذريني خلفَ قاصية ... تَضايَق بي وتَنْفَرِجُ
ولا تَرْمِنَّ بي غرضًا ... تطاير دونه المهجُ
إذا أكدى حيا وطن ... فلي في الأرض مُنْفرجُ
وله عليه الســـلام في الوصايا والحكم والآداب الجامعة للدين والدنيا كتاب المكنون. وكان عليه الســـلام مستجاب الدعوة. روى الشيخ أبو الفرج في كتابه الصغير في أخبار الطالبيين [556]: أن القاسم عليه الســـلام دعا إلى الله في مخمصة فقال: اللهم إني أسألك بالاسم الذي دعاك به سليمان بن داوود فجاءه العرش قبل ارتداد الطرف، فتهدل البيت عليه رطبا. وروى بإسناده: أنه عليه الســـلام دعا مرة في ليلة مظلمة فقال: اللهم إني أسألك بالاسم الذي إذا دعيت به أجبت، فامتلأ البيت عليه نورا. وروى الإمام المنصور بالله عليه الســـلام: أن المأمون توصل بمن قدر عليه في أن يصافيه ويأمن جانبه، فأبى ذلك أشد الإباء، وبعث الحروري بوقر سبعة أبغل دنانير على أن يأخذها ويجيب عن كتابه أو يبتدئه بكتاب، فكره ذلك ورد المال، وكان قد مال إلى حي في البادية يقال لهم: حرب، فحاربوا دونه، ولما رد المال لامه أهله، فقال:
تقول التي أنا ردء لها ... وقاء الحوادث دون الردى
ألستَ ترى المال منهلة ... مخارم أفواهها باللَّهى؟
فقلتُ لها وهي لوّامة ... وفي عيشها لو صحت ما كفى
كفاف امرء قانع قوته ... ومَن يرض بالقوت نال الغنى
فإني وما رمت من نيله ... وقبلك حب الغنى ما ازدهى
كذي الداء هاجت له شهوة ... فخاف عواقبها فاحتمى
وكان له عليه الســـلام أصحاب أخذوا العلم عنه؛ كأولاده النجباء: محمد، والحسن، والحسين، وسليمان، وكمحمد بن منصور المرادي، والحسن بن يحيى ابن الحسين بن زيد بن علي عم يحيى بن عمر الخارج بالكوفة، ويحيى بن الحسين ابن جعفر بن عبيدالله صاحب كتاب الأنساب، وله إليه مسائل.
و منهم: عبدالله ابن يحيى القومسي العلوي الذي أكثر الناصر للحق الحسن بن علي (رضي الله عنه) الرواية عنه، ومنهم: محمد بن موسى الخوارزمي العابد قد روى عنه فقها كثيرا، وعلي ابن جهشيار، وأبو عبدالله أحمد بن محمد بن الحسن بن سلام الكوفي صاحب فقه كثير وروايات غزيرة. ذكر ذلك السيد أبو طالب عليه الســـلام.
ذكر بيعته عليه الســـلام ونبذ من سيرته واستتاره:
لما استشهد أخوه محمد بن إبراهيم عليه الســـلام وهو بمصر دعا إلى نفسه، وبث الدعاة وهو على حال الاستتار، فأجابه عالم من الناس من بلدان مختلفة، وجاءته بيعة أهل مكة والمدينة والكوفة، وأهل الري وقزوين وطبرستان وتخوم الديلم، وكاتبه أهل العدل من البصرة والأهواز، وحثوه على الظهور وإظهار الدعوة، وأقام عليه الســـلام بمصر نحو عشر سنين، واشتد الطلب له هناك من عبدالله بن طاهر فلم يمكنه المقام، فعاد إلى بلاد الحجاز وتهامة، وخرج جماعة من دعاته من بني عمه وغيرهم إلى بلخ والطالقان والجوزجان؛ فبايعه كثير من أهلها، وسألوه أن ينفذ إليهم بولد له ليظهروا الدعوة، فانتشر خبره قبل التمكن من ذلك، فوجهت الجيوش في طلبه، فانحاز إلى حي من البدو واستخفى فيهم، وأراد الخروج بالمدينة في وقت من الأوقات، فأشار عليه أصحابه بأن لا يفعل ذلك، وقالوا: إن المدينة والحجاز تسرع إليهما العساكر ولا يتمكن فيها من الميرة، ولم يزل على هذه الطريقة مثابرا على الدعوة، صابرا على التغرب والتردد في النواحي والبلدان، متحملا للشدة مجتهدا في إظهار دين الله.ولما اجتمع أمره وقت خروجه بعد وفاة المأمون وتولي محمد بن هارون الملقب بالمعتصم شدد محمد هذا في طلبه، وأنفذ عساكر كثيفة في تتبع أثره، وأحوج إلى الانفراد عن أصحابه، وانتقض أمر ظهوره. ذكره السيد أبو طالب عليه الســـلام قال: وله بيعات كثيرة في أوقات مختلفة أولها سنة تسع وتسعين ومائة، والبيعة الجامعة لفضلاء أهل البيت عليهم السلام كانت سنة عشرين ومائتين في منزل محمد بن منصور المرادي بالكوفة، فإنه بايعه هناك أحمد بن عيسى بن زيد فقيه آل رسول الله صلى الله عليه وآلهوعابدهم، وعبدالله بن موسى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن الفاضل الزاهد، والحسن بن يحيي بن الحسين بن زيد، وكانت فضيلة السبق إلى منابذة الظالمين انتهت إلى هؤلاء، فاتفقوا على بيعة القاسم عليه الســـلام، وكانوا قد امتحنوا على فضلهم المشهور بالاستتار الشديد.
