[المبحث الثالث
مواصفات القائد والتعيين الإلهي]
بعد أن ثبت أن وجود "الحافظ" للدين ضرورة عقلية، لم يعد السؤال: هل يوجد قائد بعد النبي؟
بل أصبح السؤال: من هو هذا القائد؟ وكيف يتم تعيينه؟
وهنا ينتقل البحث من "إثبات الفكرة" إلى "تحديد المصداق".
إن الإجابة على هذا السؤال ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي محاكمة للعقل والواقع المقارن، ومراجعة للسنن الإلهية التي طبّقها الله في جميع الأمم.
[أولاً: هل يُعقل أن يفرّط النبي فيما حرص عليه الملوك؟]
من مقتضى العقل والضرورة التي يشاهدها كل إنسان في العصر القديم والحديث، أن أي صاحب ولاية —سواء كان ملكاً أو رئيساً— يحرص قبل رحيله على تعيين "ولي عهد" أو خليفة يضمن استقرار نظامه ويحمي شعبه من الفوضى. ولا نجد أحداً ينكر على هؤلاء الملوك هذا التدبير، بل يُعدّ في عرف السياسة "كمالاً في الحكمة".
فإذا كان هذا شأن البشر العاديين، فكيف نُجوز على سيد الحكماء وخاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) أن يرحل عن أمة حديثة عهد بالإسلام، وفيها من التناقضات والقبائل ما فيها، ويتركها "سُدى" بلا نص أو تعيين؟
إن القول بأن النبي لم ينصب خليفة هو في الحقيقة تهمة للنبي بالتفريط والإهمال — وحاشاه ذلك — لأن ترك ركن القيادة للفراغ في أمة حديثة العهد بالإسلام هو دعوة صريحة للفوضى والنزاع، وهذا يتنافى مع أصل الحكمة الإلهية الذي أسسنا له في المبحث الأول.
[ثانياً: المؤهلات]
هي التي تفرض القائد
في أي مؤسسة أو دولة، المؤهلات هي التي تختار الشخص. وإذا استعرضنا تاريخ الصحابة، نجد أن الفراغ الذي تركه رحيل الرسول لا يمكن أن يملأه إلا شخص واحد اجتمعت فيه مؤهلات "الكمال" التي لا تتوافر في غيره، وهو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وذلك لعدة أسباب:
[السابقية والتحمل:]
كان شريكاً في حمل همّ الرسالة منذ طفولته، ولم يسجد لصنم قط، وتحمل من المسؤوليات ما عجز عنه كبار الرجال.
[غزارة العلم:]
كان هو المرجع الأول في فهم الكتاب والسنة، بشهادة الصحابة أنفسهم الذين كانوا يلجأون إليه في معضلاتهم.
المؤهل "الملكي" (الشجاعة): إن قتل كبار المشركين ليس مجرد بطولة جسدية، بل هو "مؤهل إلهي" للحكم. ففي القرآن الكريم، نجد أن الله ربط بين قتل رأس الكفر واستحقاق الملك والحكمة في قصة داود (عليه السلام):
﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾
فعليٌّ هو الذي قتل جالوت هذه الأمة وكبراء كفرها، فكان الأحق بملكها وحكمتها.
[الوراثة النبوية وسنن الأنبياء:]
القرآن مليء بنماذج الأنبياء الذين طلبوا من الله أن يكون الأوصياء من أهل بيتهم (كما طلب موسى أن يكون هارون وزيراً له). فالنبي الذي ولى أسرة معينة "مفاتيح الكعبة" إلى يوم القيامة ولم ينكر عليه أحد، من باب أولى أن يعين "وليّاً" على دماء الأمة ودينها من أهله الأقربين.
استمرارية السنن الإلهية: اختيار الحافظ بعد النبي ليس أمراً جديداً، بل سنة إلهية تعكس الحكمة الإلهية في كل الأمم، حيث كانت العصمة والمؤهلات في ذرية الأنبياء وسيرتهم حاضرة دائماً لحفظ الدين.
