الحديث 2026-04-29

حقيقة علوم الحديث

سيدي العلامة الحجة مجد الدين المؤيدي عليه السلام

علوم الحديث

[حقيقة علوم الحديث]
قال⁣(⁣٢): وأنا أسال الله الإعانة والتوفيق، والسلامة من وعثاء⁣(⁣٣) هذه الطريق،  فأقول: علوم الحديث هي: القواعد التي تعرف بها أحوال الحديث، وأحوال رواته، وما يتصل بذلك.   قلت: المراد بالحديث والخبر هنا: ما نقل عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من السنة، الشاملة للقول، والفعل، والترك، والتقرير؛ ويطلق على ما نقل عن غيره صلى الله عليه وآله وسلم أثر؛ وبعضهم يعمم، وبعضهم يفصل؛ فالحديث خاص بما هو عنه صلى الله عليه وآله وسلم والخبر عام، إلى غير ذلك من الاختلاف؛ وكل ذلك مرجعه الاصطلاح، ولا حاجة هنا إلى الكلام على معناهما، وبيان أقسامهما، فله مقام آخر هو أخص به.
[المتواتر ومفاده]
  قال: ثم إن الحديث، إما إن تعلم صحته بكثرة رواته كحديث الغدير والمنزلة، وقتل عمار، وإمامة الحسنين، فهو المتواتر.   قلت: وهو لغة: المتتابع من الأمور شيئاً بعد شيء بفترة لايتخلل زمان كثير فيكون منفصلاً، ولا قليل فيكون متصلاً، مأخوذ من الوتر.   واصطلاحاً: خبر عدد لا يكذب عادة.   قال: وهو ضروري عند أئمتنا والجمهور، خلافاً للبغدادية، والملاحمية، وبعض الأشعرية.   قلت: فعندهم أنه معلوم استدلالاً، والحجة عليهم أنه لو كان استدلالياً لتوقف العلم به على نظر الدليل، ولما حصل لمن لم يكن من أهل النظر كالصبيان، والبُله، والعوام؛ والمعلوم خلافه؛ وإمكان ترتيب الدليل لايوجب الاحتياج إليه، فإن صورة الترتيب ممكنة في كل ضروري، نحو: الاستدلال على أن الأربعة زوج بما صورته الأربعة منقسمة بمتساويين، وكل منقسم بمتساويين زوج؛ وغير ذلك.   قال: وتوقف الموسوي، والآمدي.   ولاتنحصر تلك الكثرة في عدد مخصوص، وأقلها خمسة في الأصح.   قلت: قال المؤلف في الفصول⁣(⁣١): وضابطه ما حصل العلم عنده.   إلى قوله: الجمهور خمسة، وهو المختار، انتهى.   قال: أو بقرائن تنضم إليه كالإخبار لملك بموت ولد له مدنف مع صراخ، وانتهاك حريم، ونحو ذلك؛ فهو المعلوم بالقرائن، وأنكره الجمهور، ويعز وجوده في الشرع، وقيل: بل يعدم.   قلت: في الفصول، وشرحه، للسيد الإمام صلاح بن أحمد المؤيدي (ع) ما لفظه: المؤيد بالله، والمنصور بالله في رواية رواها عنه القاضي عبدالله، والإمام يحيى، وغيرهم من علمائنا، كالإمام محمد بن المطهر، والسيد محمد بن جعفر، والحفيد في تعليقه، وإليه ذهب إمامنا المنصور بالله - أي القاسم بن محمد -، وبعض الأشعرية كالرازي، والسبكي، والبيضاوي، وابن الحاجب، والآمدي: يحصل العلم بخبر العدل؛ لكن مع قرينة زائدة على ما لاينفك التعريف عنه.   إلى قول الشارح في حجتهم: بأنا نجد العلم بخبر الواحد مع القرينة من أنفسنا وجداناً ضرورياً لايتطرق إليه الشك، انتهى المراد.
