لماذا علي؟ 2026-05-21

(المبحث الثاني) شمولية التشريع واستمرارية النظام.. واصطفاء الله لقيادة الهدى

منهج ال البيت

من يقرأ في أحكام التشريع الإلهي، يجد أنه لم يترك جانباً من جوانب الحياة إلا ووضع له ميزاناً. فقد نظم العلاقة بين العبد وربه (العبادات)، وبين الإنسان وأخيه الإنسان (المعاملات والحقوق)، وحتى علاقة الإنسان بجسده وبيئته.
إن هذا الاستقصاء التشريعي ليس مجرد "قائمة قوانين"، بل هو تجسيد للُّطف الإلهي الذي يرافق الإنسان في كل سكناته وحركاته؛ لضمان عدم وقوعه في التيه أو العبثية التي نفيناها في المبحث الأول.

[المبحث الثاني]
شمولية التشريع واستمرارية النظام.. واصطفاء الله لقيادة الهدى انتهينا في المبحث السابق إلى أن الحكيم الذي خلق الإنسان لغاية، لا بد أن يوفر له "دليل الهداية"، وأن القيادة ضرورة فطرية أقرتها البشرية جمعاء. واليوم، حين نتفحص هذا الدليل (الشريعة الإسلامية)، نجد ميزةً تبهر العقول، وهي "الشمولية الدقيقة". فهل يمكن لهذه الشمولية التي اعتنت بأدق تفاصيل حياة الفرد، أن تغفل عن أهم ركيزة في حياة المجتمع؟ الشمولية: مقتضى العناية الإلهية من يقرأ في أحكام التشريع الإلهي، يجد أنه لم يترك جانباً من جوانب الحياة إلا ووضع له ميزاناً. فقد نظم العلاقة بين العبد وربه (العبادات)، وبين الإنسان وأخيه الإنسان (المعاملات والحقوق)، وحتى علاقة الإنسان بجسده وبيئته. إن هذا الاستقصاء التشريعي ليس مجرد "قائمة قوانين"، بل هو تجسيد للُّطف الإلهي الذي يرافق الإنسان في كل سكناته وحركاته؛ لضمان عدم وقوعه في التيه أو العبثية التي نفيناها في المبحث الأول.
[تناسب الأهمية مع العناية]
هناك قاعدة عقلية تقول: "كلما عظم الشيء، كانت العناية به أوجب". فإذا رأينا الشريعة قد اعتنت بآداب الطعام، وتفاصيل الطهارة، وتنظيم البيع والشراء، وهي أمور جزئية، فكيف يتصور العقل أن تهمل هذه الشريعة مسألة "المرجعية والقيادة" من بعد النبي؟ ولو جاءنا إنسان فقال: "الشريعة نظمت لي كيف آكل، وكيف أتوضأ، وكيف أبيع وأشتري، لكنها تركت لي أمر القيادة لأهواء الناس واجتهاداتهم المتضاربة"، لقلنا له: هذا تناقض لا يليق بحكمة من شرع هذه الأحكام الدقيقة. فالقيادة هي القطب الذي تدور عليه رحى الدين، وبدونها يضطرب النظام وتتشتت الأفهام. إنّ ترك ركن القيادة بلا تنظيم، هو بمثابة بناء قصر عظيم بأساسات هشّة؛ فكل الأحكام التفصيلية (الفروع) لا قيمة لها إذا انهار الأصل الذي يحميها ويطبقها. فهل يُعقل أن يُفصّل "دليل الاستعمال الإلهي" في الفروع، ويترك "الركن الأساس" للفراغ أو لآراء البشر المتباينة؟
[حفظ المنهج: من "النص" إلى "التطبيق"]
وهذا التناسب بين أهمية الشيء والعناية به يقودنا إلى حقيقة أخرى: أن مجرد وجود النص لا يكفي، بل لا بد من حافظ له. إن الشريعة -مهما كانت متكاملة في نصوصها- تظل صامتة تحتاج إلى من يُنطقها. فالنصوص وحدها لا تنطق بنفسها، بل تحتاج إلى من يفهمها الفهم الصحيح ويبينها للناس. وتحتاج أيضاً إلى من يحميها من التأويلات الجاهلة والتحريفات المغرضة.
[إن حكمة المشرّع تقتضي أمرين:]
1. وجود المنهج (القرآن والسنة): وهو ما تحقق فعلاً. 2. وجود الحافظ للمنهج: وهو الشخص الذي يمتلك المؤهلات التي تجعل فهمه وعمله حجةً كفهم النبي وعمله (في غير الوحي)، ليكون امتداداً طبيعياً له في تبيين هذا المنهج وتطبيقه. فبدون "الحافظ"، يصبح المنهج عرضةً للضياع، وبدون "المطبق"، تظل الأحكام نظرياتٍ لا تجد طريقها للواقع. وهذا التبديد للمجهود النبوي يتنافى مع أصل الحكمة الذي قررناه.
[سنن الله في اصطفاء الأسر]
من سنن الله في خلقه أنه يصطفي من يشاء لحمل رسالته وقيادة أمته. وهذه السنة ليست جديدة، بل هي متكررة عبر التاريخ.
[في الأمم السابقة:]
· بني إسرائيل: ورثوا الكتاب والنبوة جيلاً بعد جيل، وكانت القيادة فيهم في أسر مخصوصة من نسل إبراهيم وإسحاق ويعقوب. قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ البقرة: 253. (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) سورة العنكبوت 27 · اليهود اليوم: رغم كل ما حل بهم من تشتت، إلا أنهم أدركوا هذه السنة الإلهية. والأكثر دلالة: إن شدة الخصومة التي أبداها بنو أمية وبنو العباس تجاه آل محمد لم تكن جهلاً بمكانتهم، بل كانت اعترافاً مضمراً بتميزهم العلمي والروحي الذي يهدد عروشاً قامت على الغلبة لا على النص والفضيلة. وهذا يفسر لنا حقيقة مهمة: أن الصراع التاريخي مع آل محمد لم يكن مجرد صراع على السلطة، بل كان إدراكاً من الخصوم بأن هذه الأسرة تمثل المنهج الأصيل الذي لا يمكن أن يزدهر في ظل أنظمة لا تقوم على العدل والنص. الاصطفاء الإلهي بالتهيئة والتأهيل ليس اختيار الله لقادة الهدى مجرد تسمية عابرة، بل هو تهيئة وتأهيل متكامل. قاعدة: "اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي" قال الله تعالى لموسى عليه السلام:﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ طه: 41 هذه الآية تشير إلى أن الله يهيئ عباده الذين يختارهم لقيادة أمته بشكل خاص. فيصنعهم على عينه، ويؤهلهم بالتربية الإلهية، ويجمع لهم من مقومات القيادة ما لا يجتمع لغيرهم.
[من مظاهر هذا التأهيل:]
1. الطهارة النسبية: يخرج القائد من أطهر صلب وأطهر رحم. وقد أشارت الحكمة الإلهية إلى هذه النكتة في خلق عيسى(ع)من غير أب؛ ففي ذلك إشارة إلى استخلاصه من غلبة المؤثرات المادية والميول البشرية التي قد تشوب المسارات الوراثية في أزمنة الانحراف، ليكون آيةً محضة للهداية، ونموذجاً للطهارة التي لا يداخلها كدر. 2. الإعداد المبكر: كما نرى في سيرة الإمام علي (ع) الذي رباه النبي منذ صغره، فكان أقرب الناس إلى المنهج النبوي. 3. الجمع بين الفضائل: يجمع الله في القائد بين العلم والزهد والشجاعة والعدل، وهي صفات نادرة الاجماع. أثر البيئة والمال في تكوين القابلية إن للمال والبيئة أثراً كبيراً في تكوين "القابلية" النفسية والروحية للإنسان. فالبيئة التي تقوم على السحت والحرام تُضعف الوازع الفطري في الذرية، وتُحدث خللاً في البوصلة الأخلاقية. بينما تقتضي الحكمة الإلهية أن يكون قادة الهداية قد نشأوا في أزكى البيئات، لتكون نفوسهم مستعدةً تماماً لتلقي الفيض الإلهي، بعيداً عن المؤثرات التي تشوش على صفاء الفطرة ونقاء السريرة.
[طعن الخصوم في النسب الطاهر.. حيلة قديمة]
إن من يدرس تاريخ الصراع على القيادة بعد النبي، يلاحظ ظاهرة لافتة: بعض الخصوم، حين يعجزون عن الطعن في مؤهلات الإمام علي (ع) نفسه - من علم وشجاعة وسبق وقرابة - يلجأون إلى هجوم غير مباشر عبر الطعن في والده أبي طالب (ع). لقد شكك بعض أولئك المعارضين في إسلام أبي طالب،أو نسبوا إليه ما لا يليق بمقامه. وهذه المحاولة، مهما تلفعت برداء الرواية أو الدراية، تهدف إلى أمرين: 1. تشويه النسب الطاهر: ليُقال إن بيت النبوة والوصاية لم يكن خالصاً من الشوائب، وإن القيادة الخالدة قامت على أصل غير نقي. وهذا كذب وتحريف، فقد ثبت بالتواتر التاريخي أن أبا طالب كان حامياً للنبي (ص)، ومربياً له منذ طفولته، ومدافعاً عنه في أصعب الظروف، وقائلاً من الشعر وغيره ما يصرح فيه بإيمانه بل وقيل فيه ما يثبت إسلامه. 2. التقليل من مؤهلات القيادة: لأن النسب الطاهر والبيئة الزكية من المؤهلات الأساسية للقائد الإلهي، كما تقدم في حديث "يخرج من أطهر صلب وأطهر رحم". فالطعن في الأصل هو طعن في صحة هذا المؤهل. والحقيقة أن هذه المحاولات لا تصمد أمام النقد التاريخي الموضوعي. فكيف يُعقل أن يكون من ربى النبي وحماه وآزره ونصره، ثم يُنسب إليه الكفر؟ أم كيف يُتصور أن الله يترك وليه وناصر دينه في الضلالة، بينما يهدي غيره ممن كانوا أمس أعداءً؟! إن هذا الطعن - في جوهره - ليس اجتهاداً علمياً، بل هو حيلة دفاعية مكشوفة؛ لأن أصحابها يدركون أن النسب الطاهر جزء لا يتجزأ من منظومة المؤهلات القيادية التي لا يمكن تجاوزها. وقد أشار إلى هذه الحقيقة بعض بقولهم: "من أراد أن يطعن في المؤهل، لجأ إلى الطعن في الأصل".
[دلالة السقيفة – اعتراف بضرورة القيادة]
حتى في لحظة الانحراف الأولى، نجد اعترافاً ضمنياً بهذه الحقيقة. واقعة السقيفة:حين اجتمع الأنصار والمهاجرون بعد وفاة النبي مباشرة،لم يناقشوا هل نحتاج إلى قائد أم لا؟ بل كانت المناقشة حول من يكون القائد؟ ثم تمت البيعة لأبي بكر. وهذا يدل على أن الجميع – حتى المخالفين للنص – كانوا يقرون بأن الأمة لا يمكن أن تبقى بلا قائد. ولو أن أحداً قال: "لا نحتاج إلى خليفة" لاعتُبر خارجاً عن العقل والشرع. بل إن عمر بن الخطاب وصف بيعة أبي بكر بأنها "فلتة" (أي: أمر وقع بلا تروٍ ولا مشورة كافية)، لكنه مع ذلك قال: "وقى الله شرها". وهذا اعتراف منه بأن القضية كانت بحاجة إلى عناية أكبر، وأن ما جرى كان متعجلاً. وهذا يثبت أن ضرورة القيادة كانت محل إجماع، وأن الخلاف وقع في تطبيق هذه الضرورة وتحديد الشخص المناسب.
[من يعرف الحق لا ينكره إلا حسداً]
هناك قاعدة إلهية ثابتة: الحق لا يُنكر إلا من جهة الحسد أو التكبر. قال الله تعالى عن الذين عاندوا النبي صلى الله عليه وآله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ فاليهود كانوا يعرفون محمداً معرفة اليقين، لكنهم رفضوه حسداً، لا جهلاً. وكذلك الحال مع قضية الإمامة. إن وضوح الأدلة لا يستلزم بالضرورة التسليم بها من قبل الجميع؛ فالنفس البشرية حين تتصادم مع مصالحها قد تلجأ إلى التأويل البعيد، أو ابتكار مسوغات لصرف النص عن ظاهره، حمايةً لمكتسبات سياسية أو اجتماعية. وهذا يفسر لنا قول الإمام الهادي (ع) في هذه القضية: "إن من يكون أهلاً للقيادة له مواصفات لا يختلف فيها اثنان في عصره وزمنه". أي أن من يبحث بإنصاف لا يمكن أن يخطئ في التعرف على القائد الحقيقي؛ لأن خصائصه تكون ظاهرة بينة في زمانه.
[خلاصة المبحث]
· الشريعة الإسلامية تتميز بالشمولية والدقة في كل شؤون الحياة. · العقل يرفض أن تعتني الشريعة بالجزئيات وتهمل "أصل النظام" وهو القيادة. · كمال التشريع يقتضي وجود "مرجعية حية" تحفظ النص وتضمن التطبيق الصحيح. · استمرار الهداية هو امتداد للطف الله بعباده لئلا يعودوا إلى التيه. · سنن الله في خلقه تقتضي اصطفاء الأسر لحمل رسالته، وتهيئة القادة تأهيلاً خاصاً. · حتى المخالفون للنص اعترفوا بضرورة القيادة، كما في واقعة السقيفة. · الحسد هو الحاجز الأكبر أمام التسليم بالحق بعد ظهوره.
[السؤال الذي ينتظر إجابة]
إذا كان العقل يقر بضرورة وجود "حافظ وقيّم" على هذا المنهج الشامل بعد رحيل النبي.. وإذا كانت سنن الله تقتضي اصطفاء الأسر وتهيئة القادة.. وإذا كان الحق لا ينكره إلا حاسد أو متكبر.. فما هي المواصفات التي يجب أن تتوفر في هذا "الخليفة" أو "الإمام"؟ وهل يصح أن يُترك اختيار هذا المركز الحساس للناس، أم أن مقتضى الحكمة يوجب أن يكون "التعيين" من الله نفسه كما كان اختيار الأنبياء؟

بحوث مشابهة