لماذا علي؟ 2026-05-21

(المبحث السادس) الإمامة.. الامتداد الطبيعي للنبوة

منهج ال البيت

يبقى السؤال الأهم في هذه الخاتمة:
كيف يترجم هذا الواقع الإلهي في حياتنا المعاصرة؟
وكيف يمكن للباحث عن الحق أن يرتبط بمنهج الإمامة عملياً، بعد أن اقتنع به نظرياً؟

[(المبحث السادس) الإمامة.. الامتداد الطبيعي للنبوة (الطريق إلى الخاتمة)]
وصلنا بعد خمسة مباحث إلى حقيقة مهمة: أن النظام الرسالي الذي أقامه النبي (صلى الله عليه وآله) لم ينتهِ بوفاته، وأن النصوص الصريحة تشهد بوضوح على الإمامة بوصفها امتداداً طبيعياً للنبوة في حفظ الدين وهداية الأمة.
[لكن يبقى السؤال الأهم في هذه الخاتمة:]
كيف يترجم هذا الواقع الإلهي في حياتنا المعاصرة؟ وكيف يمكن للباحث عن الحق أن يرتبط بمنهج الإمامة عملياً، بعد أن اقتنع به نظرياً؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أن نفهم أولاً طبيعة الإمامة ذاتها: إنها ليست مجرد سلطة سياسية انتهت بانتهاء عصرها، بل هي سفينة هدى تمتد عبر الزمن، تحمل من ركبها إلى شاطئ النجاة. سفينة النجاة في زمن العباب لقد شبه النبي (صلى الله عليه وآله) أهل بيته بسفينة نجاة في حديث صريح ومعروف: «إن مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق». وهذا التشبيه النبوي يكشف لنا حقيقة دقيقة: فكما كانت سفينة نوح وسيلة النجاة الوحيدة في الطوفان، كذلك كانت الإمامة وسيلة النجاة الوحيدة من طوفان الانحراف بعد النبي. وكما أن سفينة نوح لم تكن موجودة لتبقى على الأرض، بل لتركب وتنجو، كذلك الإمامة ليست نظرية نقرؤها ونتجاوزها، بل مركب نركبه لنعبر به إلى بر الأمان. وهذا يعني أن مسألة الإمامة ليست خياراً فكرياً نأخذه أو نتركه، بل هي طريق النجاة الذي لا ينجو من طوفان الضلال إلا من ركبه. أولاً: الإمامة امتداد للنبوة كما بيّنا في المباحث السابقة، الإمامة ليست اختراعاً بشرياً، ولا نتيجة صراعات سياسية، بل هي عهد إلهي قائم على النص والقدرة المؤهلة. يقول الله تعالى عن إبراهيم الخليل: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ البقرة: 124. فالإمامة عهد من الله، لا يسقط بظلم الظالمين، ولا يزول بانحراف الحاكمين، بل يبقى حياً في الذرية الطاهرة التي اختارها الله لحمل هذه الأمانة. والنبي (صلى الله عليه وآله) حين قال: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي» ، لم يكن يودع الأمة تراثاً مكتوباً فقط، بل كان يمد لها حبل هداية ممدوداً من السماء إلى الأرض، يضمن لها عدم الضلال ما تمسكت به. فالإيمان بالإمامة إذن يعني ربط الهداية بالنص الإلهي، لا بآراء البشر المتغيرة، ولا بتحولات السلطة المتقلبة. ثانياً: حضور الإمامة في غياب السلطة قد يتساءل قائل: إذا كان الأئمة قد أقصوا عن الحكم، وقتل بعضهم، فكيف يمكن أن يكونوا هداة للأمة؟ والجواب أن الحضور الهدائي لا يتوقف على الحضور السياسي.
[فالإمامة استمرت تؤدي دورها في الأمة عبر مسارات متعددة:]
١. حفظ العلم النبوي: الأئمة كانوا المرجع الأول في تفسير القرآن وبيان السنة، في زمن كثر فيه الوضع والتحريف. كانوا كالنجوم في ليلة ظلماء، يهتدي بهم من أراد الله له الهداية. ٢. التربية الروحية والأخلاقية: لم يتركوا الناس في صراعات السياسة وحدهم، بل ربوا الأجيال على الزهد في الدنيا، والإخلاص لله، والصبر على الأذى في سبيل الحق. وهذه التربية هي التي أنتجت علماء كباراً وشهداء عظماء. ٣. ضبط البوصلة في زمن العواصف: في كل مرحلة تاريخية كان هناك من الأئمة أو من ورثتهم العلميين من يذكر الأمة بمعايير الحق، ويفضح انحراف الحكام، ويحمي الدين من أن يتحول إلى أداة في أيديهم. وهكذا بقيت الإمامة حية في الأمة، حتى وهي غائبة عن مركز السلطة.
