لماذا علي؟ 2026-05-21

(المبحث الأول) الله الحكيم لا يخلق عبثًا.. والقيادة ضرورة فطرية

منهج ال البيت

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل في كلامه نوراً وهدى، والصلاة والسلام على من نقل الرسالة وترك للأمة ميراث هداية لا يزول، محمد وآله الطاهرين.
هذه الرسالة ليست مجرد كتاب يُقرأ، بل دعوة للتفكر والتدبر، ومحاولة صادقة لفهم الطريق الذي رسمه الله للأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله.
إنها رحلة مركزة، تعرّف القارئ على حقيقة الإمامة بوصفها امتداداً طبيعياً للنبوة، وتكشف الانحرافات التي عصفت بالمسار الرسالي بعد وفاة النبي، رغم وضوح الأساس العقلي الذي يقتضي استمرار الهداية وعدم انقطاعها. ثم تنتقل بك إلى السؤال الأهم: كيف يمكن لكل إنسان أن يرتبط بمنهج الحق عملياً في حياته المعاصرة؟
هدف هذه الرسالة أن يرى القارئ الحقيقة كما هي، مستعيناً بالعقل الذي يهدي إلى أصل الحقيقة، وبالنصوص التي تؤكدها وتفصّلها، لا كما اعتاد عليها، وأن يميّز بين الحق والهوى، بين الهداية والتقليد الأعمى.
فإن كنت تبحث عن طريق النجاة، فستجد في هذه الصفحات سفينة الهداية التي لا يغرق من ركبها.
وإن كنت ممن يرضى بالتيه، فستكون لك صفحات تعلمك حدود الاجتهادات البشرية وتجارب التاريخ التي تعيدك إلى الحق إذا غفلت.
ها أنت على عتبة رحلة صادقة: بين التأمل في النصوص، وفهم الواقع، واختيار الطريق الذي لا يضل من سلكه، مسلك العقل والنص معاً.

