لماذا علي؟ 2026-05-21

(المبحث الخامس) مواجهة النص.. هل المشكلة في الدليل أم في الهوى؟

منهج ال البيت

إن الحقيقة لا تزول بانصراف الناس عنها، كما أن الدليل لا يسقط إذا تجاهله البعض. فالواقع قد يتغير، لكن النص يبقى حجة قائمة، يلاحق الضمائر، ويكشف ضعف المسارات التي ابتعدت عنه.
ولهذا لا بد أن نعود إلى أصل القضية، فنطرح السؤال من جديد:
هل عيَّن النبي صلى الله عليه وآله خليفةً من بعده، أم ترك الأمة بلا تعيين؟

[(المبحث الخامس) مواجهة النص.. هل المشكلة في الدليل أم في الهوى؟]
العودة إلى السؤال الجوهري انتهينا في المبحث السابق إلى حقيقة تاريخية واضحة، وهي أن مسار القيادة في الأمة الإسلامية انحرف مبكراً عن النموذج الرسالي الذي كان يُفترض أن يستمر بعد النبي صلى الله عليه وآله. لكن يبقى السؤال الأهم: هل يؤدي التحول التاريخي إلى سقوط الحقيقة نفسها؟ إن الحقيقة لا تزول بانصراف الناس عنها، كما أن الدليل لا يسقط إذا تجاهله البعض. فالواقع قد يتغير، لكن النص يبقى حجة قائمة، يلاحق الضمائر، ويكشف ضعف المسارات التي ابتعدت عنه. ولهذا لا بد أن نعود إلى أصل القضية، فنطرح السؤال من جديد: هل عيَّن النبي صلى الله عليه وآله خليفةً من بعده، أم ترك الأمة بلا تعيين؟
[المحاكمة المنطقية: حصر الخيارات]
لقد وصلنا في المباحث السابقة إلى نتيجة عقلية واضحة: أن الحكمة الإلهية تقتضي وجود قيادة تحفظ الدين بعد النبي، وأن القول بترك الأمة بلا مرجع يفتح باب اتهام الحكمة الإلهية بالتفريط في حفظ الرسالة، كما يفتح باب اتهام النبي بعدم إكمال مهمته في بيان نظام الأمة. وعليه يصبح السؤال المباشر: ماذا فعل النبي فعلاً؟ هل ترك الأمة بلا بيان؟ أم أنه بيّن القيادة ولكن بعض الناس لم يلتزموا بها؟ عندما نرجع إلى النصوص المروية في المصادر الإسلامية نجد أحاديث كثيرة تشير إلى موقع خاص للإمام علي بن أبي طالب، من أبرزها:
[حديث الغدير]
وقد سبق أن استوفينا الكلام عن هذا الحديث في الفصل المستقل، وذكرنا تواتره عن أكثر من ثلاثين صحابياً، ونص كبار العلماء عليه (كالذهبي وابن حجر والسيوطي والمقبلي)، ودلالته الواضحة على أن "المولى" في اللغة يأتي بمعنى الأولى بالتصرف، وأن النبي جعل علياً بمنزلته من حيث الولاية على الأمة. فمن شاء التفصيل فليرجع إلى هناك، ونكتفي هنا بالإشارة إلى أن هذا الحديث وحده كافٍ لإثبات القضية، لولا أن المعاند لا تنفعه الآيات والبينات.