[ثالثاً: لماذا حدث الاعتراض؟]
إذا كانت المؤهلات واضحة، فلماذا اعترض المعترضون؟
الحقيقة التي ينبغي مواجهتها هي طمع كبار قريش في الصدارة والملك. هؤلاء الذين حاربوا النبي بالأمس من أجل "الجاه"، دخلوا الإسلام وبقيت في نفوسهم رواسب الحسد وحب التصدر. لقد أدركوا أن الخلافة إذا استقرت في علي (المعين من الله)، فإنها ستستمر في ولده، وهذا يعني نهاية أحلامهم في الوصول للسلطة.
لذلك، عمل هؤلاء على "شحن" البسطاء وتخويفهم من حصر السلطة في بيت واحد — متسترين خلف شعارات براقة كـ"الشورى" و"الاختيار" — بينما كان هدفهم الحقيقي انتزاع الملك ليعود إليهم لا ليعود للأمة.
وما فعله بنو أمية وبنو العباس لاحقاً من فواحش وظلم هو الدليل القاطع على أنهم لم يريدوا "خلافة نبوية"، بل أرادوا "ملكاً قيصرياً" يتوارثونه. ومن الطريف المفجع أنهم لم ينكر أحد عليهم وراثة الملك وقتها، كما أنكروها على رسول الله لو كان نصّ!
[نظرة الآمر أم نظرة المأمور به؟ عبرة من قصة إبليس
ولعل أعمق تحليل نفسي لهذا الاعتراض نجده في القصة القرآنية الخالدة:]
أمر الله الملائكة بالسجود لآدم. فنظرت الملائكة إلى الآمر، فعلموا أن الله حكيم عليم، لا يأمر إلا بخير، ولا يختار إلا من يعلم أنه أهل. فسجدوا جميعاً.
أما إبليس فنظر إلى المأمور به (آدم)، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. فنظر إلى المادة لا إلى المصدر، فنظر إلى الظاهر لا إلى الآمر ، فنظر إلى ما يراه هو لا إلى ما يراه الله. فاستكبر وكان من الكافرين.
وهكذا كل معترض على أمر الله: إن نظر إلى الآمر سلم واطمأن، وإن نظر إلى المأمور به فقط – قياساً على عقله القاصر – اعترض واستكبر.
وكذلك المعترضون على ولاية علي بن أبي طالب (ع): نظروا إلى من أمر بولايته؟ أم نظروا إلى علي نفسه بموازينهم القاصرة؟
لو نظروا إلى أن الآمر هو الله في كتابه (آية الولاية)، والآمر هو رسوله في سنته (حديث الغدير والمنزلة والثقلين)، لما كان لهم من اعتراض.
لكنهم نظروا إلى سن علي، أو إلى أن الخلافة ستستقر في بيته، أو إلى أنه قتل آباءهم في بدر، أو إلى غير ذلك من الاعتبارات التي تشبه نظر إبليس إلى طين آدم. فكان اعتراضهم من جنس اعتراضه، ومآلهم إن لم يتوبوا كمآله.
[خلاصة المبحث]
· ترك النبي بلا تعيين محال عقلاً.
· مؤهلات علي تفرضه خياراً وحيداً.
· سنن الأنبياء تؤكد التعيين الإلهي.
· جذور الرفض: الحسد وطمع قريش في الملك.
· قصة إبليس: من نظر إلى الآمر سلم، ومن نظر إلى المأمور به وأهوائه اعترض.
· والمعترضون على ولاية علي نظروا إلى شخصه وأهوائهم لا إلى أمر الله.
· العقل والنص: لا أحد أولى بالخلافة بعد النبي من علي.
[السؤال الذي ينتظر إجابة]
إذا كانت المؤهلات العقلية والواقعية تشير إلى "علي"، والسنن الإلهية تؤكد ضرورة "التعيين".. فكيف تمت عملية إقصائه في الواقع؟ وكيف تحول "الدين" في أيدي الطلقاء إلى "ملك عضوض" يظلم فيه الناس وتُستحل فيه المحارم؟