نسبه عليه السلام:
هو إِمَاُم الأُمَّة، وعالم الأئمة المهدي لدين الله أبو القاسم محمد بن القاسم بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن محمد بن الحسين بن علي بن عبدالله بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن عبدالله بن محمد بن الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة الحوثي .صفته عليه السلام:
كان تامّ الخلق، أبيض اللون، أنزع مقرون الحاجبين، أعين، كثّ اللحية، بعيد ما بين المنكبين.دعا بعد وفاة الإمام المتوكّل على الله المحسن بن أحمد سنة ثمان وتسعين ومائتين وألف، عقيب خروجه من أَسْرِ الأتراك، وقد كانوا غدروا به وبجماعة أعلام اليمن، منهم: السيد الإمام الولي محمد بن إسماعيل عشيش المتوفى بالسجن سنة ألف ومائتين وست وتسعين، والسيد الإمام مفتي اليمن أحمد بن محمد الكبسي، والإمام المنصور محمد بن يحيى حميد الدين، وسائر أقطاب العلماء في ذلك الزمن، ولبثوا في السجن سنتين، ثم يسّر الله خروجهم وفرّج بذلك على الإسلام والمسلمين، فجدّد الله به الدين، وأقام به شريعة سيّد المرسلين، ولبّى دعاءه علماء الأمة لما قرع أسماعهم وجوب طاعته، وتحتّم ولايته، حاملاً للكتاب، مبيّناً لفرائض ربّ الأرباب، واغترف منه العلم مجتهدوا عصره، والعلماء الأعلام من أبناء دهره، وكانت تَرِدُ إليه المسائل في أنواع العلوم، فيَكْشِف دَيْجُوْرَها، ويبيّن مستورها، بأَوْضَحِ بيان وأجلا برهان، وبلغت فتاويه مجلّدات جمة، جمع بعض العلماء منها قسطاً من المباحث المهمة، فمنهم من قدّرها بالشافي، ومنهم من قدّرها بالبحر الزخّار، وكان يصل إليه العلماء بالسؤالات حتى أيام الجهاد.
ومن مؤلّفاته(ع):
الموعظة الحسنة، وله منظومة في الجنايات صدرها:باسْمِ إلهِ العرْشِ يُمْناً ومعصماً
وعونكَ يا رحمنُ بِدْءاً ومختماً
والبدور المضيئة جوابات الأسئلة الضحيانية، التي وجَّهها القاضي العلامة صارم الدين إبراهيم بن عبدالله الغالبي المسمّاة بالمشكاة النورانيّة إلى الإمام الأعظم المهدي لدين الله رب العالمين محمد بن القاسم الحوثي رضوان الله عليه، وهي مشتملة على مسائل في فنون العلم، منها ما كان مُغْلقاً لم يظهر وَجْهُهُ، ومنها مواضع قد خاض فيها الأئمة، فأرادوا اسْتِيْضَاح ما يختاره الإمام فيها، فأجاب عليها الإمام بكتابه المسمى البدور المضيئة، ومما تضمَّنته تلك الجوابات المهمّة من العلوم التي جلى بها الغمّة، بيانه لانهدام قواعد الإرجاء، وفصول كلامه في مسائل الإمامة، وتأويل الآيات والأخبار التي ظواهرها متصادمة، والتوجيه الوجيه لكلام الله سبحانه في آية الأمر لنبيه لوط بالإسراء، والتفسير المنير لغيرها من الآيات، وتوضيح النكات النيّرات، في الأصولين والعربية والفقه وغير ذلك من الأبحاث الشريفة، والأنظار الثاقبة المنيفة، ولا غروَ فإنها نابعة من عباب العلوم، ولباب المنطوق والمفهوم، الذي اغْتَرَفَتْ من فياضه علماء الأمة، وارْتَشَفَت من فضالته أعلام الأئمة.