[المتلقى بالقبول]
  قال⁣(⁣٢): أو بالنظر، وهو ما حَكَم بصحته المعصوم كالأمة، أو العترة، فهو المتلقى بالقبول، ومختار أكثر أئمتنا، وبعض الأصوليين، والمحدثين، أنه معلوم كالمتواتر.   قلت: البعض من الأصوليين: أبو هاشم، والقاضي عبد الجبار، والغزالي؛   ومن المحدثين: ابن الصلاح، وغيره؛ والمراد بكونه كالمتواتر في القطع بصحته، وإن كان المتواتر ضرورياً، والمتلقى نظرياً.   قال في الفصول⁣(⁣١): فعلمُ صحته بالنظر.   قال الشارح: بأن يقال: لو لم يكن صدقاً بأن كان كذباً لكان استنادهم إليه خطأ، وهم معصومون؛ ولله درّ المؤلف حيث يقول:   وَإنَّ التَّلَقِّي بِالقَبُولِ عَلَى الَّذِي ... بِهِ يَسْتَدِلُّ المَرءُ خَيْرُ دَلِيلِ   وَمَا أُمَّةُ المُخْتَارِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... تَلَقَّى حَدِيْثًا كَاذِبًا بِقَبُول   قلت: وتفسيره هذا للمتلقَّى بالقبول أوضح من تفسير غيره.   وأما القسم الذي ذكره ابن الإمام (ع) في الغاية، بقوله⁣(⁣٢): ومنه خبر الواحد إذا أجمع على العمل بمقتضاه للعصمة عن الخطأ، وقيل: مع الحكم بصحته، انتهى. فغير متضح؛ لأنه إن أراد العمل بمقتضاه مع الاستناد إليه، فهو هذا؛ إذ ليس المراد من الحكم إلا العلم بالاستناد إليه، وإن أراد من دون استناد إليه، فغير صحيح، لاحتمال أن يجمعوا على معناه مستندين إلى غيره، كما أشار إليه السيد الإمام المحقق في شرح الفصول؛ ولا يلزم ما ذكره ابن الإمام (ع)⁣(⁣٣) من لزوم تخطئتهم في الاستناد؛ لأن المفروض خلافه.
[انقسام الخبر إلى معلوم الصدق والكذب]
  نعم، والأكمل في التقسيم ما ذكره المؤلف في الفصول بقوله⁣(⁣٤):   (فصل) وينقسم الخبر إلى ما يعلم صدقه، وإلى ما يعلم كذبه، وإلى ما يحتملهما، فالأول ضروري بنفس الخبر كالمتواتر لفظاً، أو معنى، أو بغيره   كالموافق لضروري.   قال السيد الإمام، صلاح الإسلام: وهو الخبر عن البديهيات، نحو: الواحد نصف الاثنين.   إلى قوله: فلولا تقرره في عقولنا لما علمنا صدق من أخبر به.   قال المؤلف⁣(⁣١): واستدلالي عقلي، كخبره تعالى.   قال صلاح الإسلام: وهو عند أهل العدل أن الله عدل حكيم لايفعل القبيح.   قلت: لقبحه، وغناه تعالى عنه، وعلمه بهما؛ وفعله لو فرض مع ذلك خلاف الحكمة ضرورة، تعالى الله سبحانه عن ذلك.   قال: وقبح الكذب معلوم ضرورة.   قلت: مع عدم الحاجة إليه، والحكيم يتعالى عز وجل عنها؛ وإنما طوى هذا للعلم به.   قال المؤلف (ع)⁣(⁣٢): وخبر رسوله.   قال صلاح الإسلام: دليل صدقه عند أهل العدل أن الله تعالى أظهر المعجز عليه، تصديقاً له، ودليلاً على عصمته، والله تعالى لايصدق الكاذب؛ لأن ذلك قبيح، والله لايفعل القبيح.   قلت: والبرهان عليه ما تقدم.   وشرعي: كخبر الأمة والعترة، وكذا موافقهما.   قلت: ومن المعلوم صدقه ما ذكره بعد هذا البحث، في قوله⁣(⁣٣):   (فصل) وما أخبر به واحد.   قال صلاح الإسلام: أو ما في حكمه إلى الأربعة، بل حاصله مالم يفد التواتر.   قال صارم الدين (ع): بحضرة خلق كثير.   