روينا عن السيد أبي طالب عليه الســـلام في أماليه [127 - 128] قال: روى أبو عبدالله - محمد بن يزيد المهلبي قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال: صرت إلى أحمد ابن عيسى وهو متوار بالبصرة فقال لي: لما طلبنا هارون - يعني الملقب بالرشيد - خرجت أنا والقاسم بن إبراهيم وعبدالله بن موسى بن عبدالله ابن الحسن بن الحسن فتفرقنا في البلاد، فوقعت إلى ناحية الري، ووقع عبدالله بن موسى إلى الشام، وخرج القاسم بن إبراهيم إلى اليمن، فلما توفي هارون اجتمعنا في الموسم فتشاكينا ما مر علينا، فقال القاسم عليه الســـلام: أشد ما مر بي أني لما خرجت من مكة أريد اليمن في مفازة لا ماء فيها ومعي بنت عمي وهي زوجتي وبها حبل، فجاءها المخاض في ذلك الوقت، فحفرت لها حفرة لتتولى أمر نفسها، وضربت في الأرض أطلب لها ماء، فرجعت وقد ولدت غلاما وأجهدها العطش فألححت في طلب الماء فرجعت إليها وقد ماتت والصبي حي، فكان بقاء الغلام أشد علي من وفاة أمه، فصليت ركعتين ودعوت الله أن يقبضه فما فرغت من دعائي حتى مات.
وشكى عبدالله بن موسى: أنه خرج من بعض قرى الشام وقد حث عليه الطلب وأنه صار إلى بعض المسالح وقد تزيا بزي الأكرة والفلاحين، فسخره بعض الجند وحمل على ظهره شيئا، وكان إذا أعيا ووضع ما على ظهره للاستراحة ضربه ضربا شديدا وقال: لعنك الله ولعن من أنت منه!.
وقال أحمد بن عيسى: وكان من غليظ ما نالني أني صرت إلى ورزتين ومعي ابني محمد، وتزوجت إلى بعض الحاكة هناك، وتكنيت بأبي حفص الجصاص، فكنت أغدو وأقعد مع بعض من آنس به من الشيعة، ثم أروح إلى منزلي كأني قد عملت يومي، وولدت المرأة بنتا.
وتزوج ابني محمد إلى بعض موالي عبد القيس هناك، فأظهر مثلما أظهرته، فلما صار لابنتي نحو عشر سنين طالبني أخوالها بتزويجها من رجل من الحاكة له فيهم قدر، فضقت ذرعا بما دفعت إليه، وخفت من إظهار نسبي، وألح القوم عليَّ في تزويجها؛ ففزعت إلى الله تعالى وتضرعت إليه في أن يختار لها ويقبضها ويحسن علي الخلف، فأصبحت الصبية عليلة ثم ماتت من يومها، فخرجت مبادرا إلى ابني محمد أبشره فلقيني في الطريق، وأعلمني أنه ولد له ولد فسميته عليا، وهو بناحية ورزتين لا أعرف له خبرا للاستتار الذي أنا فيه.
وروى السيد أبو طالب عليه الســـلام بإسناده عن أبي عبدالله الفارسي قال: ضاق بالإمام القاسم بن إبراهيم عليه الســـلام المسالك، واشتد الطلب ونحن مختفون معه خلف حانوت إسكاف من خلص الزيدية، فنودي نداء يبلغنا صوته: برئت الذمة ممن آوى القاسم بن إبراهيم وممن لا يدل عليه، ومن دل عليه فله ألف دينار وكذا وكذا من البز، والإسكاف مطرق يسمع ويعمل لا يرفع رأسه، فلما جاءنا قلنا: ما ارتعت؟ قال: ومن لي بارتياعي، ولو قرضت بالمقاريض بعد رضى رسول الله صلى الله عليه وآلهعني في وقاية ولده بنفسي. فأقام عليه الســـلام طول مدته مخيفا للظالمين، شجى في حلوق الفاسقين غير أن المقادير لم تساعد إلى كل ما أراد من رحض أدران الفساد.