[حديث المنزلة]
عندما خرج النبي إلى غزوة تبوك واستخلف علياً على المدينة قال له: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي». رواه البخاري في صحيحه، ومسلم في صحيحه، والترمذي، والنسائي، وأحمد، وغيرهم. وهارون لم يكن مجرد قريب لموسى، بل كان شريكه في الرسالة، وخليفته على قومه عند غيابه. فهل تُمنح هذه المنزلة العظيمة لشخص عادي؟ أم أنها تشير إلى موقع قيادي متميز في نظام الرسالة؟
[حديث الثقلين]
وفي حجة الوداع أيضاً، وفي أكثر من موقف، قال النبي:«إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً». برواية : أحمد بن حنبل في مسنده ، وولده عبدالله ، وابن أبي شيبة ، والخطيب ابن المغازلي ، والكنجي الشافعيان، والسمهودي الشافعي ، والمفسر الثعلبي ، ومسلم في صحيحه ورواه غيرهم: كالحاكم الجشمي ، والحاكم الحسكاني . هنا جعل النبي العترة قرينةً للقرآن، وجعل التمسك بهما معاً ضماناً من الضلال. فهل يُعقل أن يكون من قرنهم النبي بالقرآن مجرد أشخاص عاديين لا دور لهم في هداية الأمة بعده؟
[آية الولاية]
ومن النصوص القرآنية التي استوقفت المفسرين في هذا الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ المائدة: 55. وقد نقل عدد كبير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب عندما تصدق بخاتمه وهو راكع في الصلاة. روى ذلك الطبري في تفسيره، والواحدي في أسباب النزول، والسيوطي في الدر المنثور، وابن كثير في تفسيره. واللافت أن الآية لم تتحدث عن مجرد الصلاح أو الفضل، بل استخدمت لفظ "الولاية" الذي يدل على نوع من الارتباط القيادي والمرجعي في حياة الأمة. فإذا جمعنا بين هذه الإشارة القرآنية، وبين الأحاديث النبوية المتقدمة، ظهر أن قضية الإمامة لم تكن مجرد فكرة ظهرت لاحقاً، بل كانت حاضرة في النصوص المؤسسة منذ البداية.
[حصر الاحتمالات: الطريق إلى النتيجة عند هذه النقطة يصبح الباحث أمام ثلاثة احتمالات لا رابع لها:]
الاحتمال الأول: أن النبي عيَّن شخصاً آخر غير علي. فإن قيل: لعل النبي عيَّن أبا بكر أو عمر أو غيرهما. قلنا: هاتوا نصاً واحداً يعادل وضوح حديث الغدير، أو يضاهي خطورة حديث المنزلة، أو يماثل دلالة حديث الثقلين، أو يشير إليه قرآن كريم كما في آية الولاية. بل هل ورد في حق أحدٍ منهم نص يجمع هذا العدد من الدلالات؟ إن البحث في المصادر لا يقدم اسماً آخر يملك هذا المستوى من النصوص. الاحتمال الثاني: أن النبي لم يعيّن أحداً أصلاً. وهذا يعني تفسير تلك النصوص الكثيرة بغير ظاهرها، أو صرفها عن معناها الذي نصت عليه مع أنها لا تحتمل التأويل ، أو تجاهلها تماماً. فهل يصح من حكيم أن يترك أمة بأكملها بلا مرجع، ثم ينصب الأدلة التي توحي بوجود هذا المرجع؟ بل تنص على هذا المرجع ؟ إن هذا الاحتمال يصعب قبوله عقلاً بعد إثبات ضرورة القيادة في المباحث السابقة. الاحتمال الثالث: أن المشكلة ليست في النصوص، بل في طريقة التعامل معها. أي أن الخلفيات النفسية والسياسية دفعت بعض الناس إلى تأويل النصوص تعسفا أو تجاوزها، لا أن النصوص كانت غامضة في ذاتها. وهذا الاحتمال هو الأقرب إلى تفسير ما وقع في التاريخ.
[سؤال يكشف معيار الإنصاف]
ولكي تتضح الصورة أكثر، فلنطرح سؤالاً بسيطاً لكنه كاشف: ماذا لو وردت هذه النصوص نفسها في حق شخص آخر غير علي بن أبي طالب؟ تخيل لو أن النبي قال يوم الغدير: "من كنت مولاه فهذا أبو بكر مولاه". ولو قال في عمر: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى". ولو قال: "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وآل فلان". ونزلت آية قرآنية في حقه تشير إلى ولايته. هل كان أحد سيقول إن المقصود مجرد المحبة؟ أو إن هذه النصوص لا علاقة لها بالقيادة؟ أم كنا سنراها اليوم أوضح أدلة الخلافة التي لا يختلف عليها أحد؟ إن التجربة التاريخية تشير إلى أن مثل هذه النصوص لو قيلت في حق شخصية أخرى لكانت تُتلى اليوم على المنابر كأصرح دليل على الإمامة. ومن هنا يتبين أن المشكلة ليست دائماً في وضوح النص، بل أحياناً في هوية الشخص الذي يدل عليه النص.