[ثالثاً: الرؤية الزيدية في الإمامة]
إن الإمامة في هذا التصور ليست منصبًا مغلقًا في أشخاص معدودين، ولا دعوى غيبية منفصلة عن واقع الأمة، بل هي امتداد لمنهج النبوة في قيادة الأمة بالعلم والعدل، يقوم بها من توفرت فيه شروطها من أهل البيت، ودعا إليها، ونهض لتحمل مسؤوليتها. فالإمام ليس مجرد اسم يُنتظر، بل هو مشروع يقوم، وعلم يُنشر، وعدل يُقام. ومن أوضح من جسّد هذا المعنى في التاريخ: الإمام زيد بن علي (عليه السلام) ، حيث جمع بين العلم والجهاد، والدعوة والعمل، فكان نموذجًا للإمامة الحية التي لا تنفصل عن واقع الأمة. ليست الإمامة انتظارًا لواقع غائب، بل هي مسؤولية قائمة في كل زمان، يحملها من توفرت فيه شروطها، ونهض بها، ودعا إليها.
[رابعاً: لماذا النص على علي خاصة؟]
قد يسأل سائل: لماذا نؤمن بضرورة النص الخاص على الإمام علي (ع)، بينما لا نطالب بنص خاص على كل إمام من بعده؟ والجواب أن الفرق بين المقامين واضح: أولاً: علي (ع) هو أول من يلي النبي في قيادة الأمة. والأمة كانت حديثة عهد بالإسلام، وفيها من التناقضات والرواسب الجاهلية ما فيها. فكان لابد من نص قاطع يقطع الطريق على كل اعتراض، ويُسكت كل مدعٍ، ويُثبت أن الأمر ليس اجتهاداً بشرياً ولا صراعاً على الملك. فالنص الخاص هنا كان ضرورة المرحلة الأولى. ثانياً: بعد أن ثبت بالنص أن الإمامة في أهل البيت، وأن الإمام الحق هو من سار بسيرة علي واتصف بصفاته (علماً، زهداً، شجاعة، عدلاً)، أصبح الإمام يُعرف بـ النص العام (الولاية في أهل البيت) مع مطابقة الشروط التي كان عليها علي. فمن جاء بعد علي وتوفرت فيه تلك الشروط، ودعا إلى الحق، ونهض بالمسؤولية، فهو الإمام. وهذا هو الفرق بين النص الخاص (لعلي) والنص العام (لباقي الأئمة). وهو ما تتبناه الرؤية الزيدية في الإمامة: لا يشترط نص خاص على كل إمام، بل يكفي أن يكون من أهل البيت، وأن تتوفر فيه الصفات القيادية نفسها التي كانت في علي، وأن ينهض بالدعوة إلى الحق. فالإمام علي إذن هو الدليل والمعيار والنموذج الذي يُقاس به من يأتي بعده.
[خامساً: أربع خطوات عملية للارتباط بالإمامة]
بعد أن تبين لنا الطريق نظرياً، لا بد من الانتقال إلى التطبيق العملي.
[الخطوة الأولى:]
إعادة قراءة التاريخ بعين النص ليس المطلوب أن نعيش في الماضي، بل أن نفهمه فهماً يحررنا من أوهامه. اقرأ سيرة الأئمة ليس كأخبار ماضية، بل كنماذج حية: · في صبر علي على الإقصاء. · في ثبات الحسين في كربلاء. · في علم الباقر والإمام زيد رغم المحنة. · في عدل وسيرة الإمام الهادي يحيى بن الحسين (ع) في اليمن، حيث أقام دولة العدل وطبّق أحكام القرآن. · في جهاد وعلم الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة (ع) ومؤلفاته القيمة ككتاب "الشافي" في الرد على المخالفين.
[الخطوة الثانية:]
التمييز بين الإسلام النبوي والإسلام التاريخي كثير مما نراه اليوم من ممارسات دينية هو نتاج "الإسلام التاريخي" الذي صاغته السلطة بعد انحراف المسار. مهمتك أن تميز: · بين ما جاء به النبي وما أضافه الملوك لتبرير ملكهم. · بين أحكام الدين التي أنزلها الله، وبين تأويلات السلطة. الإمامة هي الميزان الذي تعرف به الفرق: كل ما وافق نهج الأئمة فهو من الدين، وكل ما خالفه فهو دخيل عليه.
[الخطوة الثالثة:]
الارتباط بالمنهج لا بالشعارات الإمامة ليست شعاراً نرفعه، بل منهج حياة: · عدل في المعاملة، كما كان علي لا تأخذه في الله لومة لائم. · صدق في الحديث، كما كان الصادق لا يعرف المداهنة. · تواضع في القيادة، كما كان السجاد يخالط الناس ويؤاكل المساكين. · علم في العمل، كما كان الباقر يملأ المسجد علماً وحكمة. · حزماً في الحق كما كان الإمام زيد بن علي. اسأل نفسك كل يوم: هل أنا اليوم أقرب إلى منهج الحق والعدل، أم إلى ما يخالفه؟