وفاته عليه السلام:
قال السيد أبو طالب عليه الســـلام: وكان القاسم عليه الســـلام انتقل إلى الرس في آخر أيامه، وهي أرض اشتراها عليه الســـلام وراء جبل أسود بالقرب من ذي الحليفة، وبنى هناك لنفسه ولولده وتوفي بها - وقد حصل له ثواب المجاهدين من الأئمة السابقين- سنة ست وأربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، ودفن فيها ومشهده معروف يزوره من يريد زيارته فيخرج من المدينة إليه.ذكر نكت من كلامه عليه الســـلام:
قال عليه الســـلام في صدر كتاب المكنون: أستعصم الله بعصمته التي لا تهتك، وأسترشده إلى السبيل الذي ينجو به من الردى من هلك، وأستوهبه التوفيق لهدايته، والحظ الوافر من طاعته، وأرغب إليه في إلهام حكمته، واجتناب معصيته.وقال عليه الســـلام فيه: يا بني ولخير خصال المرء أن يكون على خلاله مستشرفا، ولأوده مثقفا، وبما يكون له من غيره متعرفا من جميل يومىء به إليه، أو مذموم خليقة يطعن من أجلها عليه، يا بني فكل من لم يفصل بالتمييز ما يعنيه من زمنه، ويحذر مضلات فتنه، ويدخر لنفسه في جدته ما يحمد غبه في عاقبته، ويختر الزيادة على النقصان، والربح على الخسران، فهو كالماص لثدي أمه، المخدوج قبل تمه.
ومن كلامه عليه الســـلام فيه: ومن أعجب العجائب ذو شيبة مرتد بالنوائب، متسربل بالمصائب، يستنكر رتب التصاريف، ويفجر أمامه بالتسويف، وذلك لضعف نحيزته، ونسيانه لما يتصرف فيه من أزمنته، وكثرة سهوه وغفلته عما قد أفهمته خبرته، وانتظمته تجربته، فلو غيب عن العاقل اللبيب كل أمر عجيب مما فطر عليه المفطورون، وقصر عن الإحاطة بخبره العالمون؛ لكان فيما طبع عليه في ذات نفسه، وما يمر به في يومه وأمسه: من الفقر والغنى، والسراء والضراء، والأخذ والعطاء، والبذل والإكداء، وكثرة السكوت وطول الصموت، والإكثار في المنطق والهذر، وسرعة القلق، والجد والهزل، وغلبة الجهل على العقل؛ له أشغل شاغل عن الفكرة في خلائق الإنسان، وتضاد ما يختلف فيه من الجهل والعرفان، والموثوق منها معروف، والمعلى منها مشغوف، فمن جنح إلى الأقل كبح واستوجل، وذم غب المصدر، وكان من أمره على خطر، وأندمته آخرته لما قد دله على علمه أوليته، وليس بحكيم من مال إلى الأمر المذموم. والخيلاء بالفضل مجانب لسبيل العقل، ومن جعل غيره لعينه نصبا، وأظهر على من سواه في سيء أفعاله عتبا، وكان الذي فيه لطالب عثرته أعتب، كان الواجب عليه أن يكون على نفسه أعتب؛ لأن من استنكر أمرا من غيره يرضى في نفسه بمثله فقد دل على جهله، ومن سهى عما يعنيه كان ما لا يعنيه أجدر أن لا يؤاتيه.
وقال عليه الســـلام: وإن من المنكرات في من يسم نفسه بميسم الخيرات أن يضرب بطرفه صاعدا، ويكون على غيره واجدا، ولزناده زاندا، كأنه قد تهذب من الأدناس، وأمن معتبة الناس، واستقام على سوق الريادة للمستريد، أو ما عرف المعدوم من الموجود، والخير من الشر، والنفع من الضر، والحر من القر، حيث سلك في أحشائه، واتصل بحواسه وأجزائه، ثم أدته الأركان إلى الأركان، والروح إلى الجثمان، ثم صرفته تلك العوارض الخاطرة، والنوازل السائرة فاستنفرته إلى السخط مرة وإلى الرضى أخرى؛ فأسرف في الخلتين ومال عن النجدين، فأين مستقر القديم منه؟ حيث لم يدرأ عنه النوازل الممضة، والآفات العارضة، ويستدعي لنفسه بدرأته لذلك عاجل السلوة، وينفي عنها نوادر الشقوة، ويعاود ما يديم له السرور، ويدفع عنه المحذور، ولو ألهم نفسه أحسن ما يلهم لزاح عنه خاطر الهم، ولم يعدم محمود العاقبة وعلو الذكر في القيام، والصوت الرفيع في محافل الأقوام، ولا قصر عن شقشقته وشهد بالفضل المزائل طريقته، ولكنه لم يحم أنفه، وقل عن مزايلة ما تهواه نفسه إلفه، فامتشجت الادواء في آرابه، واستلبته رصين آدابه؛ فابتغى السلامة من غير جهتها، والراحة بعد فوتها، كلا لن يكون فرع من غير أصل، ولا جود إلا ببذل، ولا زكا مخلوق إلا بفضل يجشم فيه نفسه المجهود، ويستدعي لهابه الثناء المحمود، ويجنبها الموبقات والشهوات المرديات، وليس من نفس إلا وهي تراود صاحبها على الهوى، وتدعوه إلى موارد الردى، فمن أعطاها زمامه أركبته ردعه. ومن منعها ما تهوى فاز بالرغباء، ففي هذا لكم يا بني بيان ومعتبر. ومن لم يستظهر بالحزم على مداق الأخلاق ودناءتها، ويزجر النفس عن شهواتها، قصر دون رميته، ولم يدرك الثناء الذي سما إليه بأمنيته.