قال السائل ¥ بعد أن اطّلع على جوابات الإمام : وبعد فلما وصلت هذه الجوابات الفريدة، والحِكَمُ البديعة المفيدة، التي بها تَنْشَرِحُ الصدور، وبالتمَلِّي فيها يحصلُ الفَرَحُ والسُّرور، قد كَشَفَتْ عنّا غَيَاهِبَ الظُّلَم، ورَفَعَت الهمم، ولقد اشْتَمَلَتْ على معانٍ تصدَّع نُوْرُها مُسْتَنِيْراً، وظَهَرَ شعاعُها مُسْتَطِيْراً، حتى صارت مُشْرِقَةَ الجوّ، مُغْدِقَةَ النوّ، مُوْنِقَةَ الضو، تضعف الخَوَاطِرُ عن إدْرَاكِ معانيها، وتَصْغُرُ القَرَائِحُ عن اقْتِرَاحِ ما يُسَاويها، قد عَمّ نُوْرُها عند وصولها الآفاق، وسَمَتْ وارْتَفَعَتْ على طَوِيْلاتِ الأَعْناق.
إلى أن قال في وصفها: الرَّوْضَةُ الجامعة لكلّ بلاغَة أَنِيْقة، والمحتوية على كلّ معنى حسن وفصاحة غَدِيْقَة، سَقَتْ سماءُ المعاني رِيَاضَ أَلْفَاظِها، فنَبَتَتْ بأحكامٍ ومعانٍ زكى نباتُها، وأَيْنَعَتْ ثمارُها، فهزّتها لَوَاقِحُ الأفكار والأنظار، فتَسَاقَطَتْ ثمارُها، فلا يبرح الناظر مُسْتَخْرِِجاً للدُّرَرِ الحِسَان، إلى أن يَنْتَهي إلى ما لا يخطر على الأسماعِ والأذْهان.
حتى قال: فعَادَ الظَّلام منها ضِياءً ونوراً، وابْتَهَجَ القلبُ بها فَرَحَاً وسُرُوراً، كيف لا تَكُونُ كذلكَ ومُنْشِيْها ومُرَصِّعُ دُرَرِ ألْفَاظِها ومُوَشّيها، مَنْ خَاْضَ في بحارِ العلوم، فاسْتَخْرَجَ الدَّقَائق، وَوَقَفَ على خَفِيّات الحقائق، مولانا أمير المؤمنين وسيّدُ المسلمين، المهدي لدين الله ربّ العالمين أيَّد الله الدين ببقائه، وضَاعف به الرحمة على أوليائه، وأَعْظَمَ به النِّقْمَةَ على أعدائِه، وأحيا به الميت من الإسلام، وأشاد به ما اندرس من الأحكام، وكان له خير ناصر ومعين، وحفظه بما حفظ به الذكر المبين، ثم قال:
هذي الرياضُ التّي قد رَاقَت البَصَـرا
كانَتْ مَسَائِلُنا لَيلاً فَلاحَ لها
كَانَتْ مَسَائِلُنا بكراً مختّمَةً
قَدْ أطْفَأتْ نارَ كَرْبي إذْ رَأَيْتُ بها
.. الأبيات.
فَسَـرّح الطّرْفَ فيها تَبْلُغ الوَطَرا
نورٌ يضـيءُ كَضَوْءِ الشّمْسِ إذْ ظَهَرا
ففضّها مَنْ لِبَيْتِ المجْدِ قَدْ عَمَرا
سُؤْلي وشاهدتُ ما للعَقْلِ قَدْ بَهَرا
وكان إرسال السؤالات سنة تسع وتسعين ومائتين وألف.