قلت: ضابطه جماعة لايكذب مثلها.   قال: علم أنه لو كان كذباً لعلموه، ولا حامل لهم على السكوت، فهو صدق قطعاً للعادة؛ وكذا ما أخبر به بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يتعلق بشريعته أو معجزاته، أو نحو ذلك.   قال صلاح الإسلام: كأن يكون مما لايعلم إلا من جهته، كأخبار الآخرة؛ ولم ينكره.   قلت: والأحسن في تحقيقه ما ذكره ابن الإمام (ع) بقوله: ومنه في الأصح ما أخبر به بحضرته (ع) مع دعوى علمه به مطلقاً، أو عدمها، إن كان دينياً لم يعلم خلافه، أو علم ويجوز تغيره، أو دنيوياً لايخفى عليه، ولم ينكره، انتهى.   قال صارم الدين (ع)⁣(⁣١): والثاني: - قلت: أي ما يعلم كذبه. قال: - نقيض ما علم صدقه.   والثالث: - قلت: أي ما يحتملهما. قال: - خبر الواحد.   قلت: أي الآحادي، سواء كان واحداً أو أكثر، مهما لم يقطع بصدقه؛ وكثيراً ما يطلقون خبر الواحد، والمراد ذلك، وهذا القسم محرر في علوم الحديث، فيرجع إليه.
[الكلام على الآحادي وأنواعه]
  قال⁣(⁣٢): وإن لم يعلم صدقه فهو الأحادي، وقد يظن صدقه كخبر العدل، أو كذبه كخبر الكذاب، أو يشك كالمجهول؛ والعمل به - قلت: أي بخبر العدل.   قال: واجب لحسن العمل بالظن عقلاً.   قلت: ليس الدليل هذا على قبوله، وإلا لزم قبول خبر بعض الصبيان، وكافر التصريح وفاسقه، الذين يُظَنُّ صِدْقُهُم؛ والعقل إنما يدل على حسن العمل بالظن في جزئيات، يكفي فيها أدنى منبّه، ولو خبرَ صبيٍّ أو كافرٍ صريحٍ، أو أيَّ أَمارةٍ ضعيفةٍ لخطر الإقدام، وعدم الضرر في الإحجام، كالإخبار بسمّ الطعام، وقد حقّقتُ المختار في ذلك بدليله، في الرسالة الموسومة بإيضاح الدلالة⁣(⁣١)، بل المعتمد في الدليل على القبول ما أوضحه بقوله⁣(⁣٢): ولإجماع الصحابة المعلوم، ولإرساله صلى الله عليه وآله وسلم الآحاد، وتقريره المسلمين على قبوله.   قلت: ومتى كان هذا الدليل على القبول، وهو المعلوم، فلا يقبل إلا من كان على صفة من أرسلهم صلى الله عليه وآله وسلم، ووقع الإجماع على قبولهم، من أولي العدالة والثقة المحققة، لا ذوي الكفر أو الفسق لا الصريح ولا التأويل؛ لعدم الدليل، بل للدليل على المنع، نحو قوله عز وجل: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
[فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ]
[هود ١١٣]
، و إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا
[الحجرات ٦]
، ولا يصلح ما ادعوه من الإجماع على قبول المتأول لتخصيص الآي ولا تأويلها؛ لعدم البرهان عليه، وإنما هي حكايات معارضة بحكايات مثلها في الرد.   ومما يبين أنها دعاوى مجردة، أنهم لم يأتوا بقضية واحدة عن أهل الإجماع الذي زعموا في الصدر الأول، تفيد قبول خصم لخبر خصمه أو شهادته؛ ولقد استرسلوا لتكثير الروايات، حتى قبلوا عن المصرح بالكفر أو الفسق المجمع على ردّ روايته، إلا من عصم الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.   فالراجح البقاء على الأصل الأصيل، الذي هو مقتضى الدليل، وهو الأحوط في الدين؛ كيف، وهو عز وجل يقول: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