ومن أحب أن تخضع له غلب الرقاب، ويقل في طاعته الارتياب، وينتهى عن أمره ونهيه، ويقتدى برأيه، فليأصر نفسه من ذلك على ما يريده من غيره؛ فإن انقادت لأمره، وازدجرت عند زجره؛ فليضمم كفه من غيره على إنفاذ أمره؛ لأن تهذيب المرء لطريقته يدعو إلى طاعته، والمقصر عن طلب منفعته تزل موعظته عن القلوب زلول القطر عن الصفوان الصليب، فأوقعوا يا بني الموعظة بقلوبكم، فيا أيها المبتغي الدرك في العاجل، والفوز في الآجل، اجعل لك من نفسك موعدا تحظ به اليوم، وتفز به غدا، بصدق لا يشاب بالتفنيد، ورجاء الموعود وخوف الوعيد، واسم لما أحببت من ذلك بالعقل العتيد، والرأي السديد، والفعل الحميد، وأنا سفيرك فيه بالدرك لما تريد، وإنما أعجز الطلاب ما إليه يسمون تعسفهم السبيل التي فيها عن القصد يجورون، فلم يدركوا ما طلبوا، ولم ينالوا ما أحبوا.
وقال عليه الســـلام: والعقل آمن أمين، وأفضل قرين، فاستأمنه على أحوالك وجميع خلالك، واعرف ما عرفك، وإذا أحمدت من أحد مذهبًا فكن لمثله متسببًا، ولكل ما تستنكره من غيرك مجتنبًا، ولتكثر من مستتر عيوبك وحشتك، وليقل بخفياتها أنسك، فإن اكتتامها كالمحرض على أمثالها، وإذا امتلأ الإناء انكفأ، وإذا تنوسخ السر فشا.
وقال عليه الســـلام: عليك بالحلم، فإنه ليس يسمى الرجل حليما حتى يملك نفسه عند الغضب، ولا جوادا حتى يفيد إذا ازلأم الأزب، وإنما يوصف بالنجدة من باشر أهل البأس والشدة، (وللمحاسن والمحامد نواد معتمدة، تطلع إليها الأفئدة)، ثم يبذل فيها الغالي من الأثمان، وتنضى لها العيس إلى البلدان، فمن سره أن يشهد بالجميل والإحسان فليشهد التي منها يتناقلان، ثم ليظهر منها ما يسير في الآفاق خبره، ويعظم بها في الناس خطره، ثم ليقوم من نفسه بحسن التعاهد لها أودها، وليأخذ منها لها ما تزين به غدها، فإن الأخلاق إذا سمحت، والعلانية والسريرة إذا صحت، كانت غنائم يرتحل إليها المرتحلون، وأحاديث حسنة ينقلها الناقلون، وتبجيلا لصاحبها في العالمين، وغبطة يغتبط بها يوم الدين.
والواجب في الأخلاق أكثر من الواجب في الأموال، وأفضل في جميع الأحوال، وإنما يعظم ذو المال ما كان موئلا، فإذا تخرم ماله عاد دحيرا قليلا، والأخلاق لا يبلى جديدها، ولا يطيش سديدها، وفضل صاحبها باق في حياته وبعد وفاته، والمال ثوب تخلق جدته، وتسمل سداه ولحمته. وأحق الأشياء بالصون العرض الصحيح، والحسب الصريح.