[الله الحكيم لا يخلق عبثًا.. والقيادة ضرورة فطرية]
حين يتأمل الإنسان في هذا الكون الواسع، من أدق الذرات إلى أعظم المجرات، يجد نفسه أمام نظام مدهش لا يترك مجالاً للعبث أو الفوضى. إن انتظام الليل والنهار، ودقة حركة الأفلاك، وتناسق قوانين المخلوقات كلها تشير إلى حقيقة واضحة: أن وراء هذا الكون خالقًا حكيمًا دبّره بإتقان. ومن هنا يبرز أول سؤال عقلي يواجه الإنسان: هل يمكن أن يكون هذا الخلق العظيم قد وُجد بلا غاية؟ أم أن وراءه حكمة مقصودة وهدفًا مرسومًا؟ إن العقل السليم يميل إلى الجواب الثاني؛ لأن الإتقان يدل على القصد، والنظام يدل على الحكمة. ---
[معنى الحكمة]
الحكمة في أبسط معانيها هي وضع الشيء في موضعه الصحيح، وفعل ما يحقق الغاية المقصودة بأفضل صورة. فالحكيم لا يعمل عملاً عبثيًا، ولا يقوم بفعلٍ بلا هدف، بل تكون أفعاله مرتبطة دائمًا بمعنى وغاية. ولهذا فإن الإنسان إذا رأى آلة دقيقة الصنع أدرك فورًا أن وراءها صانعًا قصد هذا النظام وأراده. فكيف إذا كان الحديث عن هذا الكون الهائل بكل ما فيه من دقة وتناسق؟ إن هذا الإحكام يدل دلالة واضحة على أن خالق الكون حكيم في خلقه وتدبيره.
[الحكيم لا يخلق عبثًا]
إذا ثبت أن الله حكيم، فإن من لوازم هذه الحكمة أن يكون خلقه قائمًا على غاية، لا على العبث. فالعبث نقص، والله منزه عن كل نقص. ولهذا يستحيل عقلاً أن يخلق الإنسان بكل ما فيه من عقل وإرادة ثم يتركه سدى بلا هدف. إن وجود الإنسان نفسه دليل على أن لحياته معنى، وأن وراء خلقه غاية ينبغي أن تتحقق. وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة التي يدركها العقل، فقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ المؤمنون: 115. فالحياة إذن ليست مجرد دورة بيولوجية للأكل والشرب والتكاثر، بل هي مسيرة ذات هدف ومعنى.
[القيادة ضرورة فطرية كونية]
قبل أن ننتقل إلى الحديث عن الهداية الإلهية، نجد أن واقع البشرية نفسه يشهد بحقيقة لا تقبل الجدل: الإنسان بطبيعته لا يستطيع العيش بلا قيادة. هذه الحقيقة ليست وليدة دين معين، ولا نتاج ثقافة بعينها، بل هي ضرورة فطرية أقرتها الأمم عبر التاريخ في كل زمان ومكان: · الأعراف القبلية: لا توجد قبيلة على وجه الأرض إلا ولها شيخ أو حَكَم يُرجع إليه في حل النزاعات وتسيير الأمور. وهذا ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية؛ لأن غياب المرجع يؤدي إلى الفوضى والصراع. · الدساتير والقوانين: حتى في أشد المجتمعات إلحادًا، نجد أن البشر يضعون لأنفسهم رؤساء وقوانين ومرجعيات يُطاعون. فما من نظام سياسي إلا وفيه رئيس أو ملك أو هيئة قيادية تُتخذ القرارات باسمها. · الانتخابات: في النظم الحديثة، تُجرى الانتخابات ليس لخلق القيادة من العدم، بل لاختيار الأفضل والأكفأ من بين المرشحين. وهذا اعتراف ضمني بأن القيادة ضرورة لا غنى عنها، وأن المعيار الأساسي هو الجودة والكفاءة. · شهادة اليهود: اليهود – وهم أهل كتاب – يؤمنون بضرورة وجود مرجعية عليا دينية مستمرة يسمونها "الحاخام"، وهي مؤسسة قيادية تستمر فيهم جيلاً بعد جيل. بل الأكثر من ذلك: إن القوى المعادية للرسالة تاريخياً تدرك خطورة "القيادة الرسالية الممتدة"؛ لأنها القيادة الوحيدة التي تمتلك الشرعية والنص والمنهج. وهذا ما يفسر القلق التاريخي من أي تحرك يقوده أهل البيت (ع)، لإدراكهم أن زوال الباطل مرتبط بالمنهج الأصيل الذي يمثله ورثة الكتاب. هذه الشواهد تؤكد أن مسألة القيادة ليست اختراعًا إسلاميًا، بل هي حقيقة فطرية أقرتها كل الأمم، حتى التي لم تؤمن بالله. والخلاف الحقيقي بين البشر ليس في أصل القيادة، بل في ثلاثة أسئلة جوهرية: 1. من يكون القائد؟ 2. كيف يُختار؟ (بشريًا أم إلهيًا) 3. ما هي مواصفاته؟ وهذا ما سنبحثه في المباحث التالية.