[الإسراء ٣٦]
، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ١٦٩⁣[البقرة]؟ ولا وجه للتأويل، وإخراج العلم   عن حقيقته، وهو عام لايخرج منه إلا ما خص بدليله، وإن كان قد كثر في هذا التهويل، والقعقعة بنقل الأقاويل، فالمعتمد الدليل.   قال⁣(⁣١): ولأنَّ مَنْ رَدَّهُ.   قلت: أي الآحادي.   قال: من الإمامية، والبغدادية، والظاهرية، والخوارج، تمسكوا في رده بالظن؛ وإنما فروا منه، ويعمل به في العَمَلِيّ مطلقاً.   قلت: لعله أراد بالإطلاق فيما تعمّ به البلوى وغيره كما ذكر في الأصول.   قال: لا في العِلْمِيِّ كالمسائل الإلهية، ولا في العَمَلِيَّةِ العِلْمِيَّةِ كأصول الشرائع إلا مؤكِّداً.   قلت: والحجة على ذلك الأصل:   أولاً: أن المطلوب العلم؛ بدلالة نحو قوله عز وجل: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
[الإسراء ٣٦]
، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ١٦٩⁣[البقرة]، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
[الحج ٨]
، وكم صدّر الحكيم، في الكتاب الكريم، الأمر باعلم واعلموا، مع ما كرر عز وجل من إبطال الظن، والذم لأهله: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا
[يونس ٣٦]
، وإنما خصصت تلك العمومات بما تقدم من بعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والإجماع، وليس ذلك مجمعاً عليه إلا في العمليات الفرعيات؛ فيقر حيث ورد.   ثانياً: أن الله - تعالى - نهى عن الاختلاف في الدين، وحرمه على العالمين، وتوعد عليه بنصوص الكتاب والسنة، فلا بد من نصب دلالات عليه قطعية؛ لقيام الحجة، وإلا لَعُذِر المخالف فيه، كما في المسائل الاجتهادية الفرعية؛ لخفاء الأمارات الظنية، واختلاف الأنظار في المآخذ الاجتهادية، وهو خلاف النصوص القرآنية، ومعلوم السنة النبوية، وإجماع من يعتد به من الأمة المحمدية.   ثالثاً: أن هذه الأصول مما تتوفر الدواعي إلى نقلها، كما قرر في الأصول.   قال (ع)⁣(⁣١): خلافاً لبعض المحدثين، والبكرية؛ فإن خالفهما، رُدّ، إلا أن يمكن تأويله؛ واتفقوا على وجوب العمل به في الفتوى والشهادة.   فإن رواه فوق اثنين، فهو المشهور، والمستفيض، أو الاثنان: فهو العزيز، أو الواحد: فهو الغريب؛ فإن لم يوافقه غيره، فهو الفَرْدُ المطلق، كمس الذكر⁣(⁣٢)، وإلا فهو الفرد النِّسْبِيُّ؛ فإن وافقه غيره فهو الْمُتَابِعُ، وإن وجد متن يشبهه فهو الشاهِدُ؛ وتتبع الطرق لذلك هو الاعتبار.   قلت: ولهم في تفصيل هذه الأقسام ونحوها، وتحصيلها، كلام طويل، وحصول النفع بالاشتغال به والتكثير منه قليل، بعد معرفة ما سبق من المردود والمقبول، وما يفيد منها قوة أو ضعفاً، أو يحتاج إليه عند الترجيح، لا يخفى على ذي بصيرة كما هو محقق في الأصول؛ وهي في موضوعاتهم قريبة الانتوال، كثيرة الأمثال؛ وقد أصاب المؤلف رضي الله عنه في عدم توسيع الدائرة في ذلك، فلنعد إلى سياق ما هنالك.