ومن آتاه الله قلبا ذكيا وزنادا وريا وخلقا مرضيا، وسخى مذكورا، وعقلا زكيا، وفهما رضيا، وعلما بتقلب الأحوال وتصرف الأيام والليال، ولسانا يؤدي إليهما معرفة خلف الأزمان، ويمتهنه فيما يعود على نفعه كل الامتهان، ثم زم نفسه عن الكبرة، واعتاض من التجبر حسن العشرة، وقل افتخاره عند مناظرته، ولم يستدع نظيره إلى مباحثته، ولم يجار المجاري له من طبقاته في طريق مساواته، ولم يخرج من القول إلى ما لا يعلم ولا من الفعل إلى ما يستعظم، فقد شرى لنفسه محمدة الحاضر والباد، واجتهد لنفسه في مصلحته أشد الاجتهاد، واستحق التعظيم من جميع من ضمته أقطار البلاد، واجتمعت له الطرائق السمحة، وراحت عنه المذاهب المستقبحة، وجرى عليه اسم الخيرة، ونظرته بالنواظر المبجلة كل عين مبصرة، وحاز حد الأكفاء، واعترف له بالفضل كل النظراء.
ومن كلامه عليه الســـلام: من عجز إدراك الحواس باريها ثبت له التوحيد، وباستحقاق التوحيد ثبت العدل؛ لأن المتفرد بالوحدانية لا يجور لوجود الجور فيمن ليس بواحد. ولما ثبت العدل وجب الوعد على المطيع، والوعيد على العاصي، ولما صح الوعد والوعيد وجب التحاجز بين المتظالمين، وهو بالرسول الآمر الناهي بما آتاه الله بعد استحقاقه منه الرسالة بالطاعة والاتصال به، فأظهر عليه علامة الاتصال بالمعجزات والدلالات فرقا بين المتصل والمنقطع عن الله، ليصح خبر رسوله عنه، ولما لم تجر في العقل مشافهة الباري وخطابه لخلقه خاطبهم منهم بجنسهم ومثلهم؛ إذ ليس في فطرهم غير ذلك.
ومن كلامه عليه الســـلام: من لم يعلم في دين الإسلام خمسة من الأصول فهو ضال جهول: أولهن: أن الله سبحانه واحد ليس كمثله شيء، وهو خالق كل شيء، يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير. والثاني من الأصول: أن الله سبحانه عدل حكيم، غير جآئر لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يعذبها إلا بذنبها. لم يمنع أحدا من طاعته بل أمره بها، ولم يدخل أحدا في معصيته بل نهاه عنها. والثالث من الأصول: أن الله سبحانه صادق الوعد والوعيد، يجزي بمثقال ذرة خيرا، ويجزي بمثقال ذرة شرا. من صيره إلى العذاب فهو فيه أبدا خالد مخلد كخلود من صيره إلى الثواب الذي لا ينفد. والرابع من الأصول: أن القرآن المجيد فصل محكم وصراط مستقيم، لا خلاف فيه ولا اختلاف، وأن سنة رسول الله صلى الله عليه وآلهما كان لها ذكر في القرآن ومعنى. والخامس من الأصول: أن التقلب بالأموال والتجارات في المكاسب في وقت ما تعطل فيه الأحكام، وينتهب ما جعل الله للأرامل والأيتام والمكافيف والزمنى وسائر الضعفاء ليس من الحل والإطلاق كمثله في وقت ولاة العدل والإحسان والقائمين بحدود الرحمن، فجميع هذه الأصول الخمسة لا يسع أحدا من المكلفين جهلها، بل يجب عليهم معرفتها.
وقال عليه الســـلام في بعض مواعظه: أما بعد، فإن الدنيا دار غرور، لا يدوم فيها سرور، ولا يؤمن فيها محذور. جديدها يبلى، وخيرها يفنى. من وثق بها خدعته، ومن اطمأن إليها صرعته، ومن أكرمها أهانته. أفراحها تعقب أحزانا، ولذاتها تورث أشجانا. أما بعد: فأن أعمار الدنيا قصيرة، ورحاها مديرة، وسهاماتها قاصدة، وحتوفها راصدة. المغرور من اغتر بها، والمخدوع من ركن إليها. من زهد فيها كفيها، ومن رغب عنها وطيها قد غرت القرون الماضية، وهي على الباقين آتية؛ فيا بؤسا للباقين لا يعتبرون بالماضين، يجمعون للوارثين، ويقيمون في محلة المتحيرين.