من العلماء الأعلام في ذلك العصر:
ومن العلماء الأعلام في ذلك العصر بضحيان السيد الإمام طود العلوم، ومدرس منطوقها والمفهوم، عبدالله بن أحمد بن محمد بن حسن بن يحيى بن محمد بن حسن بن علي بن حسن بن علي بن أحمد بن حسن بن علي بن صلاح بن الحسن بن الإمام علي بن المؤيد البصير العنثري المتوفى عام خمسة عشر وثلاثمائة وألف، وأولاده الأعلام سيأتي ذكرهم، وحالُ هذا السيد الإمام وأمثاله من علماء أهل البيت وشيعتهم الكرام في قيامهم بأَمْرِ إمامة الإمام المجدّد للدين أمير المؤمنين المهدي لدين الله رب العالمين محمد بن القاسم الحوثي قدس الله أرواحهم في علّيين، ودعاؤهم إليه وإقبالهم عليه، وثبات عزائمهم عند اضطراب الفتن ومَوَجان المحن، يحاكي أحوال أنصار الدين في أيام الأئمة السابقين القائمين بما افترض الله عليهم من إجابة داعي الله، وإقامة حجة الله، والجهاد في سبيل الله، والمصابرة على ما نالهم في ذات الله، وبهم انتشر العلم وظهر نوره، وتجلّت في سماء العرفان شموسه وبدوره.من العلماء الذين أخذوا عنه (ع):
ومن العلماء الذين أخذوا عن الإمام المهدي في هجرة حوث وغيرها، وهاجروا إليه إلى جبل برط: السيد الإمام الحسين بن محمد الحوثي ¥، وله إليه سؤالات وأجاز له الإمام، وهو من أعلام أهل ولايته، قال في بيان طرقه: حسبما أجاز لي مشائخي شكر الله سعيهم منهم إمام الزمان وترجمان البيان ومعدن التبيان الحجة مولانا محمد بن القاسم الحوثي، وقال في موضع آخر: الإمام سيّد بني الحسين والحسن، إمام العلوم، معقولها ومنطوقها والمفهوم، ذو الأقوال الواضحة، والأنظار الراجحة، محمد بن القاسم رضي الله عنه.ومن العلماء الذين أخذوا عن الإمام المهدي لدين الله محمد بن القاسم الحوثي : الإمام المنصور بالله محمد بن يحيى حميد الدين، وأولاد الإمام الكرام الأعلام محمد، وإبراهيم، والقاسم، ويوسف، وسيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى، والقاضي العلامة شيخ الإسلام محمد بن عبدالله الغالبي، وأجاز له الإمام المهدي إجازة عامة في جميع علوم الإسلام، وهو من أجلّ ولاته ودعاته والقائمين بموازرته ومناصرته، ومن كلامه في بيان إسناده قوله: مولانا مجدّد ما اندرس من العلوم، ومحقّق منطوقها والمفهوم، أمير المؤمنين المهدي لدين الله رب العالمين محمد بن القاسم بن رسول الله صلى الله عليه وآله، فقد أجازني إجازة عامة في جميع ما صحّ له.....إلى آخره.
ومنهم: السيد العلامة الهمام محمد بن الإمام المتوكل المحسن بن أحمد المتوفى عام اثنين وخمسين وثلاثمائة وألف، والسيد العلامة وجيه الإسلام عبد الرحمن بن أحمد الحسيني الملقب بعشيش، والسيد العلامة الحسين بن محمد الحسيني الحوثي، الملقب الأعضب، والسيد الإمام نجم الأعلام الحسين بن عبدالله الشهاري المتوفى عام ثمانية عشر وثلاثمائة وألف، وهو ممن هاجر في أيام الإمام إلى جبل برط، هو وولده المولى العلامة فخر الإسلام عبدالله بن الحسين الشهاري المتوفى عام اثنتين وستين وثلاثمائة وألف.
ومنهم: السيد العلامة الحافظ أحمد بن يحيى العجري المتقدّم نسبه في سيرة الإمام الحسين بن علي المؤيدي، وله إلى الإمام المهدي سؤالات عديدة، وجمع من جوابات الإمام المفيدة كتاباً سمّاه سفينة النجاة، وولاّه الإمام المهدي القضاء في بلاد الشام، وأخوه السيد العلامة الولي عبدالله بن يحيى العجري، وأخوهما السيد العلامة المجتهد الجهبذ الولي علي بن يحيى العجري المؤيدي، المتوفى سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف، وأجاز لهم الإمام إجازة عامة.
وكذلك السيد العلامة الزاهد يحيى بن حسن طيّب المتوفى عام ثمانية عشر وثلاثمائة وألف، المنتقل هو وأهله من تهامة إلى هجرة ضحيان، وهو من ذرّيّة الكامل عبدالله بن الحسن بن الحسن .
والإمام الهادي لدين الله الحسن بن يحيى المؤيدي القاسمي، والسيد الإمام الولي عبدالله بن عبدالله المؤيدي العنثري المتوفى عام ستة وخمسين وثلاثمائة وألف، وأخوه العلامة وجيه الإسلام عبد الرحمن بن عبدالله، وأخوهما العلامة الأوحد عبدالكريم بن عبدالله توفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف، وأجاز لهم الإمام جميعاً إجازات عامّة، والسيد العلامة جمال الإسلام علي بن الحسين الحسيني الحوثي المتوفى بجبل رازح سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف.