[سؤال إلزامي للمعترض:]
ماذا كنتم تريدون النبي أن يقول؟ ولنطرح على المعترضين سؤالاً مباشراً لا مفر منه: أنتم تزعمون أن قول النبي «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» لا يدل على الخلافة والقيادة، وتتأولون لفظ "المولى" بصرفه عن معناه الظاهر. فما هي اللفظة التي كان ينبغي على رسول الله أن يعبر بها لو أراد أن ينص على الخلافة نصاً لا يحتمل التأويل؟! هل كان ينبغي أن يقول: «هذا خليفتي من بعدي»؟ أم «هذا الإمام القيم على أمتي»؟ أم «اسمعوا له وأطيعوا»؟ أم «إني مخلف فيكم علياً»؟ أم «إني مخلّف فيكم كتاب ربي وعترتي»؟ بل إن النبي صلى الله عليه وآله لم يترك مجالاً لأحد، فقد قالها بأبلغ الألفاظ وأوضحها في مقامات متعددة. فقد ورد في الأحاديث المتواترة التي رواها أكثر من عشرين صحابياً، وخرجت في دواوين الإسلام، أنه قال: · «إني تارك فيكم، ومخلّف فيكم» · «فانظروا كيف تخلفوني فيهما» · «إني سائلكم حين تردون عليَّ الحوض عن الثقلين» · «فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي» قالها ثلاثاً. بل ورد في رواية فاطمة بنت علي (ع) أن النبي قال في مرضه الذي قبض فيه، وقد امتلأت الحجرة من أصحابه: «أيها الناس، أوشك أن أقبض قبضاً سريعاً، فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم؛ ألا إني مخلف فيكم كتاب ربي عز وجل، وعترتي أهل بيتي»، ثم أخذ بيد علي فرفعها، فقال: «هذا علي مع القرآن». بل حاول النبي أن يكتب النص في مرض موته كتاباً لا يختلف عليه اثنان. فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي: «هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده». فقال عمر - وفي رواية: قال بعضهم -: إن رسول الله قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبكم كتاب الله. فاختلفوا وأكثروا اللغط، فقال النبي: «قوموا عني». وهنا تظهر المفارقة الكبرى: النبي يريد أن يكتب كتاباً يُعصم الأمة من الضلال، فيمنعه بعضهم، ويتهمونه بأنه يهجر! قالوا:«إن الرجل ليهجر»-والعياذ بالله -. فإذا كان النبي عندما أراد أن يكتب النص صراحة، وقال بألفاظ "مخلف" و"مخلّف" و"أذكركم الله في أهل بيتي"، قوبل بالاتهام والمنع، فأي نص كان سيمر عليهم؟! وأي لفظ كان سيقبلونه؟! وهذا يكشف حقيقة مرة: أن المشكلة ليست في غياب النص، ولا في وضوح اللفظ، بل في وجود مانع نفسي وسياسي يمنعهم من قبول أي نص، مهما كان واضحاً. ولو أن النبي نصَّ صراحة بألفاظ لا تحتمل التأويل لقالوا: «إنها كانت في مرض الموت فلا يحتج بها»، أو «إنه قالها في حالة الهجر»، أو «إنها اجتهاد منه لا وحياً». فمن أراد الاعتراض، وجد سبيلاً. ومن أراد التسليم، وجد النصوص من حوله تكفيه. وهذا يثبت أن القضية لم تكن قضية دليل، بل قضية هوى واستكبار، كما قال الله عن المشركين: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكَ﴾.