أما بعد: فاقنع باليسير، وبادر في التشمير، وإياك والتغرير، وانظر إلى ما تصير، فليس الأمر بصغير، وهيئ زادك للمسير، فقد أتاك النذير. أما بعد: فقد وضح لك الطريق؛ فلا تحيدن عن إطاره إلى المضيق، فقد مضت الأيام وذهبت الأعوام، وفنيت الأعمار وأحصيت الآثار، وعن قليل تدعى فتجيب، وتظعن فتغيب؛ فعجب لقلبك كيف لا يتصدع، وعجب لركنك كيف لا يتضعضع، وعجب لجسمك كيف لا يتزعزع!؟. أما بعد: فإنه ليس لحي في الدنيا مقام، وعن قليل يأتيك الحمام، وكل خلق تفنيه الأيام، فلا تكن كالغافل النوام، فإنما الدنيا إلى انصرام، ولن يرى فيها دوام.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله فيما تقدم إليكم واحتج به عليكم، من قبل اللهف والندم، ومن قبل أخذ بالكظم وانقطاع المدة، واستكمال العدة، ومن قبل التلاقي واللزام، وأخذ بالنواصي والأقدام، فكأن قد نزلت بكم نازلة الفناء، وأخرجتم إلى دار البقاء، وكشف عنكم الغطاء، وتجرعتم سكرات الموت، وخضتم غمرات الآخرة، وأتاكم ما كنتم توعدون، وعاينتم ما كنتم تحذرون.
أما بعد: فإنه لا عذر لمن هلك بعد المعرفة والبيان، ولا حجة لمن ركن إلى دار الفناء والحدثان، ولا ندم يغني عند وقوع العيان، ولا حيلة تنفع عند فوت الزمان، وعند السياق وكلول اللسان، ولا ولد ينفع، ولا أهل يمنع، في مصرع هائل، وشغل شاغل، يدعا فلا يسمع، وينادى فلا يجيب، في غصص الموت وسكراته، وتجرع زفراته، وغمومه وحسراته، قد علاك الأنين، وأتاك الأمر اليقين، فلا عذر فتعتذر، ولا ردة فتزدجر، قد عاينت نفسك حقائق الأمور، وحللت في مساكن أهل القبور، في ملحد محذور، قد افترشت اللبن بعد لين الوطاء، وسكنت بين الموتى بعد مساكنة الأحياء، فالنجاء النجاء، قبل حضور الفناء.
أما بعد: فإن الدنيا أيام قلائل، وكل ما فيها ذاهب زائل، فتعز بالصبر عن الشهوات، وتناء بالحذر عن اللذات، وفكر فيما اقترفت على نفسك من الذنوب، وفيما قد ستر الله عليك من العيوب.
أما علمت حين عصيته أنه لم يكن بينك وبينه ستر يواريك منه، أما استحييت من مولاك؟! وقد علمت أنه يراك، أما خفت العقوبة حين آثرت على تقواه هواك؟!.
أما بعد: فيا بؤسا من مخالف خاسر، وخائن غادر!!، أما إنك عن قليل، تهجم على البلاء الطويل، فتدارك نفسك إذا عرضتها للمهالك، واسلك الطريق الواضح من المسالك، ولا تطمعها في راحتها أيام حياتها، واستطرف لها النصب، واحملها على التعب؛ لما ترجو أن تصير إليه من الراحة غدا، فكأنك قد دعيت فأجبت، فاعمل لنفسك ما دمت في مهلة، وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى.
أما بعد: فاحذر على نفسك ختر الدنيا ومكرها، وخدعها وغدرها؛ فإنها متبرجة لطلابها فاحذرها، لا تكن لها قتيلا، والتمس لنفسك للنجاة منها سبيلا، وانظر لنفسك أيام مكثك فيها، واعلم أنها مرحلة سكانها، وأن متاعها قليل، وخطبها جليل، ونعيمها زائل، وخيرها مائل.
أما بعد: فكن في سفرك مرتادا، وهيئ عدة وزادا؛ فكأنك قد خرجت من روح الدنيا إلى ضيق اللحد وخشونة متكئه، فتيقظ من نومة الغافلين، وانتبه من وسنة الجاهلين، وانظر بعينك إلى مصارع المغترين، ومضاجع المستكبرين، أليس ديارهم خالية، وأجسادهم بالية، ومساكنهم مقفرة، وعظامهم نخرة، وعروقهم بالية، وأيامهم فانية؟.
أما بعد: فإنك لو رأيت يسير ما بقي من عمرك وأجلك لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ورغبت في الزيادة من عملك؛ فإنك إنما تلقى غدا في حفرتك، وتخلى في وهدتك، ويتبرأ منك القريب، ويتسلى منك الحبيب، فلا أنت إلى أهلك راجع، ولا في عملك زائد شارع، فاعمل ليوم القيامة ليوم الحسرة والندامة.
أما بعد: فلا يمل بك الأمل الكاذب، ولا تكن كالشاهد الغائب؛ فإنك والقوم على بساط واحد، والموت يأتي على كل صادر ووارد، فلا يذهبن قولي لك صفحا، فإني لم آلك حضا ونصحا؛ فإن تقبل نصيحتي فأنت لذلك أسعد، وبه أعلى عينا وأرشد، وعن قليل يأتيك الخبر، فالحذر الحذر، فإنه يأتي أسرع من لمح البصر.
