نسبه عليه السلام:
هو الإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين بن شمس الدين بن الإمام أحمد بن يحيى المرتضى ، ولما توفي الإمام محمد بن علي الوشلي فزع أتباعه إلى السيّد العلامة علي بن صلاح بن الحسن بن الإمام علي بن المؤيد فطلبوا منه القيام فلم يسعدهم إلى ذلك، فاجتمعوا إلى الإمام شرف الدين فبايعوه في حادي عشر يوماً من جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، في أيام الإمام الحسن بن عزالدين كما أَسْلَفْتُ لك.بحث في قيام إمامين:
ومهما كان المتعاصران قد بلغا رتبة الإمامة، وتحلَّيا بجلباب الزعامة، فالأحقّ والأولى الحَمْلُ على السلامة، لأنَّ كلّ واحد منهما يريد إصلاح الأمة، وَلِتَحَتُّم وجوب القيام عليه عنده، ولا شكّ أن الإمام في نفسِ الأمر واحد، ولكن الله يقول: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ [الأحزاب:5]، وإنما قلنا إنه واحد في نفس الأمر لقيام الأدلّة عقلاً ونقلاً.أما العقل: فلأن قيام إمامين موجبٌ للإضطراب والفساد، واختلال نظام العباد، إذ النظر إلى الإمام فيما مرجعه إلى مصالح المسلمين والإسلام، ومن المعلوم اختلاف الأنظار وتغاير الآراء، فقد يرجِّحُ أحدُهما أمراً والآخرُ خلافه، ويظنّ أحدُهما الصلاح في شيء والآخر عكسه.
وأما النقل: فلو لم يكن إلا الإجماع على جواز الإمام الواحد، والخلاف في غيره، والإمامة مُشْتَمِلَةٌ على أمور شرعيّة لا يجوز تناولها إلا بدلالة قطعية، ولا دليل على ما عدا الواحد، أما القياس على الأنبياء ففاسد، لوجود الفارق وهو الوحي والعصمة، ولكونه ظنياً والمسألة قطعيّة، إذ هي من مسائل الاعتقاد، وأما حكاية الإجماع على الجواز فمعارضة بحكايته على المنع، مع كونها ظنية، على أن هذه أشهر وأظهر.
وأيضاً فقد ورد في السنة ما يقتضي المنع، نحو قوله صلى الله عليه وآله: ((من دعا إلى نفسه أو إلى غَيْرِهِ وهناك إمام فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)).
قال الإمام المنصور بالله في الشافي: والأمة تروي عن النبي صلى الله عليه وآله: ((إذا بُوْيع لخليفتين قُتِل الآخِر منهما))، ولم يَشْتَهِرْ عن قدماء العترة إلا المنع، ومن اطَّلع على أحوالهم، وتصفَّح صرائحَ أقوالهم، صحَّ له ذلك، وليس هذا موضع البسط والتبيين، وإنما أتينا بطرف من ذلك لجلالة هذه المسألة وعظم موقعها في الدين ولا بأس ببيان حجّة، وإيضاح محجّة، والله الموفق.
فأما من أقدم على ثَلْمِ أعراض أئمة الآل الهداة، فقد تسربل بسربال الوبال، وانتظمَ في سلك أرباب الضلال، وحقّ عليه غَضَبُ الملك المتعال، وحظَّه أَخْطَأ، وعلى نفسه أساء، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء:227]، وأعجب من هذا إنْ كان من خُلَطَاءِ الجَهْلِ، وأُسَرَاءِ التقليد، مَنْ جعلهم الله أقرب شَبَهَاً بالأنعام، المنهمكين على جمع الحطام، الذين لا يفرِّقون بين الحلال والحرام، قد تسمّوا بأهل المعرفة، وتَزَيَّوْا بشيء من تلك الصفة، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، لا يَكِلُوْنَ النظر إلى أربابه، ولا يقفون على ما هم أحق وأولى به.
فَتَصَاهَلَتْ عُرْجُ الحَمِيرِ
فَقُلْتُ مِنْ عَدَمِ السَّوابق
ضلّوا وأضلّوا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ألا إنهم هم الكاذبون.
هذا، وأما مَنْ طهَّرَهم الله عن الأرجاس، واصطفاهم على كافّةِ الناس، فليس بضارّهم شيئاً، فقد ألحقهم الله بآبائهم من النبيين، وقدس أرواحهم في عليين، وقد أوذي النبيُّ، وعُصِيَ الوصيّ، فما زادهم الله إلا علواً وارتفاعاً، ولا تجدُ ذلك إلا في همج الدنيا، وأتباع الهوى، وأما أولياء الله فلو ضُرِبُوا بالسيوف ما زادهم إلا حباً، كيف وقد أنزلهم الله في منزلتهم واصطفاهم من شجرتهم، وخالطهم الإيمان، ووقفوا على حقيقة العرفان، ورسخت أقدامهم على هدي السنة ومحكم القرآن، جزاهم الله عن أهل بيت نبيهم أفضل الجزاء.