[حاجة الإنسان إلى الهداية]
إذا كان الله الحكيم قد خلق الإنسان لغاية، فإن من مقتضى حكمته أن يبيّن له الطريق الذي يوصله إلى تلك الغاية. تأمل هذا المثال البسيط: الذي يصنع آلة دقيقة لا يتركها دون دليل استعمال، حتى لا تُستعمل على غير الوجه الذي صُنعت له. فكيف بالإنسان الذي هو أعقد من كل الآلات؟ هل يعقل أن يتركه خالقه دون دليل يرشده إلى كيفية تحقيق الغاية من وجوده؟ بل إن الله الذي منح الحيوانات غريزة تهديها إلى ما يصلحها وتحفظ بقاءها، من باب أولى أن يمنح الإنسان – وهو المخلوق العاقل المكلف – هداية أرفع وأوضح. إن الإنسان بحاجة إلى هدايةٍ تعلو على اختلاف البشر، هدايةٍ تضع له المعايير الصحيحة للحق والعدل، وتبين له كيف يعيش الحياة وفق الغاية التي خُلق لها.
[الرسالات الإلهية]
ومن هنا تظهر حكمة إرسال الرسل. فالرسول ليس مجرد ناقلٍ للأخبار، بل هو المبيّن لمنهج الحياة، والمرشد إلى الطريق الذي يحقق للإنسان غاية وجوده. إنه ذلك "الدليل" الذي يمد يده للتائه في مفازة الحياة، و"النور" الذي يضيء له الطريق. إن الرسالات الإلهية تمثل الجسر الذي يصل بين حكمة الخالق وحاجة المخلوق إلى الهداية. وبها تقوم الحجة على الإنسان، وتستقيم له طريق الحياة. ولهذا قال الله تعالى:﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ النساء: 165.
[هداية مستمرة لبشرية متجددة]
لكن التأمل في طبيعة الرسالة الإلهية يقودنا إلى ملاحظة مهمة: هذه الرسالة لم تكن موجهة إلى جيل واحد فقط، بل جاءت لهداية البشرية جمعاء، جيلاً بعد جيل، حتى قيام الساعة. فالقرآن الكريم لم ينزل لقوم مخصوصين في زمن مخصوص فحسب، بل هو ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ في كل عصر ومصر. والشريعة الإسلامية لم توضع لتنظيم حياة مجتمع مؤقت، بل جاءت لتكون منهج حياة شاملًا ممتدًا عبر الزمن. هذا الامتداد الزمني للرسالة يطرح تساؤلاً عقليًا جديدًا: إذا كان الله قد أرسل الرسل ليكونوا هداة للبشر في حياتهم، فكيف يُحفظ هذا الهدي الإلهي بعد رحيل الرسول عن الناس؟ إن نفس المنطق العقلي الذي قادنا إلى الإيمان بضرورة الرسالة، يقودنا إلى التساؤل عن ضرورة استمرار هذه الهداية بشكل يحفظها من الضياع والتحريف. وهنا لا يقف الإنسان أمام فكرة مجردة، بل أمام مصيرٍ يحدد طريقه في الهداية أو الضياع.
[خلاصة المبحث]
وبهذا نصل إلى نتيجة أولية واضحة: · الله حكيم، وأفعاله كلها قائمة على الغاية والحكمة. · والحكيم لا يخلق عبثًا، بل لكل فعلٍ منه هدف مقصود. · وخلق الإنسان بهذه الأدوات (العقل، الإرادة، الشعور) يقتضي وجود هداية ترشده إلى غاية حياته. · وهذه الهداية تجسدت في إرسال الرسل وإنزال الرسالات. · وهذه الرسالة بطبيعتها موجهة لكل البشر وفي كل الأزمنة، مما يثير سؤال الحفظ والاستمرارية بعد الرسول. · والأهم: أن القيادة ليست مجرد مطلب ديني، بل ضرورة فطرية أقرتها البشرية جمعاء في كل عصر، وهو ما يؤكد أن الإسلام جاء متناغمًا مع الفطرة لا مخالفًا لها.
[السؤال الذي ينتظر إجابة]
وهكذا نصل إلى السؤال المحوري: إذا كان الله قد أرسل رسولًا ليبين للناس منهج حياتهم، فكيف يُحفظ هذا المنهج بعد رحيل ذلك الرسول؟ فمن يعطيك دليل الاستعمال لآلة صنعها، هل يعقل أن يتركك بعد ذلك تتخبط في فهمه وتطبيقه بلا مرجع ترجع إليه؟ هل من الحكمة أن يُترك هذا الدين العظيم بلا مرجعية تحافظ عليه وتحميه من التحريف والضياع؟

بحوث مشابهة