لماذا علي؟ 2026-05-21

(فصل مستقل) الدلالة النقلية المتواترة على الامتداد الرسالي

منهج ال البيت

في حجة الوداع، وفي يوم شديد الحر، وقف النبي صلى الله عليه وآله أمام جمع غفير يزيد على مئة ألف إنسان، وخطبهم خطبة طويلة، ثم رفع يد علي حتى بان بياض إبطيهما قائلا لهم:
«أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم؟».
قالوا: بلى يارسول الله.
فقال: «اللهم اشهد» ثم قال: «اللهم اشهد».
«فمن كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره».
رواه الترمذي في سننه، والنسائي في خصائصه، وأحمد في مسنده، وابن ماجه، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين.

[الدلالة النقلية المتواترة على الامتداد الرسالي (غدير خم نموذجًا)]
إذا كان العقل قد قادنا إلى ضرورة وجود مرجعية تحفظ الدين بعد النبي، فإن النقل يأتي ليؤكد هذه الضرورة وليحدد مصداقها. ومن أعظم النصوص التي وردت في هذا الباب ما حدث في يوم غدير خم، حيث قام النبي (صلى الله عليه وآله) مقاماً لم يقم مثله في حجة الوداع، ليعلن أمراً لم يكن يمكن تأجيله.
[حديث الغدير:]
في حجة الوداع، وفي يوم شديد الحر، وقف النبي صلى الله عليه وآله أمام جمع غفير يزيد على مئة ألف إنسان، وخطبهم خطبة طويلة، ثم رفع يد علي حتى بان بياض إبطيهما قائلا لهم: «أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم؟». قالوا: بلى يارسول الله. فقال: «اللهم اشهد» ثم قال: «اللهم اشهد». «فمن كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره». رواه الترمذي في سننه، والنسائي في خصائصه، وأحمد في مسنده، وابن ماجه، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين.
[والسؤال الذي يفرض نفسه:]
هل يعقل أن يجمع النبي الناس في ذلك الموقف العظيم، ويوقفهم في تلك الشمس الحارقة، لمجرد الإشادة بمحبة علي؟ أم أن هذا الإعلان يحمل معنى أعظم من مجرد بيان فضيلة؟ ولو كان المقصود مجرد المحبة، لما احتاج النبي إلى هذا الجمع العظيم، ولا إلى هذا التوقيت الحرج، ولا إلى هذا الأسلوب التأكيدي المتكرر.
[إثبات تواتر الحديث]
لم يرو هذا الحديث مصدر واحد أو طريق واحد، بل رواه عدد كبير من الصحابة، ونقله المحدثون في كتب الحديث والتاريخ.
[وقد نص كبار العلماء على تواتره:]
· قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: «بهرتني طرقه، فقطعت بوقوعه». · قال ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة: «حديث صحيح لا مرية فيه، وقد أخرجه جماعة، وطرقه كثيرة جداً». · قال السيوطي: عدّه في الأحاديث المتواترة. · قال المقبلي في أبحاثه: «فإن كان هذا معلوماً، وإلا فما في الدنيا معلوم». وقد جمع ابن جرير الطبري طرقه من خمس وسبعين طريقًا، وأفرد له كتابًا سماه "كتاب الولاية". وجمع ابن عقدة طرقه من مائة وخمس طرق، ورواه عن النبي أكثر من ثلاثين صحابيًا ، وفي رواية لأحمد أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثون صحابيًا. وهذا يعني أن النقاش الحقيقي لم يكن حول وقوع الحديث، بل حول تفسير دلالته. وهنا يعود السؤال مرة أخرى: إذا كان النص ثابتاً بهذه الدرجة من التواتر، فهل الإشكال في الدليل، أم في طريقة فهمه؟
[التحليل السياقي]
اللافت في هذا الموقف أن النبي (صلى الله عليه وآله) بدأ خطبته بسؤال استهلالي عظيم: «ألست أولى بكم من أنفسكم؟» فقالوا: بلى يا رسول الله. هذا السؤال ليس مجرد استفتاء عابر، بل هو تذكير بحقيقة قرآنية: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الأحزاب: 6. بعد أن أقرّ الحاضرون بأن النبي أولى بهم من أنفسهم، انتقل إلى النتيجة مباشرة: «فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه». المولى في اللغة يأتي بمعنى الأولى بالتصرف، كما في قوله تعالى: (إِِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ) وقوله ( وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ)سورة الحج 78. فإذا كان النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأعلن أن عليًا مولى لمن هو مولاه، فهذا يعني أن عليًا يأخذ نفس الولاية التي للنبي على الأمة.
[ارتباط الحديث بآيات قرآنية]
نزلت في هذا اليوم آيتان عظيمتان تؤكدان أهمية هذا الحدث:
[الأولى: آية التبليغ]
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ المائدة: 67. روى المفسرون أن هذه الآية نزلت قبل خطبة الغدير، وكان النبي يخشى تبليغ هذا الأمر، فنزلت الآية تؤكد له أن الله يعصمه من الناس.
[الثانية: آية إكمال الدين]
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ المائدة: 3. روى المفسرون أن هذه الآية نزلت بعد أن فرغ النبي من خطبته، لتعلن أن الدين قد اكتمل بهذا التبليغ.
[الربط بالدليل العقلي]
هذه النصوص تؤكد ما وصلنا إليه بالدليل العقلي: أن الحكمة الإلهية تقتضي وجود مرجعية تحفظ الدين بعد النبي. فكما أن العقل أدرك ضرورة الحافظ للنص، جاء النص ليعين هذا الحافظ ويسميه، ويكشف عن هويته. وهكذا يتكامل العقل والنقل: العقل يدرك الضرورة، والنقل يحدد المصداق.

بحوث مشابهة