[ذكر الصحيح والحسن]
  قال (ع)⁣(⁣٣): ثم الصحيح من الآحادي عند من لايقبل المرسل: ما نقله مكلف، عدل، تام الضبط، متصل السند، غير مُعَلٍّ بعلّة قادحة.   والصحيح عند قابله: ما نقله مكلف، عدل، غير مغفَّل، ولا قابل لمجهول أو نحوه، بصيغة الجزم.   قلت: قوله: (مكلف) مستدرك لإغناء عدل عنه؛ ونحو المجهول: كثير   الخطأ، والمجروح؛ ولابد في الأول بعد متصل السند من زيادة (بمثله) أو نحو ذلك، وصيغة الجزم نحو: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ والمراد ما يدل على عدم التردد في الرواية.   قال: والظاهر في صيغتي التمريض والبلاغ ونحوهما الإرسال.   قلت: صيغة التمريض: نحو روي، وذُكِرَ مغير الصيغة، والبلاغ: نحو بلغنا ونحوهما: كنقل، وغير ذلك، مما يفيد عدم الاتصال.   قال: ويتفاوت الصحيح بتفاوت صفاته؛ ومن ثم قدم جمهور أصحابنا أحاديث الأمالي، والجامعين.   قلت: هما المنتخب، والأحكام، لإمام الأئمة (ع).   قال: فإن خَفَّ الضبط، وكان له من جنسه تابع أو شاهد، فهو الحسن، وأدلة قبول الآحاد تشمله، وإن انفرد عند أئمتنا والجمهور خلافاً للبخاري، وإن توبع.   قلت: هذا قول البخاري، وأما عمله في كتابه، فقد تقدم ما فيه كفاية.   هذا، والبخاري هو: أبو عبدالله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة؛ كان المغيرة مجوسياً على دين قومه، أسلم على يد اليمان الجعفي ببخارى، فنسب إليه للولاء.   وأما ولده إبراهيم فلم يوقف على شيء من أخباره، هكذا أفاده ابن حجر⁣(⁣١)؛ وقد تقدم ذكر وفاته، ووفاة مسلم، في سند أمالي الإمام أحمد بن عيسى، عند ذكر محمد بن منصور المرادي، في معرض كلام اقتضاه ذلك البحث.   نعم، فصاحب البيت أدرى بالذي فيه؛ فهل يغتر بصنيعهم إلا من ليس له لب أو أعمى البصيرة، أو أغلف القلب؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ.   قوله: (وإن توبع) قد تقدمت الإشارة في كلامه إلى معنى المتابعة، والمشاهدة، والاعتبار؛ ولا بأس بزيادة إيضاح معانيها؛ لكونها طريقاً إلى الترجيح، ومسلكاً إلى التقوية والتضعيف، ولكثرة تداولها في عبارات أهل التأليف.   فالمتابعة: أن يشارك الراوي غيره في رواية الخبر عن شيخه، وهذه متابعة تامة.   فإن لم يوجد إلا من يشاركه عن شيخ شيخه، أو من فوقه إلى الصحابي، فمتابعة ناقصة؛ وقد تسمى شاهداً.   فإن لم يوجد من يرويه عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلا عن غير ذلك الصحابي الذي رواه عنه، فهي الشاهد؛ فإن كانت بلفظه، فشاهد باللفظ، أو بمعناه، فشاهد بالمعنى.   فإن لم يوجد متابع ولا شاهد، فالخبر من الأفراد، والنظر في وجود التابع أو الشاهد هو الاعتبار.   ونرجع إلى تمام كلام صارم الإسلام.   قال (ع)⁣(⁣١): وبكثرة طرقه - قلت: يعني الحَسَن الذي تقدم قال: - يصح عند المجتهد.   قلت: اعلم أنهم اختلفوا في حقيقة الحَسَنِ، وفي ما حصلوه من كلام الترمذي على اضطرابه، وكلام غيره على اختلافه، فقال ابن الصلاح⁣(⁣٢): وقد أمعنت النظر في ذلك البحث، جامعاً بين أطراف كلامهم، ملاحظاً مواقع استعمالهم، فتنقح لي واتضح، أن الحديث الحَسَنَ قسمان:   أحدهما: الحديث الذي لايخلو رجال إسناده من مستور.   