نعم؛ وانتصر الإمام يحيى شرف الدين على عامر بن عبد الوهاب بعد حروب شديدة، وظفّره الله عليه، وكان خروج الجراكسة والأتراك.
وفاته عَلَيْه السَّلام:
سنة خمس وستين وتسعمائة عن سبع وثمانين، مشهده في بلاد حجّة بمشهد جدة.أولاده عليه السلام:
المطهّر، وشمس الدين، وعزّ الدين، ورضي الدين، وعلي، وعبدالله، والحسن، ومحيي الدين، وعبد التواب، هؤلاء الذي أعقبوا.وللإمام الأنوار الثاقبة والأنظار الصائبة في جميع العلوم، منها: الأثمار هذَّب به الأزهار، وهو مَالِكُ زِمَامِ الفصاحة والبيان، وكاشف لثام البلاغة والتبيان، وله قصص الحق في سيرة سيّد الخلق، صدرها:
لَكُمْ من الحبِّ صَافِيْهِ ووافيهِ
أنتم حلول فوادي وهو بَيْتُكُمُ
ومن هَوَى القلْبِ بادِيْهِ وخَافِيهِ
وصاحبُ البَيْتِ أدْرَى بالذي فيهِ
ولما دخل المشهد المقدس قال وهو آخذ بحلقة قبة الإمام الهادي إلى الحق أبياتاً فيها صورة الحال منها:
زُرْنَاكَ في زَرَدِ الحديد وفي القنا
وجحافلٍ مثلِ البحارِ تَلَاطَمَتْ
من كلِّ أروعَ من سُلَالة هاشمٍ
والمشـرفيّة والجياد الشزَّبِ
أمواجُهُنَّ بكلِّ أَصْيَدَ أَغْلَبِ
وبكلّ أَشْجَعَ من ذُؤَابةِ يَعْرُبِ
إلى أن قال يذكر تغلّب الأشراف الحمزيين:
من بعدِ أنْ حالَ القرابةُ دوننا
فأذاقَهم ربُّ العبادِ نكالَه
أبداً عدوّ الله لستُ أقيله
وتحزَّبوا حِقَباً أشدَّ تحزّبِ
في كلّ معركةٍ يشيبُ لها الصبي
لو أنه ابني أو شقيقي أو أبي
وله الآثار الحسنة، والمصالح العامة، وأيّامه هي الأيام الخضر النضرة، التي كانت فيها حياة العلم والدين والدنيا، ولجهاده وجهاد الأئمة المطهرين الأثر الأكبر في تثبيت قواعد الدين والخلافة النبوية في اليمن بعد أن كادت تقضي عليها أيدي الغزاة الطامعين.
قال السيد العلامة داود بن الهادي في التتمة:
وقامَ بالأمر مَنْ طابَتْ عناصرُه
فدوَّخَ الأرضَ من شامٍ إلى يمنٍ
أبو المطهر زاكي الفعلِ والأثرِ
بالبيض والبيض والخَطِّية السمرِ
وقال السيد العلامة عبدالله بن علي الوزير في تتمته:
وَوَاجَهَتْ نجلَ شَمْسِ الدِّين ناظِرَةً
مِنْ بَعْدِ أنْ أحْمَدَتْ في النَّاسِ سِيْرَتَه
وَناوَشَتْ عنه مجد الدّين فانقَلَبَتْ
ومهَّدَتْ لابنه الملكِ المطهَّرِ ما
ولا تَسْلْ عن أُمُورٍ من بنيه جَرَتْ
هم نابذوه لانصاع الحواسِدُ في
وأذعنوا بعدَ أن كفُّوا قواصِرَهم
إليهِ ثمَّ تولَّتْ عَنْه بالنَّظَرِ
وخلَّدَتْ ذِكْرَهُ في بَاطِنِ السّيَرِ
عنه الرَّعايا وَعَيْنُ الورْدِ بالصَّدرِ
غدا له كَسَـرِي أي منكسـرِ
ما أنتَ والفصْلُ بين العُودِ والثَّمَرِ
خلال ودّ أكيد غير مستترِ
بأنه منهمُ كالرأسِ للقَصَـرِ
وفي مطلع البدور أنه دعا أيام المطهر الإمام المهدي لدين الله الحسن بن حمزة بن علي بن محمد بن سليمان بن إبراهيم بن إسحاق بن سليمان بن علي بن عيسى بن القاسم بن علي بن محمد بن صلاح بن القاسم بن إسماعيل بن عبدالله بن محمد بن القاسم بن إبراهيم ، وكان فاضلاً كاملاً عالماً، انتهى.
وفي مشجَّر أبي علامة أن الإمام محمد بن القاسم أمر بعمارة مشهده بسودة شظب، قال ابن الوزير في تتمته:
وقَابَلَتْ حَسَناً بالغَدْرِ في شَظَبٍ
وأَقْنَعَتْهُ بِبَيْتٍ شَامِخِ الحَجَرِ