ومنهم السيد العلامة سيف الإسلام أحمد بن قاسم حميد الدين المتوفى عام اثنين وخمسين وثلاثمائة وألف، والقاضي العلامة محمد بن علي الرصاص، والقاضي محسن بن حسين الشوكاني، والقاضي العلامة أحمد بن يوسف العنسي، والقاضي العلامة شرف الدين حسن بن أحمد العنسي، والقاضي العلامة علي بن محمد الرصاص، والقاضي العلامة عالم العباد إسماعيل بن يحيى العنسي المتوفى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وألف، والقاضي العلامة علي بن أحمد صوفان، والقاضي العلامة إمام علوم القرآن وشيخ شيوخ الإتقان إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل المتميز، قال العلامة وجيه الدين عبد الرحمن بن الحسين سهيل رحمه الله في ترجمته: وكان الإمام المهدي محمد بن القاسم يكاتبه - أي المتميز - كثيراً، ويأمره بأخذ بعض الحقوق، وكان رحمه الله عند ظنّه وله إليه أسئلة كثيرة، وفاته: سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف، والقاضي العلامة صارم الإسلام إبراهيم بن يحيى سهيل المتوفى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف.
ولم تزل أحكام الإمامة على منهج الأئمة السابقين من الأخذ بالعزائم، وبيان ما أنزل الله، وإنارة أعلام الدين، لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولازم تكرير الدعاء للخلق، ونفذت رسائل الدعوة الشريفة إلى أقطار الأرض مثل مكة المشرفة، وينبع والصفراء، وجبل الرس وغيرها، منها الموعظة الحسنة السابق ذكرها، بيّن فيها ما أوجب الله عليهم من أصول الدين والشريعة، واستعمل العلماء المجتهدين فقاموا بأحكام الله أتمّ قيام، وبذلوا أنفسهم ونفيسهم في طاعة الله وطاعة الإمام، وبه جدّد الله الدين في المائة الثالثة بعد الألف.
ولم يزل مُعَلِّماً للأمة معالمَ دينها، مرشداً لها إلى طاعة ربها إلى أن قبضه الله يوم الجمعة من رجب سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف، وذلك أنه حال نزول أمر الله تعالى أخذ مصحفه الكريم بعد أن أتمّ صلاة العصر واتَّكأ على سجادته في موضعه المبارك، ولم يزل رضوان الله عليه على تلك الهيئة يردّد ذكر الله تعالى ولا يجيب على أحد بجواب مدّة ثلاثة أيام، حتى لحق روحه الشريف بالله تعالى، مشهده بهجرته المباركة في جبل برط، وقد كان انتقل إليه، وكانت أوطانه صنعاء والسرّ وحوث.
قال في بعض خطب الدعوة الشريفة: الحمد لله الذي خَلَقَ الخلائق، وأوْضَحَ الطرائِقَ، وعَلِمَ مكنونات الضمائرِ على الحقائق، لا يَفُوْتُه هارِبٌ على مرّ الأزمان، ولا يسبقه في حُكْمِهِ سَاْبِقٌ، حَكَمَ فعَدَلَ، وبيّن ففَصَّل، وقال فَصَدَقَ، وأَمْهَلَ وما أَهْمَلَ، وأمر بقول الحق وإن شقّ على المفْضُوْلِ والأَفْضَلِ، والصلاة والسلام على الذي ما ترك باباً من أبوابِ الخيرِ إلا دلَّ عليه، ولا باباً من أبواب الشرِّ إلا حذَّر عنه، المرتفع على يَافُوْخِ المَجْدِ، المعقود عليه لواء الحَمْدِ، وعلى آله القائمين مقامه في تبليغ الرسالة، وإيضاح الدلالة، قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر:32]، وقال على لسان رسوله: ((إنَّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)) لفظاً ومعنى، وقال صلى الله عليه وآله: ((مَنْ سَمِعَ وَاعِيَتَنَا أهل البيت فلم يجبها كبّه الله على منخريه في نار جهنم)).