قلت: فسروا المستور بتفاسير، قيل: من روى عنه أكثر من واحد، ولم يوثق، وقيل: الذي لم تتحقق عدالته ولا جرحه، وقيل: من نقل فيه جرح وتعديل، ولم يترجح أحدهما.   قال ابن الصلاح في تمام الحد: لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ فيما يرويه.   قلت: قال في الديباج المذْهب للحنفي، وهو شرح رسالة الشريف الجرجاني⁣(⁣١): ولعله لو اكتفى بمستور لكفى؛ لأنه لو كان مغفلاً - أي منسوباً إلى الغفلة - لم يكن مستوراً، بل مجروحاً بوجه.   قال ابن الصلاح: ولا هو متهم بالكذب في الحديث، ولا بسبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث قد عرف، بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر.   قلت: أفاد في الديباج أن المثْل: يستعمل في الموافق في اللفظ والمعنى، والنحو: في الموافق في المعنى، فقط.   قال ابن الصلاح: حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه؛ فيخرج بذلك عن أن يكون شاذاً أو منكراً، وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل.   قلت: قال في الديباج: أورد عليه الضعيف، والمنقطع، والمرسل مثلاً؛ تدبر.   قلت: وقد أجيب بأنه يلتزم دخول ذلك في الحسن، على مقتضى كلام الترمذي، بالشرط الذي ذكره من روايته من وجه آخر ... إلخ.   وقد ساق في التنقيح كلام ابن الصلاح هذا، وفيه مخالفة يسيرة، وأنا أعتمد نقله من أصل كتابه.   قال في التوضيح⁣(⁣٢): قال الحافظ ابن حجر: إن المعرف عند الترمذي هو حديث المستور.   قال الأمير: ولا يعده أهل الحديث من قبيل الحسن، وليس هو في التحقيق عند الترمذي مقصوراً على رواية المستور، بل يشترك فيه الضعيف؛ بسبب سوء   الحفظ، والموصوف بالخطأ والغلط، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع خفيف؛ فكل ذلك عنده من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة، وهي: أن لايكون فيهم من يتهم بالكذب، ولا يكون الإسناد شاذاً، وأن يروى ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعداً.   قلت: ليس عنده إلا شرطان فقط؛ إذ روايته من وجه آخر ... إلخ، تخرجه عن كونه شاذاً، أو منكراً، كما تقدم.   قال ابن الصلاح: القسم الثاني⁣(⁣١): أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح؛ لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكراً؛ ويعتبر في كل هذا مع سلامة الحديث من أن يكون شاذاً أو منكراً سلامة الحديث من أن يكون معللاً⁣(⁣٢).   وعلى القسم الثاني يتنزل كلام الخطابي.   قال⁣(⁣٣): وكأن الترمذي ذكر أحد نوعي الحسن، وذكر الخطابي النوع الآخر، مقتصراً كل واحد منهما على ما رأى أنه يشكل، معرضاً عما رأى أنه لايشكل، أو أنه غفل عن البعض وذهل. انتهى كلامه.   قلت: والأول يسمى عندهم الحَسَن لغيره، والثاني الحَسَن لذاته؛ وهذا القسم الثاني هو الذي عرفه ابن حجر.   قال الأمير: ومثله صنع المصنف في مختصره.   قلت: بل تعريفه هو تعريف السيد صارم الدين (ع)، وهو مخالف للجميع؛ لأنه اشترط مع خفة الضبط أن يكون له من جنسه تابع أو شاهد؛ فقد وافقهم   في عدم الفرق بينه وبين الصحيح إلا بخفة الضبط، وخالفهم في الشرط هذا؛ فإنهم لم يشرطوا التابع أو الشاهد إلا في القسم الأول، وهذا اصطلاح وبابه واسع؛ ولا يسلم للأمير ما أورده عليه من أنه بصدد اصطلاحهم.   