[الخطوة الرابعة:]
البحث عن العلماء الربانيين الأئمة حاضرون في الهداية عبر علمائهم الذين ورثوا علمهم. قال النبي (صلى الله عليه وآله): «العلماء ورثة الأنبياء». ابحث عن العالم الذي: · لا يخاف في الله لومة لائم. · يقدم النص على الهوى. · يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
[تطبيقات عملية للقارئ المعاصر]
التطبيق الأول: اقرأ كتاباً في سيرة الإمام علي، ليس كتاريخ جامد، بل كمنهج حياة. اقرأ كتاباً معتمداً مثل "نهج البلاغة" أو "لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار".
[التطبيق الثاني:]
استمع لمحاضرة عن واقعة كربلاء لفهم الدروس: كيف يواجه الإنسان الطغيان وهو وحده؟ كيف تكون الشهادة انتصاراً؟
[التطبيق الثالث:]
اختر عالماً واحداً تثق به وتتابعه. ابحث عن عالم يلتزم بالمعايير التي ذكرناها، واجعل له مجلساً تسمعه أو تقرأ له.
[التطبيق الرابع:]
اسأل نفسك كل مساء سؤالاً واحداً: "هل أنا اليوم أقرب إلى منهج الحق والعدل، أم إلى ما يخالفه؟" وقفة تأمل خذ نفساً عميقاً الآن. تخيل أنك تقف على شاطئ البحر، وسفينة نجاة ترسو أمامك. من حولك أناس يتجادلون: هل هذه السفينة حقيقية؟ وهل النجاة فيها أم يمكن السباحة وحيداً؟ البحر يموج بالأمواج، والطوفان قادم لا محالة. السفينة أمامك، والباب مفتوح. السؤال ليس: هل هذه السفينة حقيقية أم لا؟ السؤال هو: هل ستركبها أم ستتركها وتراهن على قدرتك على السباحة؟ هذا هو موقعك اليوم بعد هذه المباحث. النصوص واضحة، والحجج قوية، والتاريخ شاهد. ولكن يبقى القرار النهائي بيدك وحدك.
[تنبيه هام]
من أراد الاستزادة والاطلاع على الأدلة الكاملة، وأسانيدها ورواتها ومصادرها من كتب الفريقين، فعليه بكتاب "لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار" للإمام الحجة المجدد للدين مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي (عليه السلام). فقد جمع فيه من الشواهد والبراهين ما يضيق به المجال عن ذكره هنا، صاحب القسم الشهير الذي قال فيه: قَسَماً باللهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيْرِ، قَسَماً يَعْلَمُ صِدْقَهُ الْعَلِيْمُ الْخَبِيْرُ، أَنْ لا غَرَضَ وَلا هَوَى لَنَا غَيْر النُّزُوْلِ عِنْدَ حُكْمِ اللهِ، وَالْوُقُوْفِ عَلَى مُقْتَضَى أَمْرِهِ، وَأَنَّا لَوْ عَلِمْنَا الْحَقَّ فِي جَانِبِ أَقْصَى الْخَلْقِ مِنْ عَرَبِيٍّ أَوْ عَجَمِيٍّ أَوْ قُرَشِيٍّ أَوْ حَبَشِيٍّ لَقَبِلْنَاهُ مِنْهُ، وَتَقَبَّلْنَاهُ عَنْهُ، وَلَمَا أَنِفْنَا مِنْ اتِّبَاعِهِ، وَلَكُنَّا مِنْ أَعْوَانِهِ عَلَيْهِ وَأَتْبَاعِهِ؛ فَلْيَقُلِ النَّاظِرُ مَا شَاءَ، وَلا يُرَاقِبْ إلاَّ رَبَّهُ، وَلا يَخْشَ إلاَّ ذَنْبَهُ؛ فَالْحَكَمُ اللهُ، وَالْمَوْعِدُ الْقِيَامَةُ، وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُوْرُ. تم المبحث السادس بحمد الله
[الخاتمة]
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. بهذا نكون قد أنهينا رحلتنا في البحث عن الحقيقة، متخذين من العقل دليلاً، ومن النص نوراً، ومن التاريخ عبرة. وقد تبين لنا أن الإمامة ليست بدعة ولا خياراً بشرياً، بل هي امتداد طبيعي للنبوة، وعهد إلهي لحفظ الدين، وسفينة نجاة لمن ركبها. وأن النصوص على ولاية علي بن أبي طالب (ع) لم تكن غامضة ولا قليلة، بل هي متواترة واضحة، لكن الهوى والمصالح هي التي حجبت البصائر عن رؤيتها. فمن أراد الهداية فليتبع النص، ومن أراد التيه فليتبع الهوى. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. تمت الرسالة بحمد الله وعونه

Similar research