إلى أن قال: لا جرم وجبَ تقديمُ حقِّ الله، والإفصاح بكلمة الله، والتعبير عن كتاب الله، لما أخذ الله من الميثاق.
ومنها: ونحن ندعو إلى الكتاب والسنة، وما جاء به الله ورسوله، وإحياء معالم الدين، والجهاد في سبيل رب العالمين، والذبّ عن المسلمين، لا نبالي بوفاق من وافق،، ولا بشقاق مَنْ شَاقَقَ؛ لأن الله قد واعدنا إعزازَ الدِّين وبيانه، ونصر الحق وأعوانه، وقد شاهدنا عنوان ذلك، وأهرع الجمّ الغفير إلى ما هنالك، وأجابوا ولبّوا، ونشرت أعلام الجهاد، وظهر الصلاح على العباد، مع أنّا على ثبات من أمرنا وبصيرة في ديننا، وبيّنة من ربنا، واثقين بوعد الله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا [غافر:51]، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج:40].
إلى أن قال: جَرَّدْنا العزيمة غِيْرَة لدين الله تعالى، وقمنا بهذا الواجب العظيم تعظيماً وإجلالاً لقول الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا [فصلت:33].
ومنها: وإنَّا بحَمْدِ اللهِ لما قُمْنا بهذا الأمر دَعَوْنَا الأُمَّةَ لما فيه صَلاحُها ورشادُها، وخيرها وسدادها، وامتثلنا أمر ربنا عز وجل فيما أوجب علينا، وحمّلناهم الحجة فيما أوجب عليهم، وأودع من الأمانة لديهم.
بعد أن قال: ولا زلنا نبذل النفوس والنفيس طلباً لإعزاز الدين، والذبّ عن شريعة سيد المرسلين، وإحياء سنة الجهاد التي هي طريقة الأنبياء والأئمة الراشدين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ونتنقل لطلب النصرة من بلاد إلى بلاد، ونركب متون الأغوار والأنجاد، ونكرّر الوقائع بأهل الزيغ والإلحاد، وأهل البغي والفساد.
إلى أن قال: ونحن إن شاء الله على ذلك المنوال من غير كلال ولا ملال، بعون الكبير المتعال: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ108 [يوسف:108].
ومن كلامه: اعلم أنها ما دخلت الشُّبَهُ والجهل المركّب على كثير من المقلّدين، بل وبعض أهل التمييز من أهل العلم الذين ليسوا براسخين، إلا من اتباع الظنون، وإلحاق المعلوم بالمظنون، وعدم الأخذ للمباحث العلمية من مواضعها، واقتطافها من أصولها، ومباحثة العلماء الراسخين فيها، وإلا فالله قد أبان كل شيء.
ومن كلام له عليه السلام:
اعلم أن الإمامة الشرعيَّة خَلَفُ النبوّة في الوجه الذي وجبت لأجله، وهي مسألة عظيمة الشأن، ساطعة البرهان، من أصول المسائل، المبتنى عليها كثير من الشرعيات والوسائل، وقد أثنى الله في كتابه العزيز على القائم بها تعبداً واحتساباً، الكامل بأوصافها خَلقاً وخُلقاً وانتساباً.وساق البيان في فضلها من كتاب الله، ثم أورد بحثاً طويلاً، قال في آخره: فهذا ما ندين الله به، مع أن الحديثَ ذو شُجُوْن وذيولٍ لا يَغُوْصُ في أَعْمَاقِها إلا العالمون المُخْلِصُونَ، والمخلِصُونَ على خَطَرٍٍ عَظِيْمٍ، وإنما كَشَفْنَا وَجْهَ المسْأَلَةِ لوُجُوْبِ بيانِ ما أَنْزَلَ اللهُ من البيِّناتِ والهُدَى، ولما بلغ إلينا من تَخْلِيْطِ بَعْضِ أهْلِ العِرْفَان، فما ظَنُّكَ بِخُلَطَاءِ الجَهَاْلَةِ، وأُسَرَاءِ التّقْلِيْدِ، قادَ اللهُ بنواصي الجميع إلى ما يحبّ ويرضى.