أما بعد: فإن الدنيا بحر عميق، ولنيرانها لهب وحريق، ولطرقها مفاوز ومضيق، فاتخذ زادا لبعد مفاوزها ومضيقها، فأعد عدة السير تزحزح به عن لهبها وحريقها، واتخذ سفينة تنجو بها من بحر عميقها، وقرب عليك الأجل، لا تخدعك بآمالها ومكرها، وقد عرفتك نفسها، وأوضحت لك لبسها، فلا تعم وأنت بصير، ولا تأمن وأنت بتحذير، فإن الذي بقي من عمرك قليل، فإما الثواب الجزيل، وإما البلاء الطويل، فكن بعملك منتفعا، وللموت متوقعا، فإنك لا تدري على أي حال يأتيك، وفي أي وقت يفاجيك، فعجبا لك يا مكنون الأجل، كيف تغتر بطول الأمل! فابك على نفسك إن كنت باكيا، وتيقظ من غفلتك إن كنت لاهيا.
أما بعد: فإنك قد أخرجت من روح الدنيا ومساكنها، وأبدت أهلك لغيرك سكنها ومحاسنها، ونسيت ما كان لها من كدك، وتغيرت عما كانت لك عليه من بعدك، فتمتعوا بمالك، ولم يعبؤوا بحالك، لمن لا يرثى لك غداً من صرعتك، ولا يؤنسك غداً في وحشتك، فلا تبع يا مسكين بدنياك آخرتك، ولا تنخدع لها فتركب رقبتك، وعليك بنفسك أكرم الأنفس عليك، وأحب الأنفس إليك، واعلم أنك مسئول ومحاسب ومعاقب، فارغب في الثواب، وارهب من العقاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقال عليه الســـلام في كتاب سياسة النفس: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم، ونسأل الله ولي نعمة الابتداء، ومسهل سبيل قصد الاهتداء، أن يمن علينا وعليكم بشكر نعمه في ابتدائه، ويحسن إلينا وإليكم بعونه على سلوك سبيل أوليائه، التي أرجو أن تكون أنفسكم لها وفيها، ولما أنتم عليه لله من التمسك بها، والقصد إليها من الأنفس التي أذن الله بعمارتها، ورمى إليها بأسباب حياتها، فقد عقد الله لكم بذلك لدينا عقد الخلة والإخاء، ووكد بذلك لكم علينا أخوة الخاصة والأولياء، فأيقنوا أنه لم يوصل سبب من الأسباب بين المتواصلين، ولم يعقد خلة من الخلل بين المتخالين من الأولين من خلق الله لا ولا من الآخرين بغير ما يرضي الله سبحانه من التقوى، ويستحقه جل ثناؤه من الطاعة له والرضى، إلا كانت وصلة حسرة وانقطاع، وخلة ندم غدا واسترجاع، يدعوا أهلها فيها بالويل والعويل، ويصيرون بها في الآخرة إلى خزي طويل، ذلك قوله جل ثناؤه: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67].
وقوله تعالى عن القائلين: يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا [الفرقان: 28، 29] ونحن نرجو وليكم الله أن يكون وصلة ما بيننا، وما عقد الله - فله الحمد - عليه خلتنا، سببا عقده الله بالإيمان، وأسسه منه على رضوان، فمن أحق بالتعظيم منا له؟ لما كانت الأبرار تعظمه، ومن خير ما قدمنا فيه ما كانت الأتقياء تقدمه، من كل ما كان لهم على بغيتهم من النجاة دليلا، وإلى ما يلتمسون من فوز حياة الخلد عند الله سبيلا، من التذكير في بقاء الآخرة، وفناء الدنيا بما ذكر، والائتمار في عاجل هذه الدنيا من التقوى بما به أمر، فافهموا ذلك فهمنا الله وإياكم سبيل الخير، ونفعنا ونفعكم فيها بمنافع التذكير، فإنه يقول سبحانه: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55]، والدنيا وإن كان عمرها قصيرا وبقاء أهلها فيها قليلا يسيرا، فاعلموا رحمكم الله أنها وإن كانت كذلك متجر لأرباح فوائد التقوى، ومكسب غنم لمن تكسب فيها، ومحل مخصب لمن تزود إليها منها، وذلك أنه خلقها سبحانه لعبادته، وأمر خلقه فيها بطاعته، ونعاها إليهم قبل فنائها، وأخبرهم جل ثناؤه بقصر مدتها وبقائها، فقلل بأحق الحقائق في أعينهم ما يستكثرونه من كثيرها، وقصر في كتابه الناطق عندهم ما يستطيلونه من تعميرها فقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا
تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 77، 78] وقال سبحانه: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات: 45، 46] وقال تبارك وتعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [يونس: 45].