نعم، قال الأمير في التوضيح⁣(⁣١): ورسم الحسن بأنه ما اتصل سنده برواية من خف ضبطه ... إلى آخره؛ فقيد الضبط قد أخذ في الرسمين، أي: رسم الصحيح، ورسم الحسن؛ وإنما اختلفت صفة خفته وخلافها، فقد تغايرا تغاير الخاص والعام؛ فكل صحيح حسن وزيادة، كما أن كل إنسان حيوان وزيادة ... إلخ كلامه.   قلت: هذا خبط عظيم، وسهو عجيب، لايخفى على لبيب، بل تباينا تباين الفرس والإنسان؛ لانفراد كل واحد بفصل مناف للآخر؛ لأن شرط الصحيح تمام الضبط، كما صرحوا وصرح به، وشرط الحسن خفته؛ فكيف يجتمعان، ويوصف شيء واحد من جهة واحدة بالتمام والنقصان؟ هذا خلف من القول؛ وفيه من جنس هذا كثير قد علقت على بعضه في التوضيح، والله ولي التوفيق.   قال ابن الصلاح⁣(⁣٢): ومن أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن، ويجعله مندرجاً في أنواع الصحيح؛ لاندراجه في أنواع ما يحتج به.   قال: وهو الظاهر من تصرفات الحاكم.   قلت: ولا يخفى ما في هذه الرسوم من الانتقادات، والإحالات على المجهولات؛ ولا حاجة بنا إلى الإطناب، فهي لاتخفى على أولي الألباب.   قال السيد صارم الدين (ع)⁣(⁣٣): وما لم يجتمع فيه صفات أيهما.   قلت: أي الصحيح، والحسن.   قال: فهو الضعيف. قلت: هكذا اتفقت عليه رسومهم؛ وقد أنهى أقسامه بعضهم إلى اثنين وأربعين، وبعضهم إلى تسعة وأربعين قسماً، فَصَّلَها في التنقيح⁣(⁣١)، وغيره. الحواشي والمراجع ------------------ (١) توضيح الأفكار (١/ ١٥٦). (٢) مقدمة ابن الصلاح (ص/٢٥). (٣) علوم الحديث (ص/١٩٨). (١) مقدمة ابن الصلاح (ص/٢٢). (٢) في مقدمة ابن الصلاح المطبوعة: وسلامته من أن يكون مُعَلَّلاً. (٣) أي ابن الصلاح. (١) فن أصول مصطلح الحديث للشريف الجرجاني مع شرح الحنفي (ص/٧٥) ط: (دار الفضيلة). (٢) توضيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار (١/ ١٦٤). (١) علوم الحديث (ص/١٩٨). (٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢١)، ط: (دار الكتاب العربي). (١) هدي الساري مقدمة فتح الباري (ص/٦٦٢)، ط: (دار الكتب العلمية). (١) علوم الحديث (ص/١٩٦). (٢) إشارة إلى الحديث الذي رواه عروة بن الزبير، عن مروان بن الحَكَم، عن بُسْرَة بنت صفوان، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوضأ». (٣) علوم الحديث (ص/١٩٧). (١) علوم الحديث (ص/١٩٦). (١) إيضاح الدلالة في تحقيق أحكام العدالة مطبوعة ضمن كتاب مجمع الفوائد. (٢) علوم الحديث (ص/١٩٦). (١) الفصول (ص/٢٨٣). (٢) علوم الحديث (ص/١٩٦)، ونحوه انظر: الفصول (ص/٢٨٣). (١) الفصول (ص/٢٨٣). (٢) الفصول (ص/٢٨٣). (٣) الفصول (ص/٢٩٠). (١) الفصول اللؤلؤية (ص/٢٨٩). (٢) الهداية شرح الغاية (٢/ ٢٤). (٣) الهداية شرح الغاية (٢/ ٢٤). (٤) الفصول (ص/٢٨٣). (١) الفصول اللؤلؤية (ص/٢٧٨). (٢) علوم الحديث (ص/١٩٥). = قال أَبو عبيد: هو شِدَّةُ النَّصَبِ والمشَقَّة». انتهى بتصرف من تاج العروس ✨💯تم نسخه من كتاب ✨ لوامع الانور ✨ للسيد العلامة الحجة مجد الدين المؤيدي عليه السلام 💯💫

بحوث مشابهة