وفيها: فيسعنا الاستقامة والصبر والإنتظار، كما أمرنا جل وعلا، والحجة على هذه الأمة لازمة، والبراهين قائمة، والله المستعان، وعليه التكلان، انتهى.
وأولاده (ع):
قد سبق ذكر الأربعة الكبار الذين أَدْرَكُوْهُ وأخذوا عنه، وبلغوا درجات الأئمة، واتصفوا بصفات آبائهم هداة الأمة: محمد توفي في حال جهاده للأتراك بصنعاء سنة اثنتين وعشرين، وعمره ثمانية وثلاثون عاماً.وإبراهيم توفي قبل وفاة الإمام بأيام، وعمره اثنان وثلاثون، قال الإمام مُتَمَثِّلاً في صدر ترثيته له:
أَتَدْرِي مَنْ تخرّمت المنونُ
ومَنْ ذا أَثْقَلَ الأعْيانَ حملاً
ومَنْ في جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ أَضْحَى
.. إلى آخرها.
ومَنْ أَرِقَتْ لِمَصْـرَعِهِ العُيُونُ
وخَفّ لحزْنِهِ العَقْلُ الرّصينُ
لديه الظّلُّ والماءُ المعينُ
وقد تَرْجَمَ له العلامة الولي عبد الرحمن بن الحسين سهيل رحمه الله، - وقد بلغ في تراجمه إلى حرف الحاء المهملة -، فقال: كان رحمه الله عالماً عاملاً، كاملاً فاضلاً، زينة الزمن، وحسنة من محاسن اليمن، علامة في المعقول والمنقول، محققاً للفروع والأصول، جامعاً للفنون العلمية، والمعارف الدينية، والآداب اللطيفة، والشمائل الظريفة، مع ديانة وورع، وحسن خلق.
إلى أن قال: كان من الأعيان المشار إليهم علماً وعملاً، ورياسة وحيازة لخصال الكمال وكمال الخصال، أخذ عن والده الإمام فارتوى من معين علمه الصافي، واكتسى من فاخر رداء فضله الوافي، فصار علماً ظاهراً وبدراً سامراً..إلى آخر الترجمة.
والقاسم توفي عقيب وفاة الإمام في ذلك العام، وعمره اثنان وثلاثون.
ويوسف توفي سنة اثنتين وعشرين بحوث، وعمره إحدى وثلاثون، وكان حال الجهاد ملازماً لأخيه محمد بن الإمام، وكان بصحبتهما كثير من الأعيان.
والحسن توفي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف، وأحمد توفي سنة 1362هـ والحسين توفي سنة 1369هـ، وعلي توفي سنة 1364هـ، وهؤلاء الأعلام الكرام، وهم ينيفون على العشرين، والمعقبون منهم: محمد، والقاسم، ويوسف، وأحمد، وعلي، والحسن، والحسين، رضي الله عنهم.
وقد بَسَطَ ترجمةَ الإمامِ في: النفحات المسكية سيرة الإمام المحسن وغيرها، فإن أئمة الإسلام والعلماء الأعلام مقرّون بفضله وسبقه، معترفون بعلمه وحقّه، منهم: الإمام محمد بن عبدالله الوزير الذي كان باقياً على دعوته من قبل قيام الإمام المحسن، ومن بعده، ولقد أقسم الإمام المتوكل المحسن لَيُطِيْعُنَّه - أي الإمام المهدي - أو ليتفرّقُنَّ تحت كلّ كَوْكَبٍ، والإمام محمد بن يحيى، وسائر علماء الأمة، وإنما تعرّضت لهذا لما أنه قد أكثر القَعْقَعَةَ خلف الإمام بَعْضُ من لم يكن في العِيْرِ ولا في النَّفِيْرِ بجانب أولئك الأعلام، مع أنهم لم يستطيعوا أن يتكلّموا في جانب الإمام بأيّ كلام، خشية الافتضاح بين الأنام.
وإلى إسماعيل بن الحسن الثالث من آباء الإمام المهدي ينتسب السيد الإمام المجتهد المطلق إبراهيم بن عبدالله بن إسماعيل مؤلّف نفحات العنبر بفضلاء اليمن في الثاني عشر وغيرها، المتوفى سنة 1223هـ، عن ست وثلاثين سنة.