وقال عليه الســـلام في موضع آخر من هذا الكتاب: واعلموا أن القلوب كالآنية المصدوعة، لما تنازع إليه من غرائزها المطبوعة؛ فإن لم ترهم صدوعها لم يصح مطبوعها، على بنية اعتداله فيما فطرها الله عليه من كماله، فزموها بالعلم بكتاب الله وترتيله، والوقوف على محكم تأويله، ففي ذلك لها تقويم وتعديل، وهداية ونور ودليل، على منهاج خالص الطريق المساير لها في حب الله وطاعته، وما أوجب الله على العباد من أثرته وعبادته، وبكتاب الله تنجلي عن القلب ظلم الحيرة، وبلطف النظر فيه يدرك حقائق العلم أهل البصيرة، وبسبيل الله فيه المطرقة بكون هدايات المتقين في الثقة في نيل الغايات القصوى، وبلوغ الدرجات العلى، وقد زعم بعض أهل الحيرة والنقص، ومن لا يعرف عين النجاة والتخلص أن الألطاف في النظر، يدعو صاحبه إلى الخيلاء والبطر، وإنما يكون ذلك كذلك عند من يريده للترؤس لا لما فيه، وما جعله الله عليه من حياة الأنفس، فانفوا مثل هذا عن ضمائركم، وسدوا ثلمة عيبه في سرائركم، واعلموا أن البحر لا يجاز يقينا بتا إلا بمعبر، وأنه قد يحتاج الشجاع المحارب إلى السلاح في الحرب فكيف بالغبي المغتر؟، فلا يتعاط أحد سبيل التقوى، وما قرن الله بها من التمحيص والبلوى، إلا وقد تحصن بالعلم والبصر، الذي ميز الله به بين أهل الخير والشر، فلا تدعوا - رحمكم الله - حسن النظر في الأمور، والاستضاءة في ظلمها بما جعل الله في العلم من النور.
واعلموا أن من أبواب ذلك ومفاتيحه، وأضواء ضياء نوره ومصابيحه، إخلاص العمل لله، وصدق التوكل على الله، وسبب الطريق إليها وعون من أراد ما فيها حسن الفكر في الدنيا وفنائها، وتقلب سرائها وضرائها، وفي حال جميع ما فيها من ملوك الأمم خاصة، ومن دونهم من الخلق جميعا عامة، فإنكم إن تفكرتم فتروا بعين الفكرة، وتبصروا أنهم جميعا منها وإن اختلفت حالهم فيها من السعادة والشقاء قد غشيهم من همومها كأمثال الجبال، ورمت بهم من غمومها في مثل لجج البحار، فالملك في شغل من ملكه، والمملوك في سطوة مالكه، والمكثر من إكثاره، والمقل من إقلاله، ولن يحاط بوصف أحزانها وأوجاع غموم سكانها.
وقال عليه الســـلام: فكم بالدنيا من غريق في لجج البحار، وكم فيها ولها من مبتلى بقتل أو أسار، وكم لطالبها، وإفراطه في حبها من ميت غريب ناء عن الولد والأوطان، بين غتم لا يعرفونه، وطماطم من السودان ينكرونه، لم يبكه هناك ولده ولا أقاربه، ولم تأسف عليه كما أسف عليها دنياه، بل تخلوا جميعا منه، وأعرضوا سريعا عنه، فورثوه غير حامدين له فيما جمع، وأسلموه إذ مات لما عمل وصنع، ولعل قائلا منهم أن يقول: ما كان أفحش حرصه وإيعاثه! أو قائلا منهم يقول: ما أقل أو ما أكثر تراثه! تلعبا بذكره، وتفكها في أمره؛ فاعرضوا هذا رحمكم الله على قلوبكم؛ لأن ينجلي لكم إن شاء الله ما فيها عن الدنيا من العمى، وانظروا إلى من زالت عنه القدرة من أبناء الملوك والعظماء، كيف صاروا إلى الضعة بعد الرفعة، والضيق بعد مضطربهم من السعة، بل انظروا بعد هذا كله إلى من كان هذا أكثر شغله، ألم تروا غلطهم في مسالكهم، ومرتطمهم في مهالكهم، واعتبروا بهم قبل أن تغرقوا في بحرهم، وتقعوا في مهالك أمرهم، وآثروا سبيل أحباء الله على كل سبيل، (واستدلوا بما كان لهم على سبيلهم) من دليل؛ فإن دليلهم فيه وعونهم عليه ما خالط فكرهم، وأحيوا به في الفكر ذكرهم من نعيم الآخرة الدائم المقيم، وما أعد الله لمن حاده في الآخرة من العذاب الأليم.
وكلامه عليه الســـلام كثير في هذا المعنى، وهو يخرج من قلب خاشع، وجنان خاضع.