[شبهة قد تخطر بالبال:]
لماذا لم يفهم الصحابة النصوص كما نفهمها نحن اليوم؟ قد يقول قائل: لو كانت النصوص بهذا الوضوح، فلماذا لم يفهمها أكثر الصحابة بهذا الشكل؟ ولماذا بايع بعضهم أبا بكر؟ والجواب من وجوه: أولاً: ليس صحيحاً أن أكثر الصحابة لم يفهموا النصوص. فقد ثبت تاريخياً أن جمعاً كبيراً من الصحابة تمسكوا بولاية علي بعد النبي، وهم الذين عُرفوا بـ "شيعة علي" في عصر النبوة نفسها، من أبرزهم: سلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، وابن عباس، وغيرهم. ثانياً: البيعة لأبي بكر لم تكن إجماعاً كما يُصوَّر. فالإمام علي وأهل بيته، وكبار الصحابة المذكورين، لم يبايعوا، بل اعتصموا في بيت فاطمة الزهراء احتجاجاً على ما رأوه خروجاً عن وصية النبي بل إن عمر نفسه وصفها بأنها فلتة وقى الله الناس شرها . ثالثاً: تأثرت مواقف بعضهم بالظروف السياسية والاجتماعية التي كانت تمر بها الأمة في تلك المرحلة،وبالخوف من الفتنة،أو بطمع في منصب،أو برواسب قبلية. رابعاً: العبرة ليست بكثرة من خالف النص، بل بثبات النص نفسه. فكم من حق خالفته الأكثرية في لحظة من التاريخ، ثم عادت الأجيال اللاحقة لتدركه؟ ليس معيار الحق هو عدد أتباعه في لحظة معينة، بل هو وضوح الدليل وصدقه. ومن هنا يتبين أن الخلاف لم يكن في أصل النص، بل في كيفية التعامل معه في الواقع.
[الإمامة:]
عهد إلهي لا يسقط بالانحراف إذا ثبت أن الإمامة جزء من نظام الهداية الإلهية، فإن إقصاءها سياسياً لا يعني سقوطها من حيث المبدأ. يقول الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام:﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ البقرة: 124. فالإمامة عهد إلهي، لا يناله الظالمون، لكنه يبقى قائماً في المسار الذي اختاره الله، حتى لو حُورب أو أُقصي. ولهذا استمرت الإمامة في ذرية النبي كمرجعية علمية وروحية تحفظ جوهر الدين، حتى في المراحل التي لم تتحول فيها إلى سلطة سياسية.
[شبهة أخرى:]
لماذا لم ينتصر الأئمة سياسياً؟ قد يتساءل البعض: إذا كانت الإمامة حقاً، فلماذا لم ينتصر الأئمة سياسياً؟ والجواب بسيط: إن الأنبياء أنفسهم لم ينتصروا جميعاً في حياتهم الدنيا. فقد قُتل بعض الأنبياء، واضطُهد آخرون، ونبي الله يحيى ذُبح، وزكريا قُتل. ومع ذلك لم يقل أحد إن نبوتهم باطلة لأنهم لم يملكوا السلطة. فالنصر السياسي ليس معيار الحق، بل المعيار هو النص الإلهي والدور الرسالي في حفظ الدين وهداية الناس. وقد بقيت الإمامة تؤدي هذا الدور حتى عندما غابت عن كرسي الحكم.
[خاتمة المبحث]
إن النصوص عندما تُقرأ بعين البحث الصادق تبدو واضحة في اتجاهها، متكاملة في إشاراتها، متعاضدة في دلالاتها. لكن التاريخ يعلّمنا أن وضوح الدليل لا يكفي وحده أحياناً؛ فكم من حقٍ كان جلياً ثم غلبته المصالح، وكم من نصٍ كان بيّناً ثم غطّته تأويلات السياسة. ولهذا يبقى السؤال الحقيقي موجهاً لكل قارئ منصف: هل نبحث عن الحقيقة كما هي، أم كما تعودنا أن نراها؟

